تحقيق: جمال جوهر

التسليم من مطار معيتيقة
وحسب «رامي» فقد أمضى ساعات الرحلة بين مطار إسطنبول ومطار معيتيقة في حوارات مع نفسه، بين الخوف من مصير مجهول قد ينتهي بالقتل، وتحذيرات أسرته التي نهته عن هذه الرحلة، لكنه هوَّن على نفسه بأنه برفقته مئات من السوريين، قائلاً: «اللي يصير عليهم يصير عليَّ».
ويتابع قوله: «في الطائرة كانت الفرصة متاحة لأتحدث مع بقية المقاتلين. كنا نحو 200 عنصر، تعرفت على بعضهم وعلمت أنهم يتبعون فصائل متنوعة من بينها (صقور الشمال) و(العمشات)، و(المعتصم) و(فيلق المجد).
وعند وصولنا إلى مطار معيتيقة وجدنا باصات في انتظارنا عند سلم الطائرة، واستقبلنا أشخاص بملابس مدنيّة. انطلقت بنا الحافلات مسرعة، وبعد نحو 15 دقيقة علمنا أننا في منطقة تسمى عين زارة». وعين زارة (18 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس) إحدى مدن العاصمة الأكثر كثافة سكانية، وكانت من المحاور التي شهدت قتالاً ضارياً بين قوات «بركان الغضب» التابعة لطرابلس، وقوات «الجيش الوطني»، بالإضافة إلى محاور «اليرموك» و«وادي الربيع» و«الخلاطات»، جنوب العاصمة طرابلس.
وكمثل فصيل «السلطان مراد» تسيطر هذه الفرق على مناطق في الشمال السوري وتدين بالولاء الشديد لأنقرة. ويترجم هذا الولاء بمناسبات كثيرة منها على سبيل المثال إقامة عرض عسكري كبير واحتفالات ضخمة يوم فاز الرئيس التركي رجب الطيب إردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يوم 28 مايو (أيار) 2023.
هذا بالتزامن مع فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بعض قادة هذه الفصائل وإدراجها والمتعاملين معها في أغسطس(آب) 2023 على لائحة العقوبات؛ لتورطهما في عمليات فساد وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في مناطق الريف الشمالي والشمالي الغربي لسوريا، وخصوصاً عفرين.
ومنذ يونيو (حزيران) عام 2020، وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تتوقف عمليات استبدال المرتزقة من ليبيا وإليها، حسبما قال رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
ويقدر عبد الرحمن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، عدد المقاتلين السوريين في ليبيا اليوم بنحو ألفي عنصر من الموالين لتركيا، معتقداً أن «شركة (صادات) والمخابرات التركية لا تزالان تنقلان دفعات منهم إلى ليبيا، وتعيد آخرين إلى سوريا».
وفي يناير (كانون الثاني) 2024، قال المرصد إن عناصر المرتزقة السوريين في طرابلس تجاوز 7 آلاف سابقاً، لكن فرّ منهم نحو 3 آلاف وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.
وتظل أعداد هؤلاء المرتزقة سرية لدى الجهات العسكرية الليبية التي جلبتهم، حسب المسؤول العسكري السابق.
وبينما تراوح راتب العنصر منهم بين 1500 دولار في بداية الحرب 2019، و500 دولار اليوم، فإن راتب الجندي التركي (الرسمي) لم يكن يتجاوز حينذاك 150 دولاراً.
«جبهة أبو سليم»
اللقاء الأول بين الليبيين والفوج القادم من سوريا كان مشحوناً بالتعليمات والمحاذير. فبالإضافة إلى التدريب على يد ضباط «صادات»، تلقى هؤلاء تدريباً حول نوعية السلاح، وطبيعة المنطقة الجغرافية التي سيشتبكون فيها مع «العدو»، كما قال «رامي».
وأضاف: «في معسكرنا بعين زارة، تدرَّبنا أسبوعاً على استخدام السلاح، ومهام قتالية محددة. ثم نُقلنا إلى خط الجبهة في منطقة أبو سليم حيث قاتلنا قوات حفتر، وكانت معنا فصائل سورية عديدة، منها (المعتصم) و(الحمزات) و(فيلق المجد)، إلى جانب قوات من طرابلس».
ويطلعنا «رامي» بأسى على كيفية قتل وأَسر كثير من رفاقه في جبهة أبو سليم، ومع ذلك يقول بلهجة المنتصر: «تمكنَّا من تحرير معسكر اليرموك من قوات حفتر، ليصبح مقراً لنحو 1500 من عناصر (السلطان مراد)، لكن سقط منا كثير من المقاتلين أيضاً».
ومنذ توقف المعركة في طرابلس وحتى يوليو (تموز) 2020، قارب عدد القتلى من المرتزقة 500 ، حسب مصادر غير رسمية.
وكانت عملية «بركان الغضب» انطلقت ضد قوات «الجيش الوطني» برئاسة حفتر، وخاضت قتالاً عنيفاً للسيطرة على معسكري «اليرموك» و«حمزة»، الواقعين في محور المشروع، جنوبي طرابلس، وهما الآن أهم معقلين يتمركز فيهما المرتزقة السوريون الموالون لقوات طرابلس.
حركات مناوئة للأنظمة
سهَّل الانفلات الأمني الذي ضرب ليبيا تسرُّب «مجموعات مسلحة» عديدة من جنسيات مختلفة إلى البلاد، بعضها اتخذ من الحدود الجنوبية معقلاً، والآخر تمت الاستعانة به من جبهتي الصراع في ليبيا، مع اندلاع «الحرب على طرابلس».
ويرصد عمر المهدي بشارة، رئيس «حركة الخلاص الوطني» التشادية، جانباً من هذا التدفق، بوصفه كان أحد المتمردين على الحدود التشادية – الليبية طوال 20 عاماً، قبل أن يعود للعمل السياسي.
وهذا ما يفسّر، ولو جزئياً، تدفق مقاتلين تشاديين وسودانيين وأفارقة إلى حلبة الصراع الليبي، وهو ما رصده هذا التحقيق أيضاً.
وعلى مدار السنوات التي تلت وقف الحرب على طرابلس، لم يعلن شيء عن ملف المرتزقة باستثناء عملية ترحيل سابقة لـ300 عنصر يحملون الجنسية السودانية، وهو ما أكد عليه لاحقاً عضو اللجنة التابع لـ«القيادة العامة» الفريق مراجع العمامي، في تصريح صحافي.
وأمام هذا التجاهل، اتهم رئيس اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) عن المنطقة الغربية، اللواء أحمد أبو شحمة، ساسة بلده – في حديث سابق لـ«بوابة الوسط» الليبية – بعرقلة خروج المرتزقة، وقال إن «كل طرف يتمسك بمرتزقته».
إشكالية المقاتلين الأجانب في ليبيا دفعت كبيرة محللي ليبيا بمجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، إلى القول، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من الصعب تحديد المرتزقة في ليبيا؛ لأنه من الضروري التمييز بين القوات الخاصة التي ذهبت مقابل المال الذي تدفعه الفصائل المختلفة، وبين القوات العسكرية الأجنبية الموجودة بها».
لكن بشكل أكثر وضوحاً، يرى أحمد أبو عرقوب، المحلل السياسي الليبي، أن الدول التي أرسلت قواتها و«مرتزقتها» إلى ليبيا حريصة على «استمرار حالة الفراغ السياسي، وتغذية الانقسامات، وليس من مصلحتها قيام دولتنا».
وفي السياق نفسه، هدد خالد الغويل، مستشار «اتحاد القبائل الليبية» للعلاقات الخارجية، بأنه في حال عدم إخراج المرتزقة سلمياً من بلده، فسيتم الاتجاه إلى «العصيان المدني الذي سيتبعه حراك عسكري»، وسيصبح أي مرتزق في الأراضي الليبية «هدفاً مشروعاً».
قواعد على الساحل
تأتي موسكو، إلى جانب أنقرة، في مقدمة الأطراف الخارجية في الأزمة الليبية وقد «طوّرت من وجود قوات تابعة لها في ليبيا بتمدد نفوذها»، إلى ما يعرف بـ«الفيلق الأفريقي».
والحديث عن وجود قوات روسية في ليبيا ليس جديداً، لكن اتجاه موسكو لتعزيز هذا الوجود بعد نقل قوات وعتاد عسكري إلى مناطق في شرق البلاد، وفق تقرير نشرته مجموعة «كل العيون على فاغنر»، زاد منسوب المخاوف والتحذيرات، ليس فقط لدى أميركا، بل أوروبا أيضاً.
بجانب ذلك قَدَّمت دراسة من «المعهد البولندي للشؤون الدولية»، بعنوان «فيلق أفريقيا… نسخة جديدة من الوجود العسكري الروسي»، رؤية لطبيعة التحول في الوجود الروسي في ليبيا ومن ثم أفريقيا برمتها.
وذهبت الدراسة التي نشرها المعهد إلى أن نشاط «فاغنر» في ليبيا تأثّر بعد وفاة مؤسس الشركة يفغيني بريغوجين، بالنظر إلى طبيعة السياسات الروسية الجديدة، فأقدمت موسكو على توقيع اتفاق عسكري مع حفتر في سبتمبر (أيلول) 2023.
لكن الأوروبيين ما زالوا قلقين.
فأمام منتدى نظمه الاتحاد الأوروبي بمدينة سانتاندير الإسبانية، في 25 أغسطس 2024، تحدث ممثل السياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن الوجود الأوروبي في القارة السمراء، فقال: «لقد طُردنا من أفريقيا، واليوم لم يعد هناك أوروبيون في ليبيا، هناك فقط أتراك وروس(…) هذا ليس النظام الذي نحلم به في البحر الأبيض المتوسط».
ويعتقد السفير قرادة أن «وجود (فاغنر) في ليبيا يعدُّ أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وجود أجنبي مسلح آخر، سواء كان هذا الوجود رسميّاً وفق (اتفاق)، أو غير رسمي، خصوصاً إذا كانت قواته مرتزقة». و«فاغنر» كانت بمثابة موطئ قدم لروسيا في ليبيا، انطلقت منه إلى أفريقيا، في إطار صراع بات علنياً بين موسكو وواشنطن.
ويقول قرادة لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود (فاغنر) في ليبيا، بأي صورة كانت، مرتبط بدول كبرى ذات أجندات ومصالح متداخلة، وخصوصاً في المتوسط وأفريقيا، بالنظر إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، والأوضاع في السودان، وبالتالي فإن خروجهم من ليبيا حتماً سيكون له ثمن».
وأفاد موقع «غلوبال سيكيوريتي ريفيو» الأميركي، في 18 أغسطس 2024، بوجود توسع للنفوذ الروسي في ليبيا وأفريقيا. كما سبق لمجلة «منبر الدفاع الأفريقي» الصادرة عن «أفريكوم»، في مارس (آذار) 2023، القول إن «نحو ألفين من (فاغنر) استقروا وسط ليبيا، منذ قرار وقف إطلاق النار، ويواصلون من هناك تدريب الجنود المتمركزين في الشرق، بجانب حراسة حقول النفط في مناطق بجنوب شرقي البلاد».
بل إن مجلة «منبر الدفاع الأفريقي» التي تحدثت، في 12 نوفمبر 2024، عن تسريب أسلحة من ليبيا إلى «جماعات إرهابية» في نيجيريا، زعمت أن الكثير منها صُنع في روسيا وأن عناصر «فاغنر» جلبوها معهم إلى ليبيا.
وتتمركز غالبية عناصر «فاغنر» بمحيط المواقع السيادية الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، وتُكلَّف بتأمين الحقول والمواني النفطية في المنطقة الوسطى المعروفة بـ«الهلال النفطي».
وتحدث شهود عيان ليبيون إلى «الشرق الأوسط» عن نشاط ملحوظ راهن لعناصر «فاغنر» بمحيط سرت (على بعد 450 كيلومتراً من طرابلس في المسافة بينها وبين بنغازي) ويتنقلون ما بين قاعدتي «القرضابية الجوية» ومينائها البحري، و«الجفرة الجوية»، بالإضافة إلى وجود مجموعات منهم في قاعدة «براك الشاطئ الجوية» (700 كيلومتر جنوب طرابلس).
وتقلل موسكو، على لسان سفيرها لدى ليبيا حيدر أغانين، من المخاوف بشأن وجود عناصر «فاغنر»، معتبراً في حوار مع فضائية «ليبيا الأحرار» في 13 مايو 2024 أن «الربط بين (فاغنر) وبلاده محاولاتٌ من دول غربية».
ومُنيت «فاغنر» بخسائر فادحة في الأرواح إثر «قتال عنيف» خلال مواجهات مع الانفصاليين الطوارق شمال مالي في نهايات يوليو 2024. لكن اللافت أن الإذاعة الفرنسية قالت حينها إن «القوات الروسية التي شاركت في هذا القتال تحركت من ليبيا».
يتبع…
_____________
