إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء السادس ملف النظام التربوي والثقافي وتحديدا قضايا التربية والتعليم و الثقافة والإعلام والبحث العلمي، وفي هذا الجزء نستعرض الرؤى المتعلقة بالنظام الاجتماعي في ليبيا المستقبل وهو الباب الثالث في الوثيقة.
(7)
الباب الثالث
النظام الاجتماعي
أولاً – رؤية في دور المرأة في البناء والتنمية
إن طموحنا لبلوغ الغاية من التنمية الإنسانية والحضارية الشاملة لمجتمعنا الليبي الذي عانى كثيراً، وما زال يعاني، من مختلف الآثار السلبية لعقود متتابعة من التخلف والتخبط وانعدام الرؤية السياسية، سوف تعتمد بدرجة كبيرة على مقدار وضوح وشمولية رؤيتنا لأبعاد وحاجات معالجة هذه الآثار السلبية وتجاوزها، من أجل نقل المجتمع إلى الصورة المتقدمة التي نحلم بها ونتمناها.
وإن حرصنا على تمييز المرأة بموقع خاص في إطار رؤيتنا السياسية يستند إلى القناعة بأن هذه الرؤية تقوم في جوهرها على فكرتين أساسيتين هما:
1- أن المنطلق الصحيح لعملية التنمية الشاملة ينبغي أن يكون بناء الإنسان وتربيته وإعداده لتحمل أعباء هذه العملية والقيام بمتطلباتها.
2- أن نصيباً كبيراً من أعباء ومسؤوليات بناء وتربية الإنسان، وبخاصة في المراحل الأولى لبناء الشخصية وتأسيسها، يقع على المرأة باعتبارها الأم والمربية والمسؤولة المباشرة عن الأسرة.
ومن هنا فإن إحدى الدعامات الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليه خططنا بعيدة المدى لإحداث النقلة الحضارية المرجوة، هي الجهود التي تتجه لإعادة النظر في قضية المرأة ودورها، ولتأهيلها التأهيل المناسب لتتمكن من القيام بهذا الدور حسب موقعه في الرؤية التنموية الشاملة.
أ – رؤية في وظيفة المرأة التكاملية
تستند هذه الرؤية على إيماننا بالموقع المتميز الذي تحتله المرأة في الحياة الإنسانية الشاملة، القائمة على تكامل كلا طرفيها: الذكر والأنثى، ومن ثم إيماننا بأن أداء الحياة لوظيفتها على النحو الأكمل لا يمكن أن يتم إلا بقيام كل من طرفيها بدوره فيها كاملاً تاماً. ونعتقد أن مبدأ التكامل وضرورته لتمام الحياة الإنسانية هو أساس التميز بين هذين الطرفين في التكوين والخصائص البدنية والنفسية، الذي ينتج طبيعياً التمييز بينهما في الوظيفة والمسؤولية. إلا أن هذا التميز ينبغي أن يظل دائماً في موقعه الصحيح باعتباره مجرد إشارة إلى الاختلاف في الوظيفة، ولا دلالة له مطلقاً على أي معنى من معاني الأفضلية. ففي منظور الإنسانية المتكاملة ليس الرجل بأفضل من المرأة ، ولا المرأة بأفضل من الرجل، بل كل منهما مقوم أساسي من مقوماتها، لا تقوم ولا تتم إلا بوجوده وبقيامه بدوره على أفضل وجه.
ومن هنا فإن صورة المجتمع الذي نتصور أنه يستجيب لهذا المفهوم للحياة الإنسانية الكاملة لا يمكن أن تكون تلك الصورة التي تحجز فيها المرأة عن المشاركة في تقرير وإدارة شتى شؤون الحياة في المجتمع: سياسية واقتصادية واجتماعية، تحت أي حجة من الحجج. فحقها الأصيل المبدئي في هذه المشاركة ينبغي أن يكون ثابتاً ومحفوظاً من حيث إنه حق منحه لها الخالق –سبحانه– حين جعلها قرينة الرجل في الخلق، وحملها إلى جانبه قدراً متساوياً من التكليف والمسؤولية. وينبغي من ثم أن يحفظ لها النظام السياسي هذا الحق، وألا يسمح بأي صورة من صور الاعتداء عليه أو تقييده أو الانتقاص منه.
ب – الحاجة إلى إعادة نظر جذرية
من هذا المنظور لعل الحاجة تدعو بإلحاح لتأسيس تصور جديد ينبني على إعادة نظر جذرية إلى مهمة المرأة في الحياة، باعتبار أنها في بعض جوانبها وأبعادها، وباعتبار تهيؤ المرأة وتأهلها لها، قد تكون أخطر شأناً وأكثر صعوبة وأوسع آفاقاً من مهمة الرجل، فدورها في توفير “السكن” للرجل، ثم في إنجاب الأطفال وحضانتهم وتربيتهم وتنشئتهم حتى دفعهم إلى الحياة العملية المنتجة، لا نتصور أنه يمكن الاختلاف على أنه دور متعدد الجوانب، متشعب الأبعاد، وبالغ الصعوبة، مهما أوهمت أوضاع التخلف والجهل التي سادت مجتمعاتنا المسلمة في العصور الأخيرة بعكس ذلك. ومن ثم فينبغي أن يقوم هذا التصور الجديد على وضع مهمة المرأة: زوجاً وأماً وربة بيت، في موقعها المناسب من أولويات الاهتمام السياسي، ثم يضع من التشريعات ما يكفل لها من ناحية كافة حقوقها المترتبة على ذلك، وما يعينها من ناحية أخرى على القيام بتلك المهمة خير قيام.
وسوف يكون بالغ الأهمية من هذا المنظور أن يتمكن النظام السياسي من ابتداع الصيغ والآليات الجديدة التي تمكن وتيسر مهمة تأهيل المرأة للقيام بأدوارها المختلفة: زوجة، أما، مربية، مديرة بيت، عاملة منتجة، مواطنة، وذلك بالاعتماد على أطر أخرى خارج إطار المؤسسة التعليمية التقليدية، من خلال استثمار وتوظيف وسائل الإعلام ومصادر الثقافة وتقنية المعلومات، وعبر مختلف مظاهر المشاركة في الشؤون العامة في المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ومن البديهي أن مقدار النجاح في هذا المسعى سوف يتوقف ويتدرج بمقدار نجاحنا في إصلاح الخلل الموجود والمتأصل في نظرتنا إلى المرأة، في اتجاه اعتبارها شريكاً أصيلاً وكاملاً في إقامة الحياة، وليست مجرد عامل إضافي مساعد، خادم لدور الرجل. فالتمكن من إصلاح هذا الخلل سوف يمثل الخطوة الأساسية الأولى نحو التمكن من إعادة التوازن المفقود بين طرفي وركني الحياة الإنسانية: الرجل والمرأة، ثم بين مختلف جوانب ومجالات هذه الحياة: البيت والمجتمع، بحيث يتوازن دور المرأة، زوجاً وأماً وربيت بيت، مع دور الرجل، عاملاً منتجاً ومكتسباً للرزق. ويتوازن في الوقت نفسه مجال وساحة قيام المرأة بدورها داخل البيت، مع مجال وساحة قيام الرجل بدوره في مختلف مواقع العمل والإنتاج خارج البيت.
إلا أن هذه الحاجة إلى إعادة النظر إلى البيت وعمل المرأة فيه، في مجال الزوجية والأمومة والتربية، باعتباره موقعاً أصيلاً وأساسياً لأداء وإنجاز ذلك الجانب الخاص من الوظيفة الإنسانية الجسيمة والجوهرية التي خلق الله المرأة وهيأها على أفضل وجه وأكمله لأدائها، ينبغي ألا يعني أن البيت هو المجال الوحيد لحركة المرأة ووظيفتها في الحياة، ذلك أن مهمة الزوجية والأمومة والتربية لا تستغرق كل وجود المرأة طوال حياتها، ومن ثم فإن بقية وجودها، عاملة منتجة ومواطنة مشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية العامة، سوف يتطلب بالضرورة خروجها إلى المجالات الطبيعية لأداء هذه المهام، وهي مختلف مواقع العمل والإنتاج والمشاركة السياسية في تقرير شؤون المجتمع وإدارتها.
ج – حول مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة
تأسيساً على هذا الفهم لدور المرأة وموقعها في مفهوم الحياة الإنسانية الشاملة فإننا نؤمن بمبدأ تساوي المرأة، من حيث هي إنسان ومواطن، في الحقوق السياسية والاجتماعية، مع الرجل تساوياً كاملاً، بدءاً من حق الرأي والتعبير والمشاركة في العمل السياسي، من خلال الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية وغيرها، مروراً بحقها في التعليم والعمل، وانتهاء بحقها في الانتخاب والترشح للمناصب السياسية. ونؤمن بأنه لا حدود على تمتع المرأة بهذه الحقوق وممارستها إياها، سوى حدود الالتزام بالتشريعات والقوانين، وبالأعراف والتقاليد المرعية في المجتمع، وهي حدود وضوابط نؤمن بأنها تنطبق على الرجل كما تنطبق على المرأة سواء بسواء.
ولعلنا لا نحتاج إلى كثير من الإطالة لتأكيد أن فهمنا لمبدأ تساوي الرجل والمرأة في الحقوق الإنسانية والسياسية يستند إلى النظرة العلمية الموضوعية للأمر، ولا ينطلق من موقف رد الفعل العاطفي تجاه حالة التخلف والجهل التي هضمت حقوق المرأة، وأساءت إلى مكانتها في الحياة إساءة بالغة، ثم عطلت وظيفتها، وحجمت مساهمتها الطبيعية والضرورية في تقرير شؤون المجتمع وإدارتها وتنميتها، فبالغ في الاندفاع إلى الاتجاه المضاد حتى بات لا يرى معنى للمساواة بين الرجل والمرأة إلا إذا تنكرت المرأة لأنوثتها وطبيعتها، واحتقرت وظيفتها في إقامة الحياة وبنائها، من خلال دورها كزوجة وأم ومربية للأطفال وصانعة للمواطنين الصالحين، وانطلقت تحاول التشبه بالرجال والتنافس معهم ومزاحمتهم حتى في المجالات والساحات العملية التي لا تناسبها ولا تتفق مع تكوينها البدني والنفسي، ولا مع خصوصيات حياتها الفردية والاجتماعية.
ونحن نعتقد أن مختلف التجارب السلبية والمسارات المتعثرة التي مرت بها محاولات تطبيق شتى مفاهيم ودعوات تحرير المرأة ومساواتها بالرجل قد باتت تمثل رصيداً طيباً وكافياً من الخبرة المفيدة والدروس المستفادة التي يمكن البناء عليها لإقامة وتحديد ملامح هذا الفهم الجديد لمسألة حقوق المرأة، مبدأ تساويها مع الرجل، في اتجاه إعادة التوازن للمفردات المكونة له عن طريق إعادة فهمها على النحو التالي:
1- قيام الحياة الإنسانية على ركنين، لا تصلح ولا تتم إلا بهما معاً، فإذا قصر أحدهما عن أداء وظيفته فيها، اختلت وقصرت عن بلوغ غايتها.
2- اختلاف طرفي الحياة: الرجل والمرأة أحدهما عن الآخر في التكوين الطبيعي وفي الخصائص والمقومات المادية والنفسية لا يعني اختلافاً بينهما في القيمة أو الدرجة، ولكنه يعني فقط اختلافاً في الوظيفة والاختصاص المهني.
3- قيمة وفضل أي من الطرفين تقاس بمقدار أدائه وظيفته في الحياة وإحسانه وتطويره لهذا الأداء.
4- الاختلاف في الوظيفة والاختصاص لا يخل بمبدأ التساوي بين الطرفين في الحقوق الإنسانية والسياسية، وعلى رأسها حق المشاركة في العمل السياسي، وتولي مختلف المواقع في الوظيفة العامة إذا تحققت فيها شروط الكفاءة والأهلية.
5- النظر إلى البيت باعتباره “مؤسسة” ذات موقع حيوي وجوهري، تحتضن جملة من العمليات الأساسية اللازمة لأدائه وإقامة وتمام الحياة الإنسانية، وهي عمليات: الزوجية، الإنجاب، الحضانة، التربية، وتتحمل المرأة فيه النصيب الأكبر من المسؤولية.
6- أهمية الربط الموضوعي والسياسي بين مؤسسة “البيت” وسائر مؤسسات المجتمع ومفاصله الإدارية والاقتصادية وغيرها، بحيث يحتل موقعه الصحيح في عملية الإدارة الشاملة للحياة، باعتباره حلقة أساسية من حلقاتها.
7- اختصاص المرأة بالقسم الأكبر من المهام في إدارة “مؤسسة البيت” لا يعني حرمانها من حقها أو تعطيل مسؤوليتها في المشاركة في سائر مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية خارج البيت، ومن ثم فخروجها من البيت إلى الحياة العامة أمر طبيعي وضروري لإقامة الحياة وتمامها، وهو مشروع ومكفول دينياً ولا يحده إلا الالتزام بالضوابط والآداب العامة.
د – بين النظرية والتطبيق: قضية المرأة ومعطيات الواقع المحلي:
إن الحديث سوف يظل حديثاً نظرياً بحتاً ومرشحاً للاصطدام والتناقض العنيف مع المعطيات الثقافية والاجتماعية السائدة في المجتمع الليبي، والتي تجعل مساعي تحويل النظرية إلى التطبيق أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد. ومن هنا فلابد من تأسيس هذه المساعي على رؤية موضوعية متكاملة، تنطلق من إحاطة عملية منهجية بمختلف جوانب وأبعاد ومعطيات الواقع المحلي، وتحاول أن تكتشف وتبتدع أفضل السبل والمناهج للتعامل معه، من خلال خطط متنوعة الآماد، بين قصيرة ومتوسطة وبعيدة، وشاملة الأبعاد بين علمية وثقافية وسياسية واجتماعية.
وإذا اتفقنا على أن من أهم المعطيات التي يفرزها الواقع المحلي على هذا الصعيد هي التالية:
1- اختلال النسبة في المستوى التعليمي بين الرجل والمرأة.
2- سيطرة النظرة المتخلفة للمرأة ولوظيفتها في الحياة.
3- شيوع الفكر والعقلية المضادة لحقوق المرأة الإنسانية والسياسية.
4- سيطرة تقاليد وممارسات الحجر على مشاركة المرأة في الحياة العامة.
5- نقص التشريعات والمناهج والمؤسسات الملائمة لتطوير أوضاع المرأة وتنمية قدراتها العلمية والعملية.
6- شيوع رد الفعل السلبي ضد التطبيقات والممارسات الخاطئة والمتطرفة لمفهوم تحرير المرأة.
فإن أية مساعٍ لتطوير التعامل مع قضية المرأة ينبغي أن ترتكز على المحاور التالية
1 – المحور الثقافي العام
ويشمل الجهود الرامية إلى تجاوز الثقافة السائدة فيما يتصل بإنسانية المرأة ووظيفتها في الحياة، وحقوقها وواجباتها، بما يؤدي إلى تصحيح مختلف المفاهيم والعقائد والأفكار الخاطئة الشائعة في هذا الصدد، ويستبدل بها الأفكار والمفاهيم الصحيحة المراد إحلالها وترسيخها في المجتمع. وينبغي أن توضع الخطط العملية الشاملة لخدمة هذا المحور، من خلال:
أ– استثمار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة العامة والخاصة.
ب– تطوير آليات وصيغ مشاركة المرأة في الحياة العامة، بما يتناسب مع الأوضاع والتقاليد والثقافة السائدة ولا يصطدم بها.
ج– تطوير آليات وصيغ ومؤسسات التوعية والإرشاد الاجتماعي التي تصل إلى المرأة في كل مواقع وجودها، في البيت والحي والقرية والمدينة ومجالات العمل.
د– اتباع أساليب القدوة والمثل الإيجابي، عبر إبراز وتكريم مختلف صور الممارسات الإيجابية.
2 – المحور التربوي
ويشمل الجهود الرامية لإعادة النظر في فلسفة التعليم الرسمي ومناهجه ومؤسساته، بما يخدم الأهداف المتوخاة في هذا الصدد، من خلال:
أ. وضع خطط وطنية شاملة للتعجيل بمحو الأمية نهائياً في قطاع المرأة، باتباع أحدث الطرق والوسائل المبتدعة في هذا الصدد.
ب. إعادة صياغة مناهج التعليم في اتجاه بلورة وترسيخ مفردات الثقافة المراد إحلالها محل الثقافة السائدة، والمتصلة بملامح الرؤية الشاملة للإنسانية المبنية على تكامل دوري الرجل والمرأة.
ج. صياغة مناهج خاصة بتأهيل المرأة لأداء وظائفها الخاصة بها والملائمة لطبيعتها وظروفها، وبخاصة في مجالات الزوجية، الإنجاب، الحضانة والتربية، إدارة الشؤون المنـزلية.
د. تطوير الوسائل والمؤسسات التعليمية بما يتناسب وظروف المرأة في مختلف حالاتها وأطوارها، ويستجيب لحاجات وظائفها المختلفة بين البيت والمجتمع.
3 – المحور العملي
ويشمل الجهود المتصلة بتطوير وتنمية مستويات وأنماط مشاركة المرأة في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال:
أ. بلورة وابتداع صيغ متطورة لاستثمار وتوظيف طاقة المرأة في المجال الاقتصادي، بما يستجيب لحاجات المرأة وظروفها وقدراتها، ويتلاءم مع تقاليد المجتمع وعاداته وتركيبته الاجتماعية، من حيث نوع العمل وأوقاته ومجالات ممارسته وتشريعاته.
ب. تطوير وتنمية مناهج وأشكال مشاركة المرأة في مختلف مجالات العمل الاجتماعي في إطار التوعية والإرشاد ومحو الأمية والرعاية الاجتماعية وأنماط العمل التطوعي.
وإن الأمل في تحقيق أي نجاح على هذا الصعيد سوف يعتمد على قدرتنا على بلورة ملامح رؤية علمية وشاملة لطبيعة وأبعاد المشكلات التي يفرزها واقع مجتمعنا الليبي، ثم قدرتنا على ابتداع مناهجنا الخاصة للتعامل معها تعاملاً علمياً منهجياً، متحرراً من تأثيرات الدعوات المتطرفة لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، المبنية على مفاهيم مغلوطة للرجعية والتقدمية، والمحافظة والتحرر، ومستنداً إلى نظرة جديدة تعيد التوازن الذي اختل وفُقِد بين بلوغ الغاية من تكريم المرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق الإنسانية والسياسية، وبين الالتزام بخصوصية وتميز المنهج والضوابط التي يحددها الدين وأعراف وتقاليد المجتمع الإيجابية.
ثانياً – القبيلة كبنية متميزة للتنمية الاجتماعية
من خلال هذا العنوان نعبر عن طموحنا في أن نتمكن من إيجاد السبل والمعالجات التي يمكن أن تساعدنا في مواجهة التركة الثقيلة التي سوف نرثها عن جملة الممارسات والسياسات الخاطئة والخطرة التي اتبعت فيما يتعلق بالمؤسسة القبلية في المجتمع الليبي. فللأسف الشديد أدت هذه السياسات إلى تعميق روح العصبية العمياء للقبيلة، بعد أن أدت سياسات أخرى على صعيد النظام السياسي والإداري إلى إجبار الناس إجباراً على العودة للبحث عن القبيلة، التي أصبحت بمثابة البديل للدولة وللقانون، لكي يجدوا في إطارها الفرصة الوحيدة الباقية أمامهم لا للحصول على بعض المصالح والمنافع الذاتية وحسب، بل، والأنكي من ذلك، للحصول على الحماية والأمن وضمان الحقوق في أحوال المنازعات والحوادث.
ومع زيادة ترسخ هذه الحالة في النسيج الاجتماعي تحولت الرابطة القبلية، وما ينجم عنها من عصبية عمياء مطلقة، إلى واحدة من أكبر وأخطر عوامل الفساد في المجتمع، من خلال ترسيخ ممارسة المحسوبية والواسطة في مختلف حلقات الحياة العامة للمواطن، بحيث إنه لم يعد يستطيع أن ينجز حتى أبسط الإجراءات الإدارية البيروقراطية الطبيعية إلا إذا توسل إلى ذلك بالرابطة القبلية، فيلجأ إلى أبناء عمومته من القبيلة، من العاملين في هذه الإدارات، فينجزون له مصالحه وإجراءاته على حساب بقية المواطنين، وكثيراً ما يعينونه حتى على تجاوز المسارات القانونية، بالغش والمخالفة وما إلى ذلك.
وقد ظلت هذه الحالة تتطور، بقدر ما كانت أجهزة الدولة ومؤسساتها تغيب عن ساحة الحضور والفعل، حتى شهدنا كيف حلت القبيلة محل سلطة القانون والعدالة، وصار بإمكان كل من يرتكب جريمة أن يفلت من العدالة والعقاب، عن طريق تفعيل مؤسسة القبيلة، وتوقيع ما صار يعرف بـ“سند الصلح“، الذي تتفق فيه القبائل التي ينتمي إليها أطراف المشكلة أو النـزاع على دفع التعويض أو الدية، وإنهاء الخصومة، وبات هذا السند “القبلي” معتمداً وذا قوة قانونية لدى أجهزة الأمن والشرطة والعدالة. ولا يخفى خطورة ما صارت تؤدي إليه هذه الممارسات من إشاعة روح الاستهتار لدى المواطنين عامة، ولدى فئات الشباب منهم بوجه خاص، فبات أحدهم يقدم على ارتكاب الجريمة أو لا يبالي بارتكابها، ثقة في أن القبيلة سوف تسرع إلى نجدته وإطلاق سراحه عبر آلية الاتفاق القبلي.
ثم نصل إلى أخطر ما انتهت إليه هذه الممارسات القبلية المرذولة وهو توغلها في صميم النظام السياسي، حتى أصبحت هي العامل الأقوى والأشد تأثيراً في توجيهه وتحديد مختلف مدخلاته ومخرجاته. فمنذ وقت مبكر سمحت الهيكلية المعتمدة في نظام المؤتمرات واللجان الشعبية، والآليات التي حددت لتطبيقها، بأن تدخل القبيلة في جوهر العملية السياسية، فتتحكم في مسارات الاختيار لمواقع المسؤولية، سواء في السلطة التشريعية (المؤتمرات الشعبية) أو في السلطة التنفيذية (اللجان الشعبية)، ثم تتحكم في نتائج عمليات الاختيار (التصعيد)، عن طريق تجنيد الأفراد تحت تأثير العصبية للقبيلة لاختيار أبناء عمومتهم. وقد ظللنا نشاهد كيف صارت تتطور هذه الصورة المرذولة من تدخل القبيلة في أهم مظهر من مظاهر سيادة الأمة، حتى انتهت إلى ما بات يعرف بالاتفاقات المسبقة على توزيع “المواقع” بين أبناء القبائل المختلفة، بحسب أوزان القبائل من حيث القوة العددية والنفوذ.
ولا شك أن هذه الممارسة المرذولة ما كانت لتجد فرصة أو مجالاً تنفذ منه إلى مفاصل الحياة السياسية في البلاد لولا تعمق ظاهرة الفراغ السياسي، الناجمة عن خلو البلاد تماماً من أي قوى سياسية تكون مبنية على صلات القرابة الفكرية والسياسية، بدلاً من صلات القرابة الدموية والقبلية. ولعل هذا يزيدنا تمسكاً بالقناعة التي عبرنا عنها في الباب الأول من هذه الوثيقة من أن الدرع الوحيد الذي يمكن أن يقي المجتمع المدني من الانزلاق في مثل هذه الممارسات المرفوضة يتمثل في وجود القوى السياسية المنظمة التي يلتقي فيها المواطنون حول رؤى ومناهج فكرية سياسية، تنطلق من رؤية ناضجة لمعاني المواطنة والمجتمع المدني المتحضر.
ومن هنا فإنه سوف يكون علينا، في سبيل معالجة تراكمات هذه التركة الثقيلة، أن نبادر أولاً أن إزالة مختلف العوامل التي أدت إلى السماح للعصبية القبلية بالنفاذ إلى الساحات التي ينبغي أن تكون محرمة عليها، ونعني ساحات الحركة السياسية والقانونية في النظام السياسي. وهنا تأتي أهمية حديثنا عن فكرة تضمين “العصبية للقبيلة” في مجال ممارسة العمل السياسي باعتبارها من الممارسات التي نتفق على أنها مضادة لثابتي “الوحدة الوطنية والانتماء الوطني“، ومن ثم فإنها تحرم وتجرم بحكم الدستور. وإلى جانب ذلك ينبغي أن نعيد النظر في مجال ومدى التدخل المشروع الذي نسمح به للقبيلة في مجال العدالة وتطبيق التشريعات النافذة، بحيث لا يكون فيه أي تعد أو تجاوز لسلطة القانون، ويظل في حدوده المقبولة المطلوبة من حيث هو عامل مساعد في تجاوز الحزازات أو الآثار التي قد تنجم عن الخصومات أو المشاحنات بين القبائل، وفي تقوية أواصر المحبة والتعاون والتكافل الاجتماعي.
أما التحدي الأكبر الذي سوف يواجهنا في هذا السياق فهو أن نتمكن من تحويل الرابطة القبلية إلى عامل إيحابي في بناء المجتمع واستقراره ونمائه. ونؤكد هنا مرة أخرى على قناعتنا بأن الرابطة القبلية، ليست مجرد أمر واقع نرثه بحكم أواصر القربى والميلاد، بحكم أن انتماء أحدنا إلى قبيلة أو عشيرة هو بالضبط مثل انتمائه إلى العائلة التي يحمل اسمها أو لقبها، ولكنها عنصر جوهري في التركيبة الاجتماعية للمجتمع الليبي، وأنها ظلت عبر العصور وما زالت حتى الآن تقوم بأدوار إيجابية عدة في الحياة الاجتماعية.
إذن فما علينا إلا أن نتفق على رؤية علمية لإبراز الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تكون للرابطة القبلية، ووضعها في الاعتبار عند وضع تصوراتنا وخططنا لمختلف مستويات العمل الاجتماعي والتنموي. ونعتقد أن القبيلة يمكن أن تلعب دوراً بالغ الأهمية في تعزيز وإدارة جوانب كثيرة من العمل الاجتماعي، منها على سبيل المثال:
– توجيه القبيلة من خلال رئاستها أو قيادتها المعتمدة رسمياً لدى سلطات الحكم المحلي، لتولي مهمة متابعة شؤون أفراد القبيلة، وخاصة من النواحي الاجتماعية والمعيشية، بحيث تكون قيادة القبيلة مرجعية موثوق بها، تعين السلطات المختصة في توجيه وتنفيذ السياسات والبرامج المخطط لها في ميادين الرعاية الاجتماعية والتكافل الاجتماعي وما إليها. وفي هذا الصدد قد يكون من المناسب والمفيد جداً تشجيع وتنظيم ظاهرة “صندوق القبيلة” لكي يتسع أفقها، إلى أبعد من مجرد دفع الديات والتعويضات في حالات الحوادث والنـزاعات بين القبائل، فيشمل العديد من جوانب التكافل الاجتماعي بين أفراد القبيلة.
– توجيه القيادة القبلية للإشراف على برامج تنمية “صلة الرحم” بين أفرادها، من خلال حث الأفراد على رعاية هذه الصلة والقيام بواجباتها، وتنظيم البرامج والأنشطة المفيدة في هذا السياق، كتفقد أحوال الفقراء منهم، وعيادة المرضى، وزيارة الشيوخ وكبار السن، وتنظيم الأعمال التطوعية لمساعدة من يحتاج إلى مساعدة (ولا نحتاج في هذا السياق سوى إلى إحياء تلك التقاليد الرائعة التي كان أجدادنا يطبقونها بالفعل في الواحات والنجوع).
– استثمار الرابطة القبلية في تنفيذ وتطوير توجهات المجتمع لمحاربة التقاليد السلبية التي تسربت إلى حياتنا الاجتماعية، وخاصة في طريقة وأنماط الممارسة في مناسبات الأعراس والمآتم وما إليها، بما يؤدي إلى التخفيف من آثارها، ثم القضاء عليها، وإحلال تقاليد وممارسات إيجابية محلها.
ثالثاً – دور المجتمع والدولة في الضمان والتكافل الاجتماعي
المقولة التي رفعها القذافي في القسم الاجتماعي من الكتاب الأخضر، ثم صارت من أكثر المقولات تداولاً وحضوراً كشعار مرفوع، وعبارة تكتب على اللافتات وجدران المدارس، ونعني مقولة “المجتمع ولي من لا ولي له” هي مقولة ممتازة، وشعار رائع، لولا أنها ظلت مجرد شعار يرفع، ولافتة تكتب، ولا أثر لها في الواقع العملي، ولا في حياة الناس.
ولعلنا حين نؤكد على هذه المقولة نعود بها إلى مصدرها الأصيل الذي اشتقت منه، وهو تعاليم الدين كما نجدها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكما وجدناها تجسد فعلاً عملياً وممارسة فعلية تحت حكم الخلفاء الراشدين، ثم بلغت قمة تجسدها الفعلي على يدي الخليفة عمر بن عبد العزيز، حين انتهت سياساته الفذة في مجال قيام ولي الأمر بواجباته في رعاية شؤون الرعية، وسد حاجة المحتاج من أفرادها، إلى أن لم يعد في كل أنحاء الدولة فقير أو محتاج.
ومن هنا فإننا لن نكون طامحين إلى تحقيق أمر مستحيل إذا وضعنا في صميم سياساتنا التطلع إلى بلوغ هذا النموذج الرائع الذي نجده في تراثنا الإسلامي، ثم نقتبس ما نجده ملائماً من البرامج والسياسات التي نشاهد الآن كيف نجحت مجتمعات كثيرة في الدول المتقدمة في تنفيذها وتطبيقها وتجسيدها واقعاً ملموساً، وليس مجرد طموحات وأحلام.
وانطلاقا من هذا نصمم ما يلزم من البرامج لمتابعة ورعاية شؤون الشرائح التي تحتاج إلى العون والمساعدة من المجتمع، وتأتي في مقدمتها: الأرامل والأيتام ومجهولو النسب، الشيوخ والعاجزون، الفقراء وذوو الدخل المحدود.
سوف يقع على المختصين وضع البرامج التنفيذية العملية التطبيقية لتحقيق هذه الغاية، ولكننا في هذا السياق يهمنا أن نؤكد على أن صورة المجتمع المتكافل الذي نحلم بالقدرة على المساهمة في تحقيقه، يجب أن يفعل الممكن لكي:
· يجد الأرامل والأيتام ومجهولو النسب المؤسسات الاجتماعية التي تتكفل بتوفير كل ما يحتاجون إليه لكي يعيشوا عيشة كريمة لائقة، ولكي يجد الصغار الرعاية العلمية والمهنية اللازمة لإعدادهم للحياة العملية، وأن تتكفل تلك المؤسسات بتوفير هذه الخدمات للمحتاجين إليها حيث يوجدون، ودون تعريضهم للمهانة والمشقة في البحث عنها وطلبها لدى إدارات حكومية تخنقها البيروقراطية والعقلية المتخلفة في الإدارة.
· لا يرى في المجتمع متسول، سواء أكان عاجزاً أم غير عاجز، وعلى المجتمع أن يوجد المؤسسة المختصة التي تبحث وراء الأسباب والظروف التي تدفع مواطناً للجوء إلى هذا الفعل، فإذا وجد أنه محتاج فينبغي أن يكون ذلك مؤشر ودليل على أن المؤسسة الاجتماعية المسؤولة عن الضمان الاجتماعي لم تقم بوظيفتها. ومن ثم يحاسب المسؤولون فيها، قبل أن يحاسب الفرد نفسه.
· لا يرى في المجتمع أطفال قبل سن البلوغ يمارسون تلك الأعمال التي هي أقرب إلى التسول المبطن، مثل بيع الأشياء لسائقي السيارات عند مفترقات الإشارات الضوئية، ناهيك عن الأعمال الشاقة التي تعتبر إهانة بالغة للطفولة وبراءتها وحقوقها؛ إذ ينبغي أن ينظر إلى هؤلاء كما ينظر إلى المتسولين، ومن ثم على مؤسسات الرعاية الاجتماعية أن تنظر في حالاتهم وحالات عائلاتهم، وتوفر لتلك العائلة ما يكفيها ويغنيها عن الدفع بأبنائها إلى الشارع، من أجل كسب ما يعين على المعيشة.
· لا يرى في المجتمع أثناء العام الدراسي أطفال في سن الدراسة يتجولون في الشوارع، متسولين مباشرين أو مبطنين؛ في الوقت الذي ينبغي أن يكونوا فيه على مقاعد الدراسة في مدارسهم. وعلى المؤسسة الاجتماعية المسؤولة أن يكون لها فِرَقٌ متجولة للتفتيش والمراقبة، تكون وظيفتها التحفظ على أي طفل في سن الدراسة يوجد أثناء العام الدراسي في أوقات الدراسة خارج المدرسة، حتى تبحث في حالته وحالة عائلته، وتعالج الظروف التي تدفعه إلى عدم الانتظام في دراسته.
· يكفل لكل طفل قبل سن البلوغ حقاً متكافئاً مع كل أطفال المجتمع في أن يتمتع بما يتمتع به سائر الأطفال، في غير أوقات الدراسة، من برامج الترويح والترفيه والتسلية، من خلال المؤسسات التي يوفرها المجتمع لهذه الغاية، ويكفل للأطفال من مختلف شرائح المجتمع الانتساب إليها والانتفاع بالخدمات التي تقدمها.
· تختفي من المجتمع دور رعاية الشيوخ والمسنين، نتيجة لقدرة المجتمع على ترسيخ فكرة أن رعاية المسنين هي من أوجب واجبات ذوي القربى، وأنها حق لهم واجب الرعاية على الأبناء والبنات في المقام الأول، ثم من يليهم من ذوي العصبة، حتى تعم المسؤولية العشيرة والقبيلة كلها. وينبغي أن توجد في هذا السياق أنماط من التشريعات التي تجعل هذه الرعاية واجبة الأداء على ذوي العصبة الأقرب فالأقرب، وتحاسبهم عليها.
· يكفل المجتمع لكل مواطنيه حداً أدنى من المعيشة الكريمة اللائقة، بتوفير ضرورات المعيشة الأساسية من سكن وغذاء وخدمة صحية، عبر برامج الإسكان والدعم الغذائي والتأمين الصحي، وذلك بعد إعادة بناء الاقتصاد الوطني بما يكفل إنعاش سوق العمل وتنميتها، حتى تُكفل لكل مواطن قادر على العمل فرصة مناسبة لقدراته ومؤهلاته للحصول على دخل كاف من عمله وعرق جبينه.
رابعاً – ذوو الاحتياجات الخاصة
في تصورنا لإعادة بناء بلادنا في اتجاه ترقيتها إلى مصاف المجتمعات المتحضرة، ينبغي أن تأخذ هذه الشريحة الخاصة من المواطنين، الذين يعانون من الإعاقة الكاملة أو الجزئية، بصرف النظر عن العوامل والأسباب التي تكون وراء الإعاقة، موقعاً متميزاً في البناء الاجتماعي، يتيح لهم التمتع بما ينبغي أن يكون لهم من حقوق المواطنة التامة، ثم يزيد على ذلك توفير البنى التحتية والفوقية التي تستجيب لحاجاتهم الخاصة في المجالات الآتية:
· الرعاية الصحية.
· التعليم والتأهيل المهني.
· المواءمة الحضرية اللازمة لـ:
– تسهيل حركتهم في التجمعات السكنية والمرافق والمباني العامة واستخدام وسائل النقل العام.
– تيسير تعاملهم في الحياة اليومية، من خلال اعتماد اللغات الخاصة بالمكفوفين والصم حيثما أمكن، وتوفير الأدوات التقنية التي يمكن أن تفيد في هذا الخصوص، كأجهزة الحاسوب الخاصة بالمكفوفين، وخدمة الاتصال المجاني بالشبكة العالمية للمعلومات.
– اتخاذ الترتيبات اللازمة لتمكينهم من المشاركة في الحياة السياسية، وخاصة في عملية صنع القرار من خلال ممارسة حقهم في الترشح والانتخاب.
· وضع التشريعات اللازمة لخدمة هذه الأهداف وإتاحة تطبيقها على أرض الواقع.
خامساً – منظمات المجتمع المدني (العمل الاجتماعي التطوعي)
لقد بات تقدم المجتمعات يقاس بمدى نمو وانتشار روح التطوع لخدمة المجتمع والبيئة التي يعيش المواطن فرداً فيها، ويدرك أن مصلحته الفردية الخاصة لا تنفصل ولا تتجزأ عن المصلحة العامة التي تعم بقية إخوانه المواطنين الذين يشاركونه الوطن والمجتمع والبيئة. وقد صارت هذه الروح تتجسد في المجتمعات المتقدمة من خلال ما بات يعرف باسم “منظمات المجتمع المدني“، وهي التجمعات الأهلية التي يشكلها المواطنون المهتمون أو المؤهلون للمساهمة في خدمة المجتمع في مجال معين، ويسهمون من خلالها بالعمل متطوعين دون مقابل مادي أو مكافآت عينية. وتثبت لنا تجارب تلك المجتمعات أن مثل هذه المنظمات المدنية يمكن أن تقدم لخدمة المجتمع والبيئة خدمات ربما تعجز عن تقديمها المؤسسات الرسمية.
ولعل عودة منا إلى تاريخ بلادنا غير البعيد يمكن أن تؤكد لنا أننا لن نكون غريبين كل الغرابة عن مفهوم وتجربة العمل التطوعي، فقد سبق لأبناء شعبنا أن مارسوا أنماطاً منها، ما زالت الأجيال التي عاصرت مرحلة بناء الدولة الليبية بعد الاستقلال تذكرها وتتذكرها بكل الخير والعرفان. فهناك المئات وربما الآلاف من إخواننا المواطنين يدينون بتمكنهم من مواصلة التعليم للمدارس الليلية ومدارس العمال، التي أسسها وتطوع للعمل فيها مواطنون، لم يكونوا يتلقون من ورائها أي مقابل مادي، بل إن بعضهم كان يدفع من جيبه الخاص لدعمها. وما زالت المئات وربما الآلاف من النساء يشعرن بالعرفان لجهود رائدات الحركة النسائية في ليبيا، اللاتي خضن معارك اجتماعية صعبة وشاقة لفتح السبيل أمام تعليم البنات، وبدء الجهود لمحو أمية النساء فوق سن التعليم، وبدء الجهود لتقديم الرعاية الاجتماعية للنساء، من خلال الجمعيات النسائية التي تأسست بجهود أولئك الرائدات، وأخذت تنتشر في كل أنحاء البلاد. وما زال المئات والآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة يذكرون بالعرفان جهود ذلك الرعيل الأول من المتطوعين الذين خاضوا بدورهم معارك، وبذلوا جهوداً جبارة، لتأسيس الجمعيات الخاصة برعاية المكفوفين والصم، حتى أخذ المكفوفون يحتلون المواقع الجديرة بهم في مختلف مجالات الحياة العملية. وما زال الكثيرون يذكرون تلك الحملات الوطنية الرائعة التي كان ينظمها المواطنون متطوعين لجمع التبرعات لصالح القضية الفلسطينية، ولصالح منظمة التحرير الجزائرية، وهي جهود ما زال أشقاؤنا الفلسطينيون والجزائريون يذكرونها بكل التقدير والعرفان.
إذن فحين ندعو لتفعيل وتنمية روح العمل التطوعي في مجتمعنا الجديد، فإننا لا نفعل أكثر من إحياء تلك الروح التي كانت موجودة وحية في مجتمعنا في السابق، ولعلنا لا نحتاج إلى أكثر من إعادة تنظيمها ووضع ما يلزم من التشريعات والترتيبات الإدارية لتنظيم شؤونها وعلاقاتها بالمجتمع من ناحية، وعلاقاتها بين بعضها البعض من ناحية أخرى.
وقد أشرنا في موضع آخر من هذه الوثيقة إلى أهمية أن نبدأ في زراعة وتأصيل هذه الروح في أبناء المجتمع منذ طفولتهم المبكرة، وخاصة من خلال مناهج التربية والتعليم، التي ينبغي أن تتضمن المادة النظرية اللازمة لهذا الغرض، إلى جانب البرامج العملية التي تسعى إلى تدريب التلاميذ على ممارسة العمل التطوعي، حتى ينشأوا وقد ترسخت فيهم هذه الروح، وعرف كل منهم المجال أو المجالات التي يمكنه أن يسهم من خلالها في خدمة المجتمع.
وقد أشرنا كذلك إلى أهمية تنمية مفهومنا للدور الذي نتصور أن “مؤسسة القبيلة” يمكن أن تسهم به في مجالات الخدمة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، ولعلنا يمكن أن نعتبر القبيلة نفسها نمطاً من أنماط منظمات العمل المدني، وأن نشجع تطوير مساهماتها المختلفة في هذا المجال.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية