إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء السابع الرؤى المتعلقة بالنظام الاجتماعي في ليبيا المستقبل وهو الباب الثالث في الوثيقة، وفي هذا الجزء نتناول الباب الرابع من الوثيقة وهو مخصص للنظام الإداري .
(8)
الباب الرابع
النظام الإداري
أولاً – الوظيفة العامة
على هذا الصعيد لعلنا لا نقول إننا سوف نكون بحاجة إلى إحداث تغيير جذري في الواقع الراهن في مختلف مستويات الإدارة العامة، وإنما نحتاج إلى إعادة الأمور إلى نصابها الذي كانت عليه قبل 1969، ولعلها ظلت عليه، إلى حد ما، حتى حدوث الانهيار الكارثي في مفهوم الوظيفة العامة ومعايير اختيار الأفراد لتحمل مختلف مسؤولياتها بإعلان ما سمي “الثورة الشعبية” في خطاب زوارة سنة 1973، والتي دمرت بموجبها كل الأسس والمعايير اللازمة لضمان الأداء الأفضل والفعالية العملية والشفافية والتطور المستمر. وشرع في عملية منهجية شاملة لإفراغ الإدارة العامة من العناصر المؤهلة الكفؤة والتي كانت قد أخذت تكتسب خبرة عملية ثمينة، ليقفز مكانها إلى مختلف مواقع الإدارة والمسؤولية أفراد لا يملكون شيئاً من المؤهلات اللازمة لشغل هذه المواقع، اللهم إلا ذلك الاستعداد لإعلان الولاء المزيف للنظام، والتبجح برفع شعاراته والمتاجرة بها.
وقد صار هذا الانهيار في الوظيفة العامة يزداد مع ترسخ تلك المفاهيم التي وضع بذرتها خطاب زوارة، ثم شُرِّعت رسمياً، وأصبحت جزءاً من النظام السياسي للدولة بعد إعلان “سلطة الشعب“، التي صارت “اللجان الشعبية” تمثل أحد ركنيها الأساسيين. وكان هذا التصور لنظام سلطة الشعب، تحت شعار تطبيق الديمقراطية المباشرة، أخطر ضربة توجه إلى مفهوم الوظيفة، حيث استبدلت بالمؤهلات والمواصفات اللازم توفرها فيمن يكون جديراً بشغل الوظيفة (المؤهلات العلمية + الخبرة العملية)، معايير غوغائية شعبوية في بداية التجربة، تتمثل في عمليات الاختيار الشعبي المرهونة بالكامل للعوامل العاطفية والشخصية والظرفية، تحولت مع التمادي في ذلك التطبيق السيئ إلى معايير قبلية وعشائرية، مورست في البداية من وراء الستار وفي الدهاليز الخلفية، ثم لم تلبث أن ظهرت على السطح، وصارت تمارس علناً وبمباركة السلطة والنظام.
وكان من الطبيعي والمنطقي أن تؤدي هذه الانهيارات إلى ما صارت تشهده الإدارة الحكومية بصفة عامة من تعثر وفساد، وتخبط وعشوائية، انتهت بالضرورة إلى الشلل والعجز التامين الشاملين اللذين تعاني منهما الآن على جميع أصعدتها ومستوياتها.
ومن هنا فإن أول ما ينبغي السعي لفعله هو إعادة الأمور إلى نصابها بالعودة إلى المعالجة العلمية لمسألة الوظيفة العامة، التي تبدأ بوضع جداول التوصيف الوظيفي، حيث تحدد المهام والمسؤوليات لكل وظيفة، وعلاقات الوظائف ببعضها البعض، حسب تسلسلها في التدرج الهرمي أو الأفقي (البيني)، والمؤهلات العلمية والخبرة العملية اللازمة لشغلها. ثم تمر بوضع التشريعات وتحديد الآليات القانونية والإدارية اللازمة لشغل الوظائف، بما يكفل أعلى مستوى من العدالة وتكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين، ولا يعود ثمة معيار يؤهل الفرد لشغل الوظيفة إلا مؤهلاته وقدراته وجدارته، بصرف النظر عن عصبيته القبلية أو علاقاته الشخصية وما إليها.
ثانيا – الحكومة الإلكترونية
بيد أن هذه الخطوة على أهميتها وحيويتها سوف تكون غير كافية وخارجة عن السياق إذا لم نتمكن من إحداث نقلة جذرية في مفهوم الإدارة العامة في صلب نظامنا السياسي، بتحولها من إدارة بيروقراطية (ورقية) إلى إدارة إلكترونية (رقمية)، فهذه النقلة سوف تفرض بالضرورة أن يكون في مقدمة المؤهلات المطلوبة لشغل الوظيفة العامة التأهل المعرفي والتقني للتعامل مع الأدوات الإلكترونية، في مجالات الحصول على المعلومات، اللازمة لاتخاذ القرار المناسب، في الوقت المناسب، والاتصال الآلي بمختلف مستويات الإدارة العامة علواً وهبوطاً.
وهذا يعني أهمية أن نضع في قمة سلم أولويات التطوير الإداري هدف التحول إلى “الحكومة الإلكترونية” على صعيد البلاد كلها. وهذه بدون شك عملية متعددة الأبعاد، وقد تكون بالغة الصعوبة، ولكنها ليست مستحيلة ولا بعيدة المنال. ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن دولا عربية وغير عربية، تحسب مثلنا في عداد الدول المتخلفة، قد سبقتنا إلى هذا التحول، وبعضها حقق فيه نجاحاً مشهوداً له (نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة). إن ما نحتاجه هو وضع خطة “طوارئ” وطنية شاملة، توفر لها الإمكانات المادية والبشرية والعلمية، لتحقيق الآتي:
1- محو الأمية المعلوماتية (استخدام الحاسب الآلي) لدى جميع العاملين في الوظيفة العامة، عبر برنامج متدرج المستويات للاستجابة للحاجات المختلفة لمستويات الإدارة بحسب تدرجها إلى أعلى، حتى بلوغ مستوى الإدارات العليا والقيادية.
2- تجنيد العدد الكافي من فرق العمل المدربة للعكوف على إعداد المنظومات الخاصة بمختلف جهات الإدارة، على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والوطنية، ثم إدخال البيانات حول النشاطات الجارية، والقيام بتحليل هذه البيانات لإعداد المؤشرات اللازمة لمساعدة المسؤولين ومتخذي القرار لاتخاذ القرار السليم .
3- ربط قواعد البيانات بمختلف الجهات العامة على المستوى المحلي (البلديات والمحافظات) فيما بينها، ثم ربطهـا ببقية مكونات النظام الوطني للمعلومات، تمهيداً للتعامل الواعي في تبادل المعلومات مع نظم المعلومات الإقليمية والدولية .
وقد بات من البدهي أنه لكي يواكب مجتمعنا العصر الحالي الذي يتم فيه الاعتماد على المعلومات من قبل الأفراد والمجتمعات في كل أمر من أمور الحياة ، فإننا نحتاج إلى أن نخطط لكيفية نقل مجتمعنا إلى مجتمع المعلومات، ليتم إثراء المناخ المعرفي والمعلوماتي بما يساعد على توظيف واستخدام المعلومات وتطبيقها في مجالات الحياة المختلفة. ذلك أنه من الضروري، لكي نتمكن من التخطيط السليم واتخاذ القرارات المناسبة، أن يكـون المخططون ومتخذو القرارات على اتصال بالبيانات والمعلومات الدقيقة، التي ينبغي أن تصـل إليهم في الوقت المناسب، وعند الحاجة إليها، بما يمكنهم من اتخاذ القرارات في أقصر وقت ممكن.
بيد أن دخول عالم المعلومات لن يتحقق بمجرد إدخال الحاسوب في العمليات الإدارية المختلفة، ولكنه يتطلب وضع خطط مواكبة لمساعدة المجتمع وأفراده للتكيف مـع معطيات البيئة الجديـدة التي تتطلب تغيير كثير من الأنماط الاجتماعية ومظاهر الاتصال الإداري السائد حاليـاً بين الأفراد والإدارات. ففي الوقت الذي تنفذ فيه الخطة العملية المشار إليها لمحو الأمية (المعلوماتية والتقنية) لدى العاملين في مختلف مستويات الإدارة العامة، ومباشرة تنفيذ الخطوات العملية للتحول إلى الحكومة الإلكترونية، سوف يكون من الضروري وضع الخطط والبرامج اللازمة لمحو أمية المواطنين في مجال التعامل مع “إدارات” هذه الحكومة، من خلال توظيف وسائل الإعلام وتنظيم برامج التوعية المختلفة، لكي يعرف المواطن أولاً نوعية المعلومات والبيانات التي يمكنه الحصول عليها عن طريق الحاسب، وليعرف ثانياً نوعية الخدمات والإجراءات التي يمكنه أن يحصل عليها أو يتمها بهذه الطريقة.
وإذا كان هدف أي حكومة هو السعي لتحقيق فعالية عالية في تقديم خدماتها للجمهور، وتحقيق فعالية في تبادل النشاط بين دوائرها ومؤسساتها، فإن الحكومة الإلكترونية تقوم بذلك على أكمل وجه؛ إذ إنها تعني ربط المواطن بمختلف أجهزة الحكومة للحصول على الخدمات الحكومية بأنواعها بشكل آلي ومؤتمن، إضافة إلى إنجاز الحكومة ذاتها مختلف أنشطتها باعتماد شبكات الاتصال والمعلومات، لخفض الكلف، وتحسين الأداء، وسرعة الإنجاز، وفعالية التنفيذ.
وقد تبين من تجارب تطبيق مفهوم الحكومة الالكترونية أنها تقوم على ركائز أربع:-
1- تجميع كافة الأنشطة والخدمات المعلوماتية والتفاعلية والتبادلية في موضع واحد هو موقع الحكومة الرسمي على شبكة الانترنت، في نشاط أشبه ما يكون بفكرة مجمعات الدوائر الحكومية .
2- تحقيق حالة اتصال دائم بالجمهور (24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، 365 يوماً في السنة)، مع القدرة على تأمين كافة الاحتياجات الاستعلامية والخدمية للمواطن.
3- تحقيق سرعة وفعالية الربط والتنسيق والأداء والإنجاز بين دوائر الحكومة ذاتها ولكل منها على حدة.
4- تحقيق وفرة في الإنفاق في كافة العناصر بما في ذلك تحقيق عوائد أفضل من الأنشطة الحكومية ذات المحتوى التجاري.
وينبغي أن يأخذ بناء الحكومة الالكترونية بالحسبان كل ما تمارسه الحكومة في العالم الحقيقي، سواء في علاقتها بالجمهور، أو علاقة مؤسساتها بعضها ببعض، أو علاقتها بجهات الأعمال الداخلية والخارجية. ومن هنا فهي عبارة عن إعادة هندسة أو إعادة اختراع للقائم ووضعه في نطاق البيئة الرقمية التفاعلية.
ويستفاد من التجارب التي نفذت بالفعل في الكثير من البلدان (ومنها بلدان عربية كانت تحسب حتى عقدين من الزمن في عداد البلدان المتخلفة) أن الحكومة الإلكترونية يمكن أن تشمل بخدماتها القطاعات أو المجالات التالية:
· البيانات والوثائق، تعريف الشخصية، سجلات الأحوال المدنية.
· التعليم، الخدمات الأكاديمية والتعليم على الخط.
· خدمات الأعمال.
· الخدمات الاجتماعية.
· السلامة العامة والأمن.
· الضرائب.
· الرعاية الصحية.
· شؤون النقل.
· الديمقراطية والمشاركة السياسية.
· الخدمات المالية ووسائل الدفع.
كما تبين من التجربة أن الحكومة الالكترونية، وفق للتصور الشامل، يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق ما يلي:
– بناء اقتصاد قوي والمساهمة في حل مشكلات اقتصادية.
– تقديم خدمات اجتماعية تساهم في بناء مجتمع قوي.
– تحقيق تفاعل بأداء أعلى وكلفة أقل، من خلال تجاوز كل مظاهر التأخير والبطء والترهل في الجهاز الحكومي.
– ممارسة الرقابة على كل ما يحدث في الواقع، لما تتمتع به النظم التقنية من إمكانيات التحليل والمراجعة آليا وبشكل مؤتمن للأنشطة التي تتم على الموقع.
بيد أن الحكومة الإلكترونية لن تحقق أغراضها إلا إذا نظر إليها من خلال هذه الأبعاد، وإلا فإنها يمكن أن تكون وسيلة إعاقة، إذا لم يخطط لبنائها بالشكل المناسب وضمن رؤية واضحة. فتحقيق الأغراض المتوخاة من وراء الحكومة الإلكترونية لا يمكن أن ينجز دون اعتماد استراتيجية واضحة وحكيمة في بنائها، تنطلق من دراسة الواقع القائم ومشكلاته، قبل المباشرة في نقل العمل الواقعي إلى العمل الرقمي. وبالطبع سوف تتطلب المساعي لبلوغ هذا الهدف جملة من المتطلبات التقنية والتنظيمية والإدارية والقانونية والبشرية. وربما يأتي في مقدمة هذه المتطلبات ما يلي:
1- حل المشكلات القائمة في الواقع الحقيقي قبل الانتقال إلى البيئة الالكترونية، فلكي تتمكن الحكومة الإلكترونية من توفير المعلومات اللازمة لمواطنيها عبر الإنترنت، عليها أن تضع الخطط والبرامج اللازمة لتحويل جميع الوثائق والمعلومات والنماذج الحكومية إلى صورة رقمية، لكي يمكن التعامل معها عبر الشبكة. لذلك فسوف نكون بحاجة ملحة إلى خطة طوارئ حقيقية، على الصعيد الوطني الشامل، تجند لها الإمكانات المادية والتقنية والبشرية للعكوف على المخزون الوطني من الوثائق والمعلومات المطلوب تحويلها إلى الصورة الرقمية، وتجنيد فرق العاملين للتناوب على إنجاز العمل، بنظام الدوريات المتتابعة، من أجل تقصير المدة اللازمة للإنجاز إلى أقصى حد ممكن.
2- حل مشكلات قانونية التبادلات التجارية وتوفير وسائلها التقنية والتنظيمية، ذلك أن جميع المبادلات التي تتعامل بالنقود يجب وضعها على الانترنت، مثل إمكانية دفع الفواتير والرسوم الحكومية المختلفة مباشرة عبر الانترنت، وجعل هذه العملية بينية بمعنى أنها تردد لتشمل كل من يقوم لأداء التعاملات التجارية مع المؤسسات الحكومية .
3- توفير البنى والاستراتيجيات المناسبة الكفيلة ببناء المجتمعات، فبناء المجتمعات يتطلب إنشاء وسيط تفاعلي على الانترنت، يقوم بتفعيل التواصل بين المؤسسات الحكومية، وبينها وبين المواطنين، وبينها وبين مزوديها، بحيث يتم توفير المعلومات بشكل مباشر عن حالة أية عملية تجارية تم تأديتها في وقت سابق، إضافة إلى استخدام مؤتمرات الفيديو لتسهيل الاتصال بين المواطن والموظف الحكومي .
إن العناصر الحاسمة لضمان بناء حكومة الكترونية حقيقية وفاعلة هي وجود خطة تنطوي على عناصر النجاح، وهي: أن تكون الرؤية واضحة، وأن تحدد الأهداف على نحو قابل للتطبيق، وأن تخضع كافة المراحل للإشراف القيادي والمتابعة، وأن تحفز الخطة فرص المشاركة، وأن تعامل كافة المراحل بالواقعية والشفافية، وأن تعتمد استراتيجية المراجعة لما أنجز وما تبقى دون انجاز، واستراتيجية التحليل اللاحق حتى يضمن توفر عنصر التطور المطلوب.
من إمام المحلة إلى الحاسوب:
بإحداث هذه النقلة الجذرية في مفهوم العمل الإداري، سوف تختفي بالضرورة المهنة التقليدية التي ما زال يمارسها حتى الآن من نسميه “إمام المحلة“، وهو عبارة عن أحد المواطنين في الحي، تخول له السلطة التنفيذية صلاحية إصدار الشهادات والإقرارات التي يحتاجها المواطنون لإنجاز العديد من مصالحهم لدى الإدارة العامة. ويصدر إمام المحلة تلك الشهادات استناداً إلى معلوماته الشخصية عن التفاصيل المتعلقة بسكان الحي الواقعين ضمن اختصاصه، وفي كثير من الأحيان يكتفي بالثقة غير المؤسسة على أي أساس موضوعي في المعلومات التي يطلب منه المواطنون إصدار شهادات بخصوصها.
وفي منظور تطبيق الحكومة الإلكترونية فإننا نطمح إلى أن تختفي في البداية تلك العقلية البيروقراطية التقليدية التي تطلب من المواطن توفير عدد كبير من الشهادات واستصدارها من مختلف جهات الإدارة المختصة، لأننا نكون قد زودنا منظومات الإدارة المحلية بكافة البيانات المتعلقة بالمواطن، ومن ثم لن تعود هناك حاجة إلى أن يطلب من المواطن إحضار أو استصدار أية شهادات، إذ سيكون بإمكان الموظف المختص أن يحصل على البيانات المطلوبة بواسطة ضغطة واحدة على أحد أزرار الحاسب.
وهكذا سوف يختفي “إمام المحلة” ليحل محله موظف أو موظفة في مكتب الشؤون المحلية بالحي، يقوم بتوفير كل ما يحتاج إليه المواطن من معلومات، وإنجاز ما يريد إنجازه من مختلف الخدمات.
الحكومة الإلكترونية والعنصر البشري:
ومن هذا المنظور أيضاً سوف نجد أنفسنا متجهين بالضرورة إلى عملية كبرى تستهدف العنصر البشري المطلوب للإدارة الإلكترونية، عدداً ونوعاً، سوف تنتهي حتماً إلى تقليص العاملين في الإدارة العامة إلى حد هائل، وهذا بالطبع يؤدي إلى التساؤل عن المصير الذي سينتهي إليه مئات الآلاف من المسجلين في قوائم العاملين في الوظيفة العامة.
الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في القدرة على تنفيذ السياسات المقترحة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، فحين يعاد النظر في استراتيجيات التنمية الاقتصادية والبشرية، فلنا أن نتوقع أن تحدث تغييرات جوهرية في سوق العمل، تفتح الآفاق التي ظلت مغلقة أمام قوة العمل الليبية، وتعطيها دفعات قوية إلى الأمام، بما يؤدي إلى خلق مئات الآلاف من فرص العمل الكفيلة باستيعاب هذه الأعداد التي تحسب حالياً على الإدارة العامة، وهي في الحقيقة إما مجرد نمط من البطالة المقنعة، أو كفاءات معطلة وغير مستثمرة، بسبب انعدام مواقع العمل التي تتناسب ومؤهلاتهم وقدراتهم العملية.
أما على الصعيد الاجتماعي فلنا أن نتوقع أن تسهم السياسات المقترحة في توفير بيئة اجتماعية مصممة على أسس مختلفة، تؤدي بالتدريج إلى إعفاء أعداد كبيرة من النساء، وخاصة في حالات الأمومة، من الحاجة إلى الخروج إلى سوق العمل، تحت ضغط الحاجة المادية للإعانة على معيشة الأسرة. وقد أشرنا في حديثنا عن موقع المرأة في النظام السياسي إلى قناعتنا بأهمية أن يوفر هذا النظام للمرأة/الأم الظروف اللازمة للتفرغ لأداء وظيفتها في مجال التربية والأمومة، وتشير البيانات والمشاهدات في الواقع الحاضر في بلادنا إلى أن هذا سوف يعين على عودة الآلاف من النساء “الأمهات/المربيات” إلى ممارسة وظيفتهن في هذين المجالين من خلال مؤسسة البيت.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية