إسماعيل يوسف

تحول سعودي

قبل سقوط الأسد، كانت السعودية إحدى الدول التي سعت لإعادة التطبيع معه بعد قطيعة، وقطع عدة دول عربية العلاقات مع سوريا، عقب ثورة الربيع العربي 2011، وقمع نظام بشار لها

وقبل إعادة السعودية احتضان نظام الأسد، أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 12 أبريل 2023، إلى أن جهود السعودية بإعادة سوريا إلى محيطها العربي تواجه مقاومة من بعض حلفائها، مثل المغرب والكويت وقطر واليمن.

وأنهم يرفضون حاليا قبول عودة سوريا إلى الجامعة، وهناك جبهة من 5 دولة عربية على رأسها قطر ومصر تقف عائقا أمام المساعي السعودية الرامية لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية (السيسي التقى الأسد لاحقا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، واتصل به في يوليو/ تموز 2024).

مثلما ظهر ارتباك في الموقف المصري، بين موقف رسمي يؤكد ضمنا دعمه النظام الجديد في سوريا، مقابل موقف رافض لإعلاميي وذباب النظام، ظهر الارتباك ذاته في الموقف السعودي.

كان أول بيان للسعودية بعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر، واضحا في دعمه ضمنا للتغيير الذي حدث في سوريا، حيث أكدت أن المملكة تعلن وقوفها إلى جانب الشعب السوري الشقيق وخياراته في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا“.

وزارة الخارجية السعودية قالت في بيان: “آن الأوان لينعم الشعب السوري الشقيق بالحياة الكريمة التي يستحقها، وأن يسهم بجميع مكوناته في رسم مستقبل زاهر يسوده الأمن والاستقرار والرخاء، وأن تعود لمكانتها وموقعها الطبيعي في العالمين العربي والإسلامي“.

وعبرت المملكة عن ارتياحها للخطوات الإيجابية التي تم اتخاذها لتأمين سلامة الشعب السوري، ودعت للحفاظ على وحدة سوريا وتلاحم شعبها، بما يحميها من الانزلاق نحو الفوضى والانقسام، ويصون سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها“.

وحين توغلت إسرائيل في الجولان، صدر بيان سعودي في 10 ديسمبر، يتهم كيان الاحتلال باعتزامها تخريبفرص استعادة سوريا لأمنها واستقرارها.

بيان وزارة الخارجية السعودية قال أيضا إن الاستيلاء على المنطقة العازلة في هضبة الجولان، واستهداف قوات الاحتلال الإسرائيلية للأراضي السورية، يؤكدان استمرار إسرائيل في انتهاك قواعد القانون الدولي“.

بالمقابل، كان واضحا ارتباك صحفيي قناة العربيةوجريدة الشرق الأوسطودوائرهم تجاه ما يحصل في سوريا فيما يكتبونه بحساباتهم الشخصية.

حتى إن قناة العربية، ذراع الدعاية السعودية، بشرت العرب والمسلمين بانتصار إسرائيل وتتويجها سيدة المنطقة، ولم يبق إلا مبايعة بنيامين نتنياهو خليفة، حسبما قال أحمد بن راشد بن سعيد، عبر إكس“.

فانسجاما مع السياسة السعودية في السنوات الأخيرة، كان إعلاميو الرياض خصما دائما لكل ما له علاقة بـالإسلام السياسي، وعلى هذا المنوال استمر بعضهم في توصيف ما يجرى في سوريا بتقدير أن الثوار فصائل إسلامية إرهابية“.

غير أن شخصيات مُهمة في الوسط الصحفي وتحديدا السعودي أخذت منحى آخر يميل إلى دعم ما يجرى وتأييده وإدانة نظام الأسد، خصوصا أن السعودية وفق تسريبات إعلامية رفضت الرد على اتصالات الأسد بعد بدء المعركة.

وتشير تقديرات خبراء سياسيين أن الموقف الرسمي السعودي ربما يكون سعيدا بما جرى في سوريا من زاوية واحدة، هي أن الرياض تراها فرصة لاجتثاث الوجود الإيراني في سوريا، وعودة نفوذها للبنان، بعدما أزاحتها طهران وحزب الله في السنوات الأخيرة.

الإمارات تخسر

أربك انتصار الثورة السورية، بعد 14 عاما من بدء شرارتها، على نظام الأسد، سياسات العديد من حلفاء الأسد، وفي مقدمتهم الإمارات وإيران وروسيا.

فمنذ 2018 لعبت أبو ظبي دورا مهما لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وتكلل ذلك بالنجاح عام 2023، وقالت أبو ظبي إن أهداف سياساتها الخارجية في سوريا هي بناء نفوذ فيها وفي المنطقة العربية لتضييق الخناق على النفوذ الإيراني.

لذا حمل سقوط الأسد تداعيات وتحديات كبيرة لحكام الإمارات، سياسية وأمنية، وعلى مستوى الفرص الاقتصادية، حيث كانت تريد الاستثمار بقوة هناك، لذا جاء موقفها من الثورة يحمل نفس الارتباك المصري والسعودي لكن يحمل ضمنا تعامل مرن مع انتصار الثورة.

وكان لأبو ظبي دور كبير في دعم نظام الأسد، رغم أنها دعمت ضمنا انتفاضة الشعب ضده عام 2011، لكنها سرعان ما طبعت علاقتها مع الأسد عام 2018، وحملت على عاتقها إعادة نظامه للجامعة العربية لأسباب اقتصادية وأخرى سياسية.

وكانت الإمارات الدولة العربية الأولى التي بدأت التطبيع مع النظام الذي قتل أكثر نصف مليون من شعبه وشرد أكثر من 12 مليونا، عام 2018، وضغطت على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن نظام الأسد.

ويشير تقرير لموقع الإمارات 71″ المعارض، في 11 ديسمبر 2024 إلى أن أبو ظبي هدفت من خلال دعم الأسد منذ 2018-2024 إلى عدة أمور سياسية واقتصادية، إضافة لعدائها للقوى الإسلامية، التي كان يحاربها بشار أيضا.

وأكد أن الإمارات كانت ترى أن الأسد قد نجا من الربيع العربي، وهُزمت الثورة السورية التي يقود معظم فصائلها ما تعرفهم بـالإسلام السياسي، الذين شنت عليهم حربا ضروسا في معظم أنحاء العالم العربي، وهذا مكسب لها.

لذا نظرت لنظام الأسد بصفته حصنا ضد الجماعات الإسلامية التي تهيمن على المعارضة المسلحة في سوريا“.

وكان جانبا من دعمها نظام الأسد، تعزيز نفوذها الإقليمي، ودورها كقوة مؤثرة في المنطقة، من خلال بناء علاقات قوية مع دمشق ذات الثقل الكبير في المنطقة، فأخرجت نظام الأسد من العزلة، رغم علمها بجرائمه ضد شعبه.

أيضا دعمت الإمارات الأسد من أجل فرص اقتصادية، والاستفادة من السوق السوري المدمر بعد الحرب، بما في ذلك الاستثمار والبنية التحتية.

وهناك سبب آخر لدعم الإمارات للأسد، هو دعمها لإسرائيل، بالضغط على دمشق لتبقى بعيدة عن الصراع مع تل أبيب.

وعقب سقوط الأسد، الذي كانت تدعمه أبو ظبي وتفضل بقاءه، اتخذت موقفا حذرا من ثورة سوريا، وركزت في بياناتها الرسمية على دعوات الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، والدعوة لحل سياسي“. 

وأصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانا غامضا في 9 ديسمبر 2024، على غرار البيان المصري، أنها تتابع باهتمام شديد تطورات الأحداث الجارية في سوريا وتؤكد حرصها على وحدة وسلامة سوريا وضمان الأمن والاستقرار للشعب السوري الشقيق، حسبما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية.

ودعت الأطراف السورية كافة إلى تغليب الحكمة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا، للخروج منها بما يلبي طموحات وتطلعات السوريين بأطيافهم كافة“.

وشددت على ضرورة حماية الدولة الوطنية السورية بمؤسساتها كافة، وعدم الانزلاق نحو الفوضى وعدم الاستقرار“.

ويشير تقرير الإمارات 71″ إلى أن فقدان الإمارات لسوريا بقيادة الأسد، يعني استمرار خسائر سياسة أبو ظبي في سبيل التأثير في سياسات الشرق الأوسط، خاصة إذا ظهرت قوى جديدة قد تتعارض مع مصالحها.

حيث فشلت سياستها خلال العقد والنصف الماضيين، ولم يتمكن حلفاؤها المحليون في السودان واليمن وليبيا والصومال من تحقيق أهدافها، وتسبب ذلك بعداوة الأنظمة الجديدة هناك لها، كما أن دعمها لإثيوبيا، أسهم في توتر جدي للعلاقات مع الحكم العسكري في مصر

ويبدو أن الموقف الإماراتي لا يزال أسير العداء للإسلاميين، والإخوان خصوصا، ومن ثم فمن المرجح أن يتحرك مستقبلا ضد ثوار سوريا.

وأعرب المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، عن القلقبشأن الانتماءات الإسلامية للفصائل السورية المسلحة التي أسقطت الأسد وتولت السلطة في دمشق وعلى رأسها هيئة تحرير الشام.

وخلال كلمة في مؤتمر السياسات العالميةبأبو ظبي في 14 ديسمبر، قال قرقاش: “نسمع تصريحات معقولة وعقلانية حول الوحدة، وعدم فرض نظام على جميع السوريين، لكن من ناحية أخرى، أعتقد أن طبيعة القوى الجديدة، ارتباطها بالإخوان، وارتباطها بالقاعدة، كلها مؤشرات مقلقة للغاية“.

________________

مواد ذات علاقة