إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء الخامس مسألة (قوى الأمن والدفاع الوطني: تأكيد المفهوم الحضاري لدورهما في المجتمع) وفي هذا الجزء نبدأ في طرح الباب الثاني ويعنى بالنظام التربوي والثقافي وتحديدا بقضايا التربية والتعليم و الثقافة والإعلام.
(6)
الباب الثاني
النظام التربوي والثقافي
أولاً – التربية والتعليم
لقد تبين جلياً من المقدمات التي سلفت في الباب الأول أن مختلف الأهداف الاستراتيجية التي تطرقنا إليها في إطار مساعينا لإعادة “بناء” بلادنا تعتمد في نهاية الأمر اعتماداً تاماً على مدى نجاحنا في إعادة بناء “الإنسان الليبي” الذي سيقع عليه عبء قيادة تلك المساعي نحو أهدافها المرجوة والمخطط لها. ومن هنا تبرز الأهمية الحيوية لإعادة النظر في مختلف الجوانب والبني والهياكل المتعلقة بالتربية والتعليم، باعتبارهما المرتكز الأساسي الضروري لعملية إعادة البناء.
وأول ما ينبغي النظر فيه إعادة الاتفاق على الأهداف الأساسية التي نتوخاها من وراء برامج التربية والتعليم المختلفة. ونعتقد أن من أهم هذه الأهداف ما يلي:
1- التربية الاجتماعية: وتسعى إلى خلق الفرد “الصالح” من خلال تربيته على جملة من الصفات والأخلاق الفاضلة، والسلوكيات الإيجابية، المستمدة من الدين والعقل والأعراف الإيجابية لدينا ولدى الغير.
2- التربية السياسية: وتسعى إلى خلق الفرد “المواطن” الواعي بحقوقه وواجباته باعتباره عنصراً أصيلاً في المجتمع، والحريص على أن يكون له رأيه في مختلف الشؤون العامة، والقادر على ممارسة حقه في التعبير عن الرأي بطريقة سلمية حضارية، من خلال الممارسة العملية في مختلف مراحل حياته ومجالاتها.
3- التربية الحضارية: وتسعى إلى خلق الفرد “المتحضر” الواعي بمختلف إيجابيات السلوك الحضاري عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، ثم المتمرس بتفاصيل ذلك السلوك في حياته الخاصة والعامة.
4- التربية المنهجية: وتسعى إلى خلق الفرد “المفكر“، من خلال تنمية قدراته على استخدام عقله في التدبر والتأمل في نفسه وفي الكون من حوله، وتدريبه عملياً على إحسان الوصول إلى مصادر المعرفة، وإحسان التعامل معها.
وسوف يكون لازماً للأمل في بلوغ قدر معقول من تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية أن تتوفر البنى الاجتماعية القادرة على مواجهة المسؤولية. وفي تقديرنا ثمة ثلاثة مؤسسات في المجتمع يقع عليها عبء القيام بهذه المسؤولية هي: مؤسسة البيت، مؤسسة المدرسة، مؤسسة الثقافة والإعلام.
1- مؤسسة البيت
تبدأ تنشئة الفرد منذ اللحظة الأولى لخروجه إلى الدنيا من بطن أمه. وعلى مدى السنوات الأولى من طفولته، قبل أن يتم أول اتصال بينه وبين المؤسسة التعليمية (في الروضة أو المدرسة الابتدائية) يتولى البيت القدر الأكبر من مسؤولية تنشئته وإعداده لمختلف المسؤوليات التي سوف يواجهها في حياته. ولا نضيف شيئاً إذا أعدنا التكرار على أن عبء القيام بهذه المسؤولية يقع على الوالدين، فهما اللذان سوف يتلقى الطفل عنهما أولى خبراته وسلوكياته، وهي خبرات وسلوكيات ذات قدرة عالية على النفاذ إلى روح الطفل وعقله، وتبلغ من الرسوخ لديه حداً ربما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فيما بعد محوها أو تعديلها أو إبدالها بغيرها.
من هنا فإن مقدار الأمل في النجاح في بلوغ الأهداف المرجوة من التربية سوف يعتمد بدرجة أساسية على مدى تأهل مؤسسة البيت (ونعني الوالدين) للقيام بهذه المهمة. وإذا وضعنا في الاعتبار أن القدر الأكبر من هذه المسؤولية يقع على عاتق الأم، بحكم أنها هي التي ترافق الطفل طوال الوقت، وأن الأب بحكم وظيفته في الحياة يحتاج إلى أن يتغيب عن البيت وعن الطفل فترات طويلة من الوقت، سعياً وراء الرزق له ولعائلته، فإننا سوف نتفق على حيوية الموقع الذي ينبغي أن تحتله المرأة من رؤيتنا السياسية، وبخاصة فيما يتعلق بالدور الذي يجب أن تلعبه في تنشئة الفرد، وإعداده للقيام بمهمته في الحياة وفي المجتمع.
وهنا يتصل حديثنا بصلة وثيقة مع حديثنا حول تصورنا للدور الذي نراه جديراً بأن تحتله المرأة من رؤيتنا السياسية. ونرى أن مهمة المرأة في هذا الصدد، أي من حيث هي “الأم/المربية“، تعد مهمة جوهرية وحيوية من جهة أنها تمثل الركيزة التي سوف يقوم عليها بقية البنيان التربوي، من خلال مؤسساته الأخرى في التعليم والثقافة وغيرهما، ولذا فينبغي أن يكون لنا من الخطط والمناهج ما يمكن من إعداد المرأة للقيام بهذا الدور خير قيام.
ولعلنا نبدأ بلفت النظر إلى فكرة نراها غاية في الأهمية وهي ضرورة إعادة النظر في الموقع الذي ينبغي أن تحتله “الأمومة” من نظامنا الاجتماعي والسياسي، لا من جهة البرامج التقليدية التي توضع عادة تحت هذا العنوان، فتحصر العناية بالطفولة في بعض برامج الرعاية الصحية والاجتماعية فحسب، ولكن من جهة شمولية هذا الدور وخطورته التي تحتم أن يتضمن النظام السياسي رؤية مختلفة جذرياً عما هو سائد الآن، تنظر إلى المرأة/الأم باعتبارها الركيزة الأساسية التي تستند إليها وتنطلق منها مختلف برامج التربية التي أشرنا إليها آنفاً.
ونرى أن هذه النظرة تتطلب وضع خطط إعداد المرأة الليبية وتأهيلها للقيام بدورها كأم في قمة سلم الأولويات، بحيث توضع لها الخطط العملية، وتخصص الإمكانيات المادية والبشرية والإدارية اللازمة لإنجازها.
ولعلنا نتفق على أن من أولى الأولويات في هذا الصدد ما يلي:
1- وضع خطة وطنية شاملة للقضاء نهائياً على الأمية في أوساط النساء، وخاصة في فئات الأعمار الشابة، من جهة أن ذلك مطلب حيوي لكي تتمكن المرأة من استيعاب وتقبل مختلف البرامج التثقيفية والإرشادية التي سوف توجه لتأهيلها للقيام بدور الأم والمربية، وتنمية وعيها بمتطلبات هذا الدور وأهميته.
2- الاتفاق على رؤية جديدة لمهمة المرأة في رعاية الأسرة وتربية الأبناء باعتبارها مهمة إنتاجية في المقام الأول، ومن ثم فلها موقع مهم في السياق الوطني الشامل، وليست مسألة شخصية ذاتية، تخص المرأة نفسها وعائلتها. من هذا المنظور نرى أن من الضروري أن نعيد النظر في هذه المسألة في اتجاه اعتبار “الأمومة والتربية” مهنة أو وظيفة تقوم بها المرأة لصالح المجتمع، ومن حقها أن يتكفل المجتمع بكل ما يلزمها لكي تقوم بهذه الوظيفة على أكمل وجه، وفي مقدمة ذلك المقابل المادي الذي يكفيها ويكفي أسرتها، لكي تتمكن من التفرغ الكامل لأداء وظيفتها الوطنية.
ولعل من الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن الحاجة إلى زيادة دخل الأسرة لتغطية العجز الذي تواجهه ميزانية الأسرة بسبب انخفاض مستوى الدخول عن المتطلبات الفعلية للمعيشة اللائقة، هي التي ظلت تدفع المرأة إلى الخروج من البيت للبحث عن وظيفة تحصل من ورائها على دخل إضافي تسهم به في تغطية مصروفات الأسرة. ومن الجلي أن هذا يتم على حساب قيام المرأة بوظيفتها الأساسية كزوجة وأم ومديرة منـزل.
3- النظر إلى مختلف برامج رعاية الأسرة، وبخاصة فيما يتعلق بتأهيل الأم لإدارة شؤون البيت وتربية الأولاد ومتابعة أدائها لهذه المهمة، باعتبارها ذات أهمية حيوية في المخطط التنموي الاستراتيجي، ومن ثم فإنها تستحق أن تخصص لها الأجهزة والآليات العملية المناسبة، بدءاً من استحداث وزارة خاصة للأسرة، منفصلة عن الوزارة التي قد تنشأ للعناية بسائر الشؤون الاجتماعية، وذلك لكي يأخذ التركيز على “مؤسسة البيت/الأسرة” مداه المطلوب. وسوف يكون من واجبات هذه الوزارة أن تضع من الآليات ما يلزم للوصول إلى المرأة أينما كانت: داخل البيت، في المجاورة التي تقيم فيها، ثم في مختلف مجالات وساحات الحياة الاجتماعية. ويمكن أن نتصور أن من هذه الآليات ما يلي:
· إنشاء مراكز مخصصة للتثقيف والتوعية بقضايا ومتطلبات تنمية الأسرة، تكون قريبة من النساء وميسرة لهن بما يشجعهن على التردد عليها، ومتابعة البرامج التعليمية والثقافية التي تتم فيها.
· إحداث وظيفة “مرشدة الأسرة” تتولاها نساء متخصصات مؤهلات في مجال التربية الاجتماعية، وهي وظيفة عملية ميدانية، تقوم فيها “المرشدة” المخصصة للأسرة بزيارات منتظمة، تتابع من خلالها حالة الأسرة وما يلزم من خطوات وإمكانات لتطوير قدراتها على متابعة التربية والتنشئة المطلوبة لأفرادها.
4- توظيف وسائل الإعلام المختلفة لإنجاز عدد من جوانب هذه المهمة، وقد يكون من ذلك إنشاء محطات إذاعية وتلفزية مخصصة لشؤون الأسرة، تقدم فيها للمرأة مختلف برامج التوعية والتثقيف والإرشاد. وربما ينظر في هذا السياق إلى أهمية مساهمة المجتمع في مساعدة الأسر غير القادرة مادياً على توفير الأجهزة اللازمة لاستخدام هذه المحطات، عن طريق توفيرها مجاناً مثلاً.
2 – مؤسسة المدرسة
بعد السنوات الأولى من طفولة الفرد المبكرة تبدأ أولى خطواته للاتصال بالعالم الخارجي، والاحتكاك بالمجتمع، وهنا تدخل إلى ساحة الفعل المؤسسة التربوية الثانية، وهي “مؤسسة المدرسة“، التي سوف تشارك الأسرة في إنجاز أهداف التربية الشاملة.
ومن الواضح أنه لكي تقوم هذه المؤسسة بما يقع عليها من أعباء على الوجه المطلوب ينبغي أن تجهز وتؤهل لذلك تجهيزاً ملائماً، وتأهيلاً عالياً. ولا شك أننا سوف نواجه في هذا الصدد تراكمات رهيبة من آثار التخلف والتدهور الذي أصاب هذه المؤسسة في بلادنا، أدى بها لا إلى أن تتوقف عن أداء دورها المطلوب منها فحسب، بل إلى أن تتحول، للأسف الشديد، في كثير من الأحيان إلى مؤسسة ذات مخرجات في منتهى السلبية والخطورة، إذ تحولت إلى بيئة فاسدة يكتسب التلاميذ والطلاب فيها أنماطاً من الأخلاق والسلوك منافية تماماً للحد الأدنى من المستهدف منها، بدءاً من شيوع ظاهرة الغش في الامتحانات، وتغلغلها في “الخلق العام” إلى درجة تغاضي المعلمين وأولياء الأمور عنها، بل تورط الكثير منهم في مساعدة التلاميذ على ممارستها، مروراً بما لا مجال لحصره من الممارسات والسلوكيات السلبية، وانتهاء إلى أخطر ما صار يشيع في المدارس والكليات الجامعية من تحولها إلى بؤر لترويج وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الأخلاقية المرذولة.
من هنا فإن التعاطي مع هذه التركة البالغة السلبية سوف يتطلب توجيه عناية بالغة الخصوصية للجهود والخطط الرامية إلى التحول تدريجياً بمؤسسة المدرسة إلى بنية إيجابية فاعلة في السياق العام للتربية والتنشئة الاجتماعية المطلوبة.
ولعلنا نشير إلى ما نظن أنه سوف يقع في مقدمة أولويات هذا الشأن، حسب تقديرنا، مثل:
1- الشروع فوراً في إعادة تكوين الهيئات الإدارية اللازمة لإدارة المؤسسات التعليمية والإشراف على تحولها المخطط له نحو الغايات المطلوبة.
2- وضع برامج مكثفة ومستعجلة لمواجهة الكثافة الطلابية المتزايدة، من خلال إنشاء المزيد من المدارس، حتى بلوغ الغاية المطلوبة المتمثلة في توفير فصل دراسي لكل 20 إلى 25 تلميذا كحد أقصى.
3- وضع الخطط اللازمة لإعادة تجهيز المدارس القائمة بما سوف يكون لازماً لتنفيذ مهمتها التربوية المخطط لها. وسوف يكون في مقدمة هذه التجهيزات توفير المكتبة المدرسية المجهزة باللازم من مصادر المعرفة الضرورية، وبخدمة الاتصال عبر الشبكة العالمية للمعلومات، باعتبار أن ممارسة البحث بواسطة الشبكة سوف يقع في بؤرة ومركز العملية التعليمية.
وفي هذا السياق سوف يكون من الضروري أن يعاد النظر في تصميم المدارس التي سوف يكون من اللازم إنشاؤها، بحيث تأخذ المكتبة المدرسية موقعها المركزي المحوري في المبنى، وتأخذ الحيز المناسب للمهمة التي سوف يطلب منها أن تؤديها، إلى جانب التجهيزات اللازمة للعلوم التطبيقية كالمعامل والمختبرات، والتجهيزات اللازمة لمستوى راق ومتكامل من التربية البدنية، كالملاعب والأدوات الرياضية وغيرها.
4- مباشرة تنفيذ برامج خاصة لإعادة تأهيل المعلمين للقيام بما سوف يكون مطلوباً منهم، في ضوء الفلسفة التعليمية الجديدة، من خلال المناهج التعليمية الجديدة التي ينبغي أن تعكس الأهداف العليا للتربية الوطنية الشاملة. ولا شك أن هذه المهمة سوف تكون أشق المهام وأشدها حاجة لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، فسوف نحتاج إلى سنوات عديدة قبل أن نتمكن من إعادة تأهيل المعلمين الممارسين، والشروع في تأهيل أجيال جديدة منهم، في ضوء الفلسفة التربوية والتعليمية الجديدة.
وينبغي أن يكون مفروغاً منه أن هذه الخطوات الإجرائية جميعها لابد أن تتم في إطار الاتفاق على رؤية مختلفة وجديدة لفلسفة العملية التربوية ومستهدفاتها الجوهرية، التي نظن أن من أهم مرتكزاتها :
1- إعادة النظر إلى مهمة “مؤسسة المدرسة” باعتبار أنها ليست “تعليم” التلاميذ، بالمعنى السطحي للكلمة، أي تلقينهم المعلومات والمعارف، وإجبارهم على تلقيها على نحو سلبي، ثم اختبار قدرتهم على تخزينها في أدمغتهم، واستخدامها للإجابة الصحيحة عن أسئلة الامتحانات، ولكنها، أي مهمة المؤسسة، “تعليم التلاميذ كيف يتعلمون“، وهذا يتطلب منهم إحسان التعامل مع مصادر المعرفة من كتب وأوعية معلومات متنوعة، وتدريبهم على استخدام قدراتهم العقلية للتفكير والاستنتاج، وتمرينهم على ممارسة السؤال والحوار والنقاش. ومن ثم تتحول مهمة المدرسة من “تعليم” التلاميذ إلى “تعليمهم كيف يتعلمون“.
2- إعادة النظر في علاقة المؤسسة التعليمية بالمجتمع من خلال جعل هذه العلاقة حاضرة بقوة في خلفية مختلف المناهج الدراسية، بحيث تصمم هذه المناهج أصلاً لخدمة هذه الغاية، ثم جعل علاقة التلاميذ بالمجتمع جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية التربوية ذاتها، فتدخل “خدمة المجتمع” كأحد المتطلبات الأساسية في هذه العملية، ويكون لها نصيبها في تقدير استحقاق التلميذ للنجاح والتأهل.
3- تخصيص موقع مهم في العملية التربوية التي ينبغي أن تقوم بها المؤسسة التعليمية لمفاهيم “المصلحة العامة” و“حماية البيئة“، فيتعلم التلاميذ في المدرسة، إلى جانب تلقي الأسس النظرية والعلمية لهذه المفاهيم، من خلال الممارسة العملية داخل المدرسة وخارجها كيف يسهمون في هذه المجالات بجهود ملموسة، يكون لها أيضاً نصيب في تقدير الاستحقاق النهائي للتلميذ.
4- وأخيراً يأتي الدور البالغ الأهمية الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسة التعليمية في مجال “التنشئة السياسية“، بحيث تُضَمَّن المناهج الدراسية المادة المعرفية والثقافية اللازمة لتنمية “الإنسان المواطن” أي الإنسان الواعي بالشؤون العامة لبلاده والقادر على المساهمة الإيجابية الفاعلية في مختلف مجالات ومستويات صنع القرار العام، ثم تسعى لتربية التلاميذ على جوانب من هذه الممارسة السياسية، حسب مستويات ترقيهم العقلي والنفسي، من خلال تمرينهم عليها عملياً، عبر تنظيم جلسات الحوار والنقاش للتمرس بإبداء الرأي والتعبير عنه، وتنظيم عمليات الاختيار الحر “الانتخاب” داخل الفصل وعلى مستوى المدرسة وعلى مستوى الحي .. للتمرس بروح المنافسة الديمقراطية السلمية، وروح القبول بالاختلاف في الرأي، ثم الخضوع لقرار الأغلبية، بروح رياضية ديمقراطية ناضجة.
ثانياً – الثقافة والإعلام
1 – الثقافة
إلى جانب مؤسستي البيت والمدرسة، تلعب مؤسسة “الثقافة” دوراً مصاحباً ومكملاً لا تخفى أهميته، يتمثل في توفير المادة والهياكل والبنى اللازمة لتنمية الجانب الروحي والمعنوي في الإنسان، فانطلاقاً من فرضية أن النظام السياسي سوف يتكفل بتغطية كل ما يلزم لحياة الإنسان المادية، من غذاء وكساء ومأوى وخدمة صحية ووسيلة تنقل، عبر مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية، فإنه يحق لنا أن نتخيل أننا سوف نتمكن من إتاحة نوع ومستوى من المعيشة الميسرة المستقرة، يجعل الإنسان، بعد تحقق اكتفائه المادي، يتطلع إلى إشباع الجوانب الروحية من وجوده، من خلال التمتع بمظاهر الجمال في الكون والحياة والطبيعة، وهو ما توفره له مختلف أنماط الآداب والفنون.
وهذا ما ينبغي أن تقوم به “مؤسسة الثقافة” في المجتمع، من خلال هياكل وأطر متخصصة، نرى أن يكون في مقدمتها:
المكتبة العامة
ونعتقد أنه سوف يكون من أهم المؤشرات على توجهنا نحو تحقيق تلك الأهداف الاستراتيجية التي تحدثنا عنها قدرتنا على إعادة الاعتبار إلى موقع ومكانة المكتبة العامة في المجتمع، بحيث تكون هي المكان الذي يتجه إليه المواطنون، كلما كان لديهم الوقت والفراغ، فيجدوا فيه المادة الثقافية النافعة: مختلف الصحف والمجلات، الكتب، سائر أوعية المعلومات المناسبة، ثم يجدوا فيه الوسائل التقنية اللازمة التي تتيح لهم الاتصال والاطلاع على ما يوجد في مكتبات أخرى داخل الوطن وعبر العالم عن طريق تقنيات الربط الإلكتروني. وفي هذا الوقت يجدون في المكتبة العامة الموظف المؤهل القادر على توجيههم ومساعدتهم في العثور على ما يبحثون عنه، وييسر لهم الوصول إليه.
المجمع الثقافي
ويمكن أن يكون متصلاً أو منفصلاً عن المكتبة العامة، ويهدف إلى توفير الفضاءات والهياكل اللازمة لخدمة مختلف الأنشطة والفعاليات الثقافية، مثل المسرح، ودار العرض، ومعارض الفنون التشكيلية. وربما يكون من الممكن، على الأقل في المرحلة الأولى التي سوف تمر قبل أن تتمكن بلادنا من توفير المكتبة العامة والمجمع الثقافي في كل تجمع سكاني، مهما صغر أو بعد في مختلف أنحاء الوطن، أن نحسن استخدام الأنماط غير الثابتة من هذه الهياكل، والتي يمكن أن تنتقل، وفق برامج وخطط محسوبة، بين مختلف القرى والتجمعات السكانية النائية، لتوفر لسكانها الخدمة الثقافية المرجوة.
هيئة التأليف والترجمة والنشر
ويقع في صميم وظيفتها وضع ما يلزم من خطط لرعاية وتنمية حركة التأليف والإبداع العلمي والفني على الصعيد المحلي، عبر تشجيع الكتاب والباحثين، وتيسير سبل نشر أعمالهم، ثم العناية بتوزيع هذه المنتجات وتوفيرها للجمهور بأسعار مدعومة من قبل المجتمع، لكي يتيسر اقتناؤها على مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية. وينبغي أن يكون وارداً لدينا أهمية أن يقدم المجتمع .الدعم للمادة الثقافية، كما يقدم الدعم لرغيف الخبز
2 – الإعلام
لقد أشرنا في سياق حديثنا عن رؤيتنا للنظام السياسي إلى جانب يتعلق بموقع الإعلام في المجتمع الديمقراطي، من حيث إنه ينبغي أن يكون حراً، فلا يكون ثمة رقيب عليه خارج نطاق المؤسسات التي يخولها الدستور ممارسة نوع من الرقابة والضبط لما يتم في إطاره، في ظل ما يتفق عليه بين مختلف الفرقاء في المجتمع من ثوابت يلتزم بها الجميع.
ولكننا في هذا السياق، سياق الحديث عن التربية والتنشئة، يهمنا أن نركز على تصورنا للدور الحيوي الذي يمكن أن يقوم به الإعلام، عبر مختلف وسائله المتوفرة في الوقت الحاضر، للمساهمة في إنجاز مستهدفات التنمية البشرية، فيما يتعلق بإعداد وتنشئة المواطن.
ونعتقد أن وسائل الإعلام: إذاعة مسموعة ومرئية ومواقع على الشبكة العالمية، سوف يقع عليها في منظور انتشال مجتمعنا من وهدة التخلف التي انهار إليها عبء بالغ الجسامة، سوف يحتاج منا إلى إحسان الاستناد إلى إدراك واع وشامل لمعطيات الواقع المحلي، لكي نتمكن من وضع وربما اختراع وابتداع الأساليب والمناهج وأنماط المعالجة التي نفترض أو تدلنا الدراسات العلمية على أنها يمكن أن تكون مجدية في التعامل مع جزئيات هذا الواقع ومعالجة سلبياتها، ثم الانتقال إلى تنميتها وتطويرها في ظل الأهداف الاستراتيجية للمجتمع.
من هذا المنظور نعتقد أنه سوف يكون لازماً لمجتمعنا أن توجد “مؤسسة إعلامية” عامة، يملكها المجتمع كله، ويخصص لها ما سوف يكون لازماً من أموال وإمكانات مختلفة، لكي تؤدي وظيفتها الحيوية التي أشرنا إليها في مجال التنشئة الاجتماعية والسياسية والثقافية للمواطن. هذه الوظيفة يمكن أن نتخيل لها عدة جوانب، منها:
– توفير المادة المعرفية اللازمة لتكوين الحد المعقول من المواطن الواعي المطلع. وربما يكون ذلك من خلال إنشاء القنوات التلفزية المتخصصة، في مختلف مجالات المعرفة النظرية والعملية.
– توفير المادة الملائمة للتنشئة الأخلاقية والاجتماعية، من خلال مختلف أنماط المعالجة الفنية، وإحسان استثمار الأنماط غير المباشرة المستندة إلى المشاهدات النابعة من الواقع الفعلي الذي يعيشه المواطن. ونعتقد أن وسائل الإعلام يمكن أن تقوم بدور بالغ الخطورة والفاعلية في مجالي التنشئة الاجتماعية والحضارية، عبر المعالجة العلمية والفنية لمختلف أنماط السلوك المرفوضة، بهدف التوعية بما فيها من سلبيات، وخلق المواقف الإيجابية البديلة.
– تقديم النموذج الحي للمواطن/السياسي المطلوب وجوده في المجتمع الديمقراطي المزدهر، من خلال تجسيد مبادئ حرية الرأي والتعبير، عبر الممارسة الفعلية التي يستطيع المواطنون أن يتابعوها ويشاهدوها أينما كانوا، بأمل أن يتعلموا منها ويتأثروا بها، ويتخذوا منها نماذج للسلوك المتحضر الذي يطمح المجتمع لتنشئة مواطنيه عليه، وذلك من خلال برامج الحوار والنقاش التي تتيح مجالاً فعلياً يتواجه فيه أصحاب الآراء المختلفة، فيعرض كل رأيه بحرية وبطريقة حضارية راقية منضبطة، ويشاهد كيف يستمع إلى رأي من يخالفونه، برحابة صدر، وروح متسامحة منفتحة غير متعصبة.
وإذا أدركنا من خلال هذا العرض ما سوف يكون لوسائل الإعلام من أهمية في بلوغ مستهدفات التربية الوطنية الشاملة، فإننا ينبغي أن نضع في اعتبارنا أهمية أن يحرص المجتمع على تيسير الوصول إلى هذه الوسائل، سواء عن طريق اقتنائها في البيت، أو توفيرها للمواطنين حيث يسكنون في أماكن عامة تخصص في مركز كل مجاورة سكنية. ولعله لن يكون من المبالغة في الخيال أن ندعو إلى أن يدعم المجتمع قدرة كل أسرة على اقتناء جهاز التلفاز ومُسْتَقْبِل البث الفضائي، كما نحلم بأن يدعم في مرحلة لاحقة، قدرة كل أسرة على اقتناء الحاسوب وخط الاتصال بالشبكة العالمية للمعلومات. وبالطبع سوف يقع على المجتمع أن ينظر في هذا الصدد إلى الشرائح الاجتماعية التي قد لا تتيح لها إمكاناتها المادية توفير هذه المستلزمات، فيضع في خططه أن يوفرها لها عبر الآليات التي يتفق على اتباعها، عن طريق الهبة المجانية، أو القروض الميسرة وما إلى ذلك.
ثالثاً – التعليم العالي والبحث العلمي
إذا ضمنا أن يتكفل النظام التربوي في مراحل التعليم قبل الجامعي بأن يخرج للمجتمع أفراداً قد تمت تهيئتهم وفق ما وضعه المجتمع من أهداف لبرامجه المختلفة في مجال ما نسميه “التنشئة الوطنية” الشاملة، فإننا سوف نأمل في أن تستقبل برامج التعليم العالي طلاباً يكونون جاهزين ومؤهلين لخوض مرحلة التعليم العالي، التي تهدف لإعدادهم في المجال الذي يختارونه لحياتهم العملية، لكي يكونوا متخصصين في ذلك المجال، قادرين على ممارسة المهنة فيه على الوجه المطلوب، وقادرين كذلك على تنميته وتطويره، من واقع التجربة العملية التي يمرون بها.
ولعله من البديهي أننا سوف نكون بحاجة ملحة وفورية لإعادة نظر جذرية في أنماط ومستويات مؤسسات التعليم العالي التي يحتاجها مجتمعنا بالفعل لإنجاز أهدافه وخططه التنموية المختلفة، فنسعى لمعالجة الخلل الهائل الذي حدث خلال العقود الماضية، عبر توجهنا للاهتمام بالتعليم النظري في مجالات العلوم الإنسانية، على حساب الاهتمام بالتأهيل والإعداد المهني، حتى بات المجتمع يعاني من تكدس أعداد الذين تدفع بهم مؤسسات التعليم العالي إلى سوق العمل، دون أن تكون هناك أي فرص حقيقية لاستيعابهم. فيتحولون إلى عبء على المجتمع، وأعداد مضافة في خانة البطالة المقنعة، ويكون المجتمع قد خسر من وراء ذلك أعداداً مهمة من أفراده كان ينبغي أن يتكفل نظام التعليم العالي بتأهيلهم وفق حاجات العمل والتنمية في المجتمع، بناء على الدراسات الميدانية التي تضعها الجهات المسؤولة، في مجالات التخطيط والتنمية البشرية والقوة العاملة.
ونعتقد أن مستهدفات المجتمع في التنمية البشرية سوف تفرض علينا أن نعمل ما يلزم لإعادة الاعتبار، في ثقافتنا السائدة، للعمل المهني والحرفي، بحيث نسعى لتجاوز تلك النظرة المتخلفة التي تنظر إلى العمل المهني الحرفي نظرة دونية، ومن ثم تضعه في مرتبة دانية في السلم الاجتماعي، فنعمل ما ينبغي:
أولاً: للرفع من مستويات مؤسسات التأهيل المهني والحرفي، من معاهد متوسطة وعالية، من خلال تجهيزها بأحدث المعدات والأجهزة اللازمة للدراسة العملية والتطبيقية، وتوفير أفضل الخبرات والمهارات اللازمة للتدريس فيها وإدارتها.
ثانياً: لإعادة النظر في التقييم العام للمؤهلات التي تمنحها مؤسسات التعليم المهني، بحيث يكون لها مردود مادي يحث الطلاب ويشجعهم على اختيارها مسارات لحياتهم العملية.
ثالثاً: لتهيئة سوق العمل لاستقبال خريجي المعاهد الفنية، فتتوفر لهم فرصة العمل حال تخرجهم.
وبالطبع سوف يقع على مؤسسات التعليم العالي، إكمال وإنضاج عملية التنمية السياسية والحضارية، التي بدأت مراحلها الأولى مؤسسات التربية الأخرى في المجتمع: البيت والمدرسة والمؤسستان الثقافية والإعلامية، فيسهم النظام التربوي في مرحلة التعليم العالي في بلورة شخصية الطالب باعتباره مواطناً، ويعده من خلال مختلف أنماط الممارسة العملية، للقيام بدوره كفاعل سياسي في المجتمع، عبر تفعيل آليات الحوار والنقاش، وخوض أشكال المنافسة الديمقراطية.
ومن هذا المنظور التنموي الشامل لا يأتي اعتباطاً ذلك الربط بين “التعليم العالي” و“البحث العلمي“، فإن هذه الوظيفة الأخيرة تقع بكل تأكيد في محور العملية التعليمية في مؤسسة التعليم العالي، فوظيفة الجامعة أو المعهد العالي هي تمرين الطالب على إحسان توظيف قدراته العقلية والمنهجية، التي يكون نظام التعليم في مراحل ما قبل الجامعة قد نماها وطورها، في خوض غمار مجالات البحث العلمي المختلفة في إطار التخصص الذي يختاره لنفسه. وسوف يقع على المؤسسة الجامعية توجيه جهود البحث العلمي بما يخدم مستهدفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع ككل.
بيد أن “البحث العلمي” لا ينحصر في إطار المؤسسة الجامعية فقط، إذ ينبغي أن توجه العناية لجعل إدارة أو قسم أو مركز البحث العلمي جزءاً أصيلاً في مختلف الإدارات الحكومية، وذلك لضمان أن تؤسس مختلف الخطط والبرامج العملية على نتائج البحوث والدراسات التي يتوصل إليها الخبراء والباحثون في المجالات المختلفة، ومن ثم فلا تتحرك دون علم وإحاطة تامة بالمعطيات التي توضع في إطارها تلك الخطط، ومن ثم تكون حركتها مضبوطة وموجهة ومحددة المسارات والغايات.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية