بقلم د. جورج جقمان

في حوار جرى مؤخرا مع عدد من الشبان والشابات المتعلمين من خريجي الجامعات الفلسطينية هالني وراعني وصدمني درجة انتشار الإعتقاد بينهم، وإن لم يكن جميعهم، ان الإنتفاضات والثورات العربية هي مؤامرة غربية.

أنا أعرف أن هذا الإعتقاد واسع الإنتشار منذ فترة، وأن صفحات الفيسبوكملىء بنظرية المؤامرة لتفسير أحدث عدة وليس فقط الإنتفاضات والثورات العربية. لكني لم أتوقع أن الشباب المتعلم وبعضهم من حملة الشهادات العليا سيأخذ ضرورة بها.

لكن، ما لفت نظري بشكل خاص هو شدة إعتقاد البعض بهذا التفسير للثورات العربية، والدفاع القوي والمنفعل بكل العواطف الجياشة والغضب العارم والمبرر أيضا، تجاه تاريخ العلاقة الإستعمارية والكلونيالية مع عدة دول غربية بما في ذلك دعمهم لأسرائيل.

وأنا متعاطف طبعا مع هذا الغضب والشعور العميق بالغبن والمظلومية، لكن تفسير أسباب الثورات العربية تفسيرا عقلانيا أمر آخر.

لذا، وفي هذا لحوار، رأيت أن أسئل السؤال الأولي والمركزي لأي نقاش يحكم العقل والأدلة في الموضوع:

ما هو الدليل؟

ما هو الدليل على أن الثورات العربية مؤامرة غربية؟

ووجدت في أكثر من إجابة إشارة محددة إلى ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس، ما معناه أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأسبق بوش الأبن تتطلع إلى تشكيل شرق أوسط جديد“.

هذا على ما يظهر، هو الدليل الأقوى للتفسير المؤامراتي للأحداث، أي ليس فقط التكهن عن النوايا وافتراض أهداف دون دليل ملموس، بل وفي هذه الحالة، من فمهم ندينهم“.

لذا، وبتداء، سألت: لكن هذا كان على شفا العدوان على العراق قبل ثماني سنوات من الإنتفاضات في تونس ومصر، وكان هذا القول في سياق غزو أفغانستان والعراق، وربما كان الهدف بعد ذلك سوريا وإيران، أو حتى إيران أولا كما كانت تريد إسرائيل لفصم عرى محور المقاومة، وفي حقبة المحافظين الجدد، وليس في حقبة الرئيس أوباما.

وفي كل الأحوال، كيف يصلح ما قامت به إدارة بوش في العراق كدليل على أن إدارة أوباما ودول غربية أخرى كانت وراء إنتفاضات وثورات تونس ومصر، والمظاهرات والإحتجاجات التي قامت أيضا في دول عربية أخرى؟

أشار البعض هنا إلى سوريا ووجود حرب بالوكالةعلى أرضها.

وافقت طبعا على هذا، لكن الطرف الخارجي هنا في المقام الأول عربي وتركي من ناحية التمويل والتسليح وفتح الأبواب لمجاهدينمن أقاصي الأرض من خلال تركيا أساسا، للإنضمام لهذا المسعى.

ليس هذا فقط، وإنما أيضا العزوف المعروف لإدارة أوباما ودول غربية أخرى بالإنخراط بشكل رئيسي في هذه الحرب بالرغم من الضغط المستمر من قبل دول عربية محددة قالت علنا أن أوباما خذلها في سوريا، وتتطلع الآن إلى تعاوننشط وأكبر مع إدارة الرئيس ترمب. وكانت هذه الدول ضد الإتفاق مع إيران حول الملف النوويأسوة بموقف إسرائيل. والإتفاق مع إيران يعني بقاء محور الممانعةوإن كان بتفاهمات محددة.

ثم تساءلت بالنسبة للشعب العربي عموما وبالنسبة لتونس ومصر تحديدا: كيف يمكن لدول خارجية إخراج مظاهرات مليونية في مصر مثلا، لأيام وأسابيع، وما هي الطرق التي استخدمت لإقناع هذه الآلاف المؤلفة من المضللينبالتظاهر يوما بعد يوم، وألا يوجد تظلمات كبيرة داخلية تدفع الناس للخروج بهذا الزخم ومواجهة قوى الأمن والإشتباك معها واستشهاد العديدين منهم في غمرة هذا الصراع، بما في ذلك ما يقارب الألف في موقعة رابعة لوحدها، ناهيك عن موقعة بور سعيد على سبيل المثال لا الحصر، وكل هذا بفعل مؤامرة خارجية؟

يتشعب الحديث ويتفرع.

تعطى أمثلة على كيفية تم تأليب الجمهور المصري. أسم وائل غنيم على رأس القائمة كونه يعمل مع شركة جوجل والذي كان له دور رئيسي في إشعال الثورة حسب هذا الرأي، ثم يجري الحديث عن تدريب لفرق من الشباب المصري استعدادا للثورة ودور غنيم في هذا.

معلوماتكثيرة لم أسمع عنها شخصيا رغم متابعتي اليومية للإحداث في مصر، كلها تنتظم دعما لوجهة النظر هذه.

ثم أسال: من أجل ماذا؟

ألم يكن نظام مبارك حليفا للولايات المتحدة ومرضيا عنه من قبل إسرائيل؟

لماذا يريدون الإطاحة به؟

نعم، يأتي الرد، مبارك كان حليفا، لكنه كان سلام بارد مع إسرائيل وكانوا يريدون علاقة أوثق وإيصال الإخوان المسلمين للحكم.

هنا تتفرع الأسئلة وتتشتت، ويصبح من المتعذر الإحاطة بالنقاش وضبطه ويقارب أن ينتهي دون تغيير في القناعات: نعم، سعت إدارة أوباما إلى دمج الإخوان في الحكم في مصر ودول أخرى كحزب معتدللغرض الفصل بين الإسلاميين المعتدلينوالإسلاميين المتطرفين“.

لكن هذا شيء وتدبير ثورة شيء آخر.

وفي كل الأحوال، كان هذا المسعى لو صح سيخلق شرخا في التحالفات الإقليمية للولايات المتحدة، خاصة مع دول عربية وثيقة الصلة معها منذ تأسيسها، ترى في الإخوان خطرا داهما كنموذج قد يصلها ويؤجج المطالب الداخلية بالإصلاح.

وقد عملت بعض هذه الدول ما في وسعها للإطاحة بالإخوان بالتحالف مع الدولة العميقةفي مصر.

وهكذا يستمر الحديث دون تعديل المواقف.

يصعب في حوارات من هذا النوع محدودة بالظرف والوقت تغيير القناعات. وقد لا تتغير القناعات لسبب آخر. فنظرية المؤامرة لتفسير الكثير من الأحداث التاريخية منشؤها في رأيي عنصر نفسي أيضا. ليس لأنه لا توجد مؤامراتتقوم بها دول.

لكن أسال: ما الفرق بين مؤامرةو خطة سرية؟

لدى الكثير من الدول خطط سرية لا تفصح عنها دائما سواء كانت داخلية أم خارجية. مثلا، لا بد أن كان لدى إسرائيل خطة سرية لقصف مواقع محددة في إيران في فترة ما، أن لم تجاريها إدارة أوباما

من ناحية مدلول كلمتي مؤامرةوخطة سرية، من غير الواضح أنه يوجد فرق بينهما فيما تدلان عليه. لكن الفرق قد يكمن في الجانب المشخصن لكلمة مؤامرة، الجانب الكيديالموجه ضدنا“.

إنه كيد الإعداء، ومكر ودسائس الذين يريدون تعميق استتباع العرب وتبديد مصادر قوتهم وتفتيت دولهم.

نعم، هذا كله ممكن، لكن إفقاد الشعوب العربية الإرادة والعزم والمقدرة على الإحتجاج أو الثورة دون تدبير خارجي ودسيسة تآمرية مهما بلغ عسف الحكم والظلم والإفقار مداه، لا دليل عليه يعتد به في التاريخ العربي أو البشري .

لكن، من يدري، فلعل الإنتفاضة الفلسطينية الأولى كانت مؤامرة خارجية أيضا.

***

جورج جقمان يحمل شهادة الدكتوراة في الفلسفة، متخصص في الفلسفة المعاصرة والفلسفة الإسلامية وقضايا التحول الديمقراطي. يُدرس في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية وبرنامجي الماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان، والدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرزيت، ويشغل منصب المدير العام للمؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن)، ومقرها الرئيسي رام الله. عمل في السابق كعميد لكلية الآداب وعميد مؤسس لكلية الدراسات العليا ورئيس لدائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بير زيت. له العديد من الأبحاث المنشورة في دوريات متخصصة ومحرر لأربعة كتب. يكتب التحليل السياسي لدوريات متخصصة، ووسائل إعلام عربية ودولية، وآخر مؤلفاته كتاب: “قبل وبعد عرفات: التحول السياسي في الإنتفاضة الثانية” (2011).

______________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *