بقلم جون ميتزلر

ليبيا بلد محطم .. بسبب الأسلحة والمتفجرات التي تملأها، الصراع القبلي والسياسي الذي يحكمها، والمهاجرين غير النظاميين الذين تغص بهم، وأيضا بسبب تحويلها ملجأ للمجموعات الإرهابية الفتاكة، تشكل ليبيا مأساة صارخة في شمال أفريقيا، بعد ست سنوات من ثورة شعبية وطنية مدعومة بعمل عسكري بريطاني فرنسي أميركي أدت إلى إسقاط نظام القذافي.

الآن هناك شئ من الندم الصامت، تسعى بريطانيا وفرنسا لدعم ليبيا مرة أخرى لتقف على قدميها.

هذه الأرض التي تبلغ مساحتها ضعف مساحة ولاية تكساس مرتين و لا يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين ، تتحدى حتى الإجابات السهلة.

بعد نشره مقالا بعنوان : “ليبيا .. يمكن أن تكون عظيمة مرة أخرى، نزل وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إلى طرابلس لرؤية الأشياء بعينيه. ولم تكن رحلته تلك الأولى، لكن الحركة تمثل أن هناك التزام من قبل الحكومة البريطانية للعمل لإصلاح خطأ عام 2011 عندما ساعد التدخل الخارجي انتفاضة الربيع الليبي إلى إسقاط الدكتاتور القذافي.

نقل عن الوزير جونسون أنه اعترف بأن إزالة القذافي في عام 2011 كانت كارثةللشعب الليبي. وقال لـ بي بي سي : “لقد أفرطنا بالتفاؤلبشأن مستقبل ليبيا.

ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق، والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاس ساركوزي، ووزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة هيلاري كلينتون، كانوا عاملا أساسيا في تغيير الوضع في ليبيا، وربما في إطالة أمد مشاكلها الأمنية.

الأمر الواقع على الأرض، أن البلد فيها حكومتين متنافستين، وعدد كبير من الميليشيات، وأيضا مجتمع إسلامي أصولي. وعلاوة على ذلك، وهذا هو السبب في أن الغرب بات جادا في حل المشكلة؛ تحولت ليبيا ممرا لمئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من وسط وغرب أفريقيا الذين يقصدون أوروبا عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا.

وفي كلمته أمام مجلس الأمن، تحدث المبعوث الخاص الجديد للأمم المتحدة في ليبيا الدكتورغسان سلامة لأعضاء المجلس عن الصعوبات العملية التي تواجه السكان في العاصمة طرابلس لقد تعب الناس من الانقطاعات التي لا نهاية لها في الكهرباء والمياه، والتي أثرت بدورها على الهاتف، الإنترنت، ولا يمكن لليبيين أن يفهموا لماذا هم فقراء في بلد غني بالموارد الطبيعية “.

وأضاف الدكتور سلامة، وهو أكاديمي لبناني: “من غير الطبيعي في هذه الدولة الغنية أن تغلق الإدارات الجامعية واحدة تلو الأخرى لأن الفجوة الفاحشة في سعر الصرف أدت إلى انسحاب أعضاء هيئة التدريس الأجانب بشكل جماعي“.

واعترف قائلا : “ومن الواضح أن هناك مشكلة خطيرة فى إدارة الدولة “.

وأشار مندوب أوروغواي من جانبه إلى أنه بعد ست سنوات، من الصعب تسمية ما يحدث في ليبيا قصة نجاح“. وتعتبر الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر من بين التحديات التي تواجه البلاد

(محرر المنبر: لعله من المفيد هنا الإشارة إلى أن مصدر الجريمة المنظمة هي تلك المجموعات المسلحة التي تكونت من الاف المجرمين الذين أَطلق سراحهم نظام القذافي قبيل سقوط طرابلس وأصبحوا بعد أشهر من أهم أدوات الثورة المضادة التي يقودها بقايا النظام السابق الذين هربوا خارج البلاد ويقيمون حاليا في دول الجوار وخاصة تونس ومصر، ويمولون تلك المجموعات المسلحة وأيضا يدعمون الدولة العميقة في الداخل والباقية من إفرازات النظام السابق).

في منطقة الغرب، تحديدا في العاصمة طرابلس ، هناك حكومة الوفاق الوطني. وعلى الرغم من أنه معترف بها دوليا، فإنها تواجه مشهدا سياسيا غامضا. ويقابلها في الشرق حكومة في البيضاء ومجموعات مسلحة في بنغازي مدعومة من ميليشيات تدعى كذبا بـ الجيش الوطني الليبيوالتي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي أعطي رتبة المشير من رئيس البرلمان .

وعلى الرغم من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جمع بين الطرفين في محاولة لوضع خطوة إيجابية للاتحاد الأوروبي في عهد ما بعد القذافي، إلا أن الوحدة الوطنية في ليبيا ليس لها حلولا سهلة.

النفط (لوحده) قد لا يساعد على حل الأزمة. وتفيد تقارير الأمم المتحدة أن إنتاج النفط وصل إلى أكثر من مليون برميل من النفط يوميا، مما عزز الإيرادات الحكومية. ولكن في بلد كبير منتج للنفط، يجب على الناس في كثير من الأحيان الانتظار يوميا للحصول على 5 غالونات من الغاز.

فلماذا يكون هذا الموضوع مهم جدا بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؟ ولا تزال ليبيا دولة فاشلة تشكل ممرا للمهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا وخارجها. وهناك شبكة واسعة من مهربي البشر المجرمين يرسلون المهاجرين غير النظاميين إلى البحر الأبيض المتوسط في كثير من الأحيان للقاء حتفهم.

ثم هناك مشكلة مقلقة من داعش والقاعدة والمقاتلين المرتزقة (الذين يقاتلون مع قوات الكرامة) والمستفيدين من فوضى ليبيا.

أكد بوريس جونسون اهتمام بريطانيا بليبيا باعتبارها الخط الأمامي في مكافحة أوروبا ضد الهجرة غير الشرعية والإرهاب“.

وقال مندوب المملكة المتحدة ماثيو ريكروفت إن رسالتنا الأولى هي الوحدة الوطنية، والتأكد من أن جميع الليبيين يجتمعون في هذا الوقت العصيب، ويختارون وضع التشظي خلفهم، ويتحدون من أجل هزيمة الإرهاب، وللتصدي لتحدي الهجرة“.

ويحذّر تقرير للأمم المتحدة من أن التهديدات الموجهة للأمن القومي لا يمكن معالجتها بفعالية إلا من خلال إنشاء قوات مسلحة وقوات أمنية ليبية موحدة“.

الآن هناك جهد دبلوماسي كبير لعقد اجتماع رفيع المستوى بشأن ليبيا خلال المناقشة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولكن كما حذرت الأمم المتحدة من أن أي جهود لإجبار الحل يجب أن تكون بقيادة الليبيين، وأن الأمم المتحدة دورها هنا لدعمهم في مساعيهم، وأنها بالتأكيد لن تحل محلهم“.

***

جون ميتزلر، مراسل بالأمم المتحدة يغطي الشؤون السياسية والعسكرية ، ومؤلف كتاب الدينامية الدبلوماسية المنقسمة في الأمم المتحدة“.

 _________

مواد ذات علاقة