بقلم عاشور الشامس

كان اغتيال محمد مصطفى رمضان في 11 أبريل 1980 في لندن. ذلك الصحافي اللامع والشخص الودود والصديق الحميم الذي قضيت في صحبته أياما هي من أحلى أيام العمر في بريطانيا.

كنت في رحلة عمل خارج بريطانيا وجاء اغتيال محمد فجأة، وعلمت من السلطات البريطانية ومن أصدقاء لي ذوي علاقات بالسفارة الليبية في لندن إثر رجوعي اليها أنني على نفس قائمة الاغتيالات وأنني من بين المستهدفين.

محمد مصطفي رمضان المذيع اللامع بإذاعة لندن منذ عام 1966 وحتى 1980. كان صوته رنانا مميزا. وكانت روحه المداعبة بشقاوة تظهر واضحة من خلال القائه ونطقه للأسماء الليبية.

فكان يصر على قراءة اسم عبدالسلام جلود بدون تشديد اللام فيقول اجلُودأي جمع جلد“.

وكان الليبيون المواضبون على الاستماع لإذاعة لندن – وكثير ما هم في تلك الحقبة – يعرفونه وتعجبهم قفشاته فيبتسمون معه على الأثير.

وكان يستخدم السخرية للتعريض بالحكم في ليبيا حيث قال ان بريطانيا ستسجل في مذكراتها أغرب حدث دبلوماسي وهو قبول اوراق اعتماد خمسة سفراء.. مرة واحدة يمثلون جماهيرية القذافي!!” اثر زحف موسى كوسة واربعة من عصابة على السفارة وعينوا انفسهم سفراء“!!
وكان محمد من أوائل الليبيين الذين كانوا ضحايا التصفيات الجسدية وأول وأبرز من قتل غدرا في الخارجفي لندن.

فقد أطلق عليه الرصاص ثلاثة من القتلة وهم، بلحسن محمد المصري ونجيب مفتاح القاسمي ومبروك على الجدال، وهو خارج من مسجد لندن الرئيسي عقب صلاة الجمعة فأردياه قتيلا.

وكان اغتياله بتخطيط وتنفيذ موسى كوسة الذي اعترف لصحيفة التايمز اللندنية بتاريخ 11 يونيو 1980 ان اللجان الثورية قتلت اثنين من اعداء الثورة (محمد رمضان ومحمود نافع) وتتربص لقتل اثنين آخرين.

وعلى إثر هذا التصريح الدبلوماسيالمحنك طُرد موسى كوسا من بريطانيا في خلال 48 ساعة!!

كان محمد نسيجا وحده

تربي وتلقى تعليمه حتي الثانوية في طرابلس. وكان مثقفا عصاميا ثقف نفسه بنفسه عن طريق القراءة والنقاش والجدال المتواصل في تلك الفترة الذهبية من تاريخ ليبيا.

وكان في كتاباته ومناقشاته يدافع عن الاسلام دفاعا مستميتا. وكان يدافع عن الاخوان المسلمين وحزب التحرير، بقدر ما كان ينتقد اساليبهم وومناهج عملهم ومواقفهم. وهو بذلك مفكر اسلامي مستقل لا يمكن حسابه على الإخوان أو أي من التنظيمات الاخرى.

لقد فوجئنا آنذاك كيف أن النظام يتخذ منا أعداء إلى درجة أن يتجرأ على اغتيالنا في المساجد والشوارع وفي وضح النهار بدون إنذار.

لقد كنت آنذاك منهمكا في النشاط الإسلامي ولم أكن من المشاركين في العمل الوطني الليبي. ورغم وجود بدايات لتنظيمات معارضة ليبية خارج ليبيا وفي بريطانيا بالذات إلا أنه لم تكن لي بها صلة قوية.

ولكنني وجدت نفسي وآخرين من زملائي في مواجهة مباشرة مع نظام تجرأ على استعمال العنف بصورة عشوائية بشعة وغير إنسانية وفي تحد سافر لجميع القوانين المحلية والدولية، ويصر على استعداء جميع الليبيين الذين لا يظهرون له الانقياد أو الولاء.

لقد تعرفت على محمد مصطفى رمضان في الثانوية في طرابلس واشتركنا في إعداد برنامج طلابي معا في الإذاعة الليبية. وقد جاء إلى لندن بعدي بأقل من سنةعام 1966 ليلتحق بإذاعة لندن التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ولنستأنف صداقتنا في الغربة معا حيث سبقته بسنة في لندن.

كان محمد ذا فكر مستقل ونفس تواقة للمشاكسة والتمرد، وروح خفيفة تضفي على لقاءاته الكثير من البهجة والمزاح والتسلية.

وكان صاحب قلم (ولسان) لاذع لا يرحم ولا يراعي في نقده المجاملة أو حتي اتيكيت الخطاب أحيانا.

فعندما استولت اللجان الثورية على السفارة في لندن وآحالتها الى “مكتب شعبي” في سبتمبر 1979 وعينت اربعة اشخاص وليس شخصا واحدا ليقوم بمهمة السفير، لم يفت محمد العليق على ذلك بقوله “إن على صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا ان تتسلم آوراق إعتماد أربعة اشخاص وأن تصافح سفيرا يتكون من أربعة اشخاص بدلا من شخص واحد”!!

وكان له موقف واضح في حواراته في الصحافة مع الكاتب محمد جلال كشك وحزب التحرير والإخوان المسلمين، وفي هجومه على جمال عبدالناصر والقوميين والاشتراكيين والماركسيين.

كنت أغبطه روحه الشقية الخارجة عن المألوف وحرصه باستمرار على أن يختط لنفسه مسلكا مستقلا، وإن كان أحيانا خارجا عن المألوف. وقد الف كتابا اشتهر حينها بعنوان: الشعوبية الجديدة.

ولقد كانت لمحمد مجموعة من الرسائل المفتوحة التي كتبها ووجهها للقذافي شخصيا. كان يناقشه في أفكاره الثورية والاشتراكية وصلتها بالإسلام. وكان يسلمها لسيد قذاف الدم أبن عم القذافي الذي كان ملحقا عسكريا في السفارة ويتردد على لندن في تلك الآونة، حرصا منه على أن تصل الى العقيد مباشرة.

ونشر بعض تلك الرسائل في صحيفة العرببلندن ما بين الأعوام 1972 و 1977. كان محمد مناوئا للأنظمة العسكرية ويجاهر بمعارضته لها. ولكنه انتهج في تلك الرسائل أسلوب النصح والصدق بشجاعة والابتعاد عن التعريض أو المزايدات لما رآه من شعارات إسلامية يرفعها القذافي وانصاره، ومحاولة منه جر القذافي إلى حوار مفتوح.

ولكن جاء رد القذافي على كلمات محمد تلك يوم 11 ابريل 1980 كأجبن ما يكون الردبرصاص بارد غادر أطلق عليه مباشرة وعن كثب بعد صلاة الجمعة أمام مسجد لندن الكبير، بدون مقدمات أو سابق إنذار، ليسكته إلى الأبد.

وقد نقل جثمانه لدفنه في طربلس فرفضت السلطات الليبية وأعيد الجثمان للدفن في لندن لأن مقابر العرب الليبيين ترفض أن تستقبل جثتا نتنة تزكم رائحتها الأنوف“. (جريدة الزحف إلاخضر 28 ابريل 1980.

وقد كانت زوجته (نادية) حاملا. وكانت له إبنة (حنان) في سن الثالثة، وكان شديد التعلق بها ويصطحبها معه الى كل مكان والى المسجد باستمرار.
كان اغتيال محمد وغيره من رجال المقاومة والمعارضة الليبية في الداخل والخارج في عام 1980 هو الشرارة الحقيقية للعمل السياسي والعسكري المعارض من خارج ليبيا.

فانطلق في معظم البلاد العربية وفي اوروبا وفي امريكا، ولم يهدأ حتي تُوج بثورة عارمة قادها ابناء ليبيا الأشاوس من داخل عقر الضب الأغبر.

وهكذا اجتمع العمل الليبي في الداخل والخارج ليقدم لنا اروع مثال للمقاومة والمعارضة عرفه التاريخ العربي الحديث.

_______________________

المصدر: صفحة الكاتب ـ فيسبوك

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *