ياسمينة أبو الزهور و طارق محمد يوسف

النقاط الرئيسية

الثقة في القوات المسلّحة عالية بشكل مدهش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: 

على الرغم من تورّط المؤسسة العسكرية في الانقلابات والصراعات والتدخّلات السياسية والتجاوزات الاقتصادية في المنطقة، إلّا أنّ المواطنين الذين شملهم الاستطلاع بغالبيتهم أعربوا عن ثقتهم العالية في الجيش أكثر منها بكثير في المؤسسات الوطنية الأخرى.

الثقة في القوات المسلّحة تعكس خيبة الأمل في السياسة والحاجة إلى الاستقرار:

يعكس تصنيف القوات المسلّحة في مرتبة عالية، بالإضافة إلى غياب الثقة الشعبية في البرلمانات والحكومات، إلى نوعٍ من الإجهاد تجاه إشكالية الحوكمة. وفي الوقت نفسه، تشير الثقة الكبيرة في الجيوش في صفوف أولئك الذين يشعرون بالأمان إلى اعتبار المؤسّسة العسكرية على أنّها قوة ضامنة للاستقرار.

السلامة والأيديولوجيا والعوامل الاقتصادية تفسّر ثقة الشعوب في القوات المسلّحة:

إلى جانب السلامة الشخصية، تؤدّي الأيديولوجيا دوراً مهماً، حيث يُظهر المحافظون مستويات عالية من الثقة فيما يُظهر الإسلاميون مستويات أقل. بالإضافة إلى ذلك، تنعكس الثقة في المؤسسات السياسية والانتماء إلى الطبقات الإجتماعية الدنيا إيجابياً على الثقة في الجيش، على الرغم من اختلاف ذلك مع اختلاف نوع النظام.

القوات المسلّحة تحظى بثقة أنصار الديمقراطية:

تشير هذه النتيجة المفاجئة في البلدان التي يقودها المدنيون إلى أنّ الكثيرين لا يرَون تعارضاً بين الثقة في الجيش ودعم الديمقراطية. ويتّسق ذلك مع الدعم المتزايد لسلطة تنفيذية قوية في صفوف مواطني المنطقة في وجه تدهور الأداء الحكومي والنتائج الاجتماعية والاقتصادية.

المقدّمة

تشهد المؤسسة العسكرية نهضةً حول العالم في الوقت الذي تزداد فيه ثقة المواطنين في القوات المسلّحة – حتى في المناطق التي شهدت تاريخاً من التدخّل العسكري أو الهيمنة العسكرية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتمتّع النخب العسكرية بقدر كبير من السلطة السياسية والاقتصادية، أظهرت استطلاعات للرأي بين العامين 2021 و2022 أنّ نحو 70 في المئة من المواطنين الذين شاركوا فيها لديهم ثقة كبيرة في القوات المسلّحة. وتتجاوز هذه النسبة مستويات الثقة في المسؤولين المنتخَبين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

لقد أثبتت الأحداث مجدداً مركزيّة القوات المسلّحة في السياسة واستقرار الأنظمة في أعقاب الانتفاضات العربية والتطورات اللاحقة. في الواقع، حدّد دعم الجيش للمرحلة الانتقالية أو الوضع الراهن معالمَ مسار الأحداث في الكثير من البلدان.

ففي تونس مثلاً، أدّى قرار قيادة الجيش بعدم دعم الرئيس زين العابدين بن علي إلى الإطاحة به. وفي الوقت نفسه، سهّل التزامها بالسلطة المدنية بعد العام 2011 لعملية انتقالية سلسة نسبياً.

أمّا في سوريا، فقد ساهم ولاء الجيش السوري لنظام الرئيس بشار الأسد سبباً في إشعال حرب أهلية وحشية استمرّت لأكثر من عقد من الزمن وأسفرت عن دمار شامل وأزمات إنسانية.

ونتيجة لذلك، أصبحت جيوش منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب مناقشات السياسات والتغطية الإعلامية. وقد تمحور هذا الخطاب بصورة أساسية حول دور النخب العسكرية في السياسة، في حين أولِي القليل من الاهتمام للشعوب وللثقة العالية المتناقضة التي تضعها في هذه المؤسسة مبهمة المعالم.

يقدّم موجز القضية هذا تحليلاً لبيانات استطلاعات الرأي للتعمّق في العلاقات بين المؤسّسة العسكرية والمجتمع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويبدأ بدراسة دور الجيش في العصر الحديث، مع التركيز على أنماط التدخّل السياسي والاقتصادي. ثم يستكشف البيانات المتعلّقة بالثقة في القوات المسلّحة في تسعة بلدان في المنطقة، ويحدّد الخصائص التي تجعل المواطنين يثقون فيها أكثر أو أقل. وبناءً على هذه النتائج، يقدّم الموجز وجهات نظر حول الديناميات الأوسع للحوكمة والاستقرار والمشاعر العامة في المنطقة.

لماذا تُعتبَر الثقة في الجيش أمراً مفاجئاً؟

من المفاجئ أن تكون الثقة في الجيش عالية، لا سيّما وأنّ تاريخ الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مليئ بالانقلابات على الحكومات، وعرقلة التحوّلات، وقمع المواطنين، والانتهاكات الاقتصادية. لقد شوّهت الممارسات القمعية المظلمة سمعة الجيش في المنطقة حيث نُشر الجنود بشكل متكرّر لقمع الاحتجاجات الشعبية. على سبيل المثال، في خلال انتفاضات العام 2011 والحرب الأهلية اللاحقة في سوريا، ارتكبت القوات العسكرية انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون والتعذيب.

وفي السودان، وبعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في العام 2019، نُشر عناصر الجيش لتفريق المتظاهرين المؤيّدين للديمقراطية، ما أسفر عن أعمال عنف ووقوع إصابات وضحايا.

أمّا في العراق، فقد قام الجنود بقمع المتظاهرين بوحشية في خلال انتفاضة الشيعة والانتفاضة الكردية في العام 1991، ما أدّى إلى سقوط ضحايا ونزوح على نطاق واسع.

المواطنون ليسوا وحدهم عرضة للخطر، بل الحكومات على حدّ سواء. فقد قامت فصائل عسكرية في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بانقلاب واحد على الأقل منذ العام 1945 .

وقد أدّت هذه الأحداث إلى زعزعة استقرار الحكومات وقوّضت الجهود الرامية إلى إقامة أنظمة حكم ديمقراطية في المنطقة. حدث عدد من الانقلابات بعد وقت قصير من حصول الدول على استقلالها، ما أدّى إلى إنشاء أنظمة عسكرية حكمت لعقود. وتشمل الأمثلة البارزة على ذلك الإطاحة بالنظام الملكي المصري في العام 1952 على يد حركة الضباط الأحرار، وانقلاب العام 1963 الذي قام به حزب البعث في سوريا، وثورة الفاتح في العام 1969 التي قادها معمر القذافي في ليبيا.

وأطاحت انقلابات أخرى بالحكم الديمقراطي، كما حدث في السودان في العامين 1969 و 1989، وأوقفت هذه الأحداث التقدّم الديمقراطي وأطالت السلطوية وخلق اضطرابات في جميع أنحاء البلاد لا تزال مستمرّة حتى يومنا هذا. حتى الانقلابات الفاشلة في المنطقة كان لها تداعيات كبيرة.

على سبيل المثال، أدّى انقلابان فاشلان في المغرب في أوائل السبعينيات إلى العقود الأكثر قمعاً في حكم الملك الحسن الثاني، فيما تسبّبت محاولات إنقلاب متعدّدة ضد القذافي في العام 1975 إلى تبنّي إستراتيجية تهميش الجيش استمرّت لعقود.

وكثيراً ما تدخّل قادة عسكريون في السياسة من خلال عرقلة العمليات السياسية ودعم الأنظمة المتنازع عليها. ففي السودان، عرقل القادة العسكريون عملية الانتقال السياسي في العام 2021، ما أدّى إلى حرب أهلية وصراع مسلّح مستمرّ. وعلى نحو مماثل، أوقفت قيادة الجيش الجزائري ثورة استمرّت لسنوات في العام 2019 ودعمت رئاسة عبد المجيد تبون.

وقبل عقود من ذلك، ألغى الجيش الانتخابات الحرّة التي كان من المقرّر أن تودي بحزب إسلامي إلى السلطة، ما تسبّب بحرب أهلية استمرّت لعقد من الزمن. وفي مصر، استلم القادة العسكريون السلطة في العام 2013 بعد الإطاحة بأوّل رئيس منتخَب ديمقراطياً، وما زالوا في السلطة حتى اليوم.

***

ياسمينة أبو الزهور هي زميلة غير مقيمة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية وزميلة ومحاضرة في جامعة برينستون. وكانت قبل ذلك زميلة بحوث ما بعد الدكتوراه في مبادرة الشرق الأوسط بجامعة هارفارد.

طارق محمد يوسف هو زميل أوّل ومدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وكان قبل ذلك زميلاً أولاً ومدير مركز بروكنجز الدوحة وأيضاً زميلاً غير مقيم في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكنجز في العاصمة الأمريكية واشنطن. وهو أيضاً زميل بحوث في منتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة.

_______________

مواد ذات علاقة