بلال عبد الله

2. تضارُب المسارات:

تزايدت المؤشرات خلال الفترة الماضية على اتجاه المشهد الليبي نحو مزيد من التضارب والتعقيد على أكثر من مستوى؛ فمن ناحية أولى، أعيدت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا إلى العمل مرة أخرى، وهو ما يعني فتح الباب أمام الطعن في دستورية العديد من القوانين والقرارات الصادرة عن الأطراف الرسمية في كل معسكر.

ومن ناحية ثانية، ثمة تنازع على المحكمة العليا بين الأعضاء الحاليين برئاسة محمد الحافي، والذين يعملون من طرابلس، وبين رئيس مجلس النواب الذي قام بتعيين أعضاء جدد للمحكمة، بموجب تعديل أجراه البرلمان على قانون المحكمة العليا.

على مستوى آخر، صرّح رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عماد السائح، بأن القوة القاهرة التي منعت حدوث الانتخابات سابقاً قد انتهت، وأن تأخر تسليم القوانين كان العامل الأول في هذه القوة القاهرة. ويأتي هذا التصريح، الصادر خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر، ليزيد من حالة الغموض بشأن مسار الانتخابات، حيث لم يجرِ توضيح ملابسات زوال القوة القاهرة، وليس هناك ما يشير إلى حدوث مستجدات بشأن القوانين الانتخابية، التي هي مثار خلافات بين الفرقاء الليبيين، ومن المرجح أن يجري الطعن بشأنها أمام الدائرة الدستورية في المحكمة العليا.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى الترويج المتكرر، عبر منابر إعلامية، لوجود مفاوضات حول إمكانية تشكيل حكومة ثالثة تمثِّل مخرجاً للصراع الحكومي الراهن بين الدبيبة وباشاغا؛

وعلى الرغم من نفي عقيلة صالح قبوله، خلال زيارته لتركيا مطلع أغسطس، بتشكيل حكومة ثالثة بوصفها مخرجاً للحل، إلا أن بيان مجلس الأمن الصادر في الأول من سبتمبر أعاد هذا المقترح إلى الواجهة، حين شدد على ضرورة إجراء حوار وطني وعملية مصالحة تفضي إلى تشكيل حكومة يمكنها العمل في جميع أنحاء ليبيا وتمثيل مختلف الأطراف.

تزيد الأدوار الخارجية من حالة الغموض الخاصة بمستقبل عملية التسوية في ليبيا، حيث لا تسفر أغلب الزيارات التي يجريها المسؤولين الليبيين إلى الخارج إلا عن بيانات فضفاضة ومكررة بشأن الانتخابات كمخرج وحيد للأزمة، من دون الكشف عن أية تفاصيل أو مستجدات بشأن مستقبل الحل السياسي للأزمة الليبية

3. الأدوار الخارجية: 

تزيد الأدوار الخارجية من حالة الغموض الخاصة بمستقبل عملية التسوية، حيث لا تسفر أغلب الزيارات التي يجريها المسؤولين الليبيين إلى الخارج إلا عن بيانات فضفاضة ومكررة بشأن الانتخابات كمخرج وحيد للأزمة، من دون الكشف عن أية تفاصيل أو مستجدات بشأن مستقبل عملية التسوية.

ولم يبتعد اجتماع برلين المنعقد يومي 8-9 سبتمبر عن ذات المخرجات المُشدِّدة على أهمية الانتخابات. ويثير هذا التمسك بالانتخابات التساؤل حول أولوية أجندة التسوية على المدى القصير، في ضوء ما نص عليه بيان مجلس الامن المشار إليه من ضرورة تشكيل حكومة تمثل الجميع.

وثمة مستوى آخر من الغموض بشأن الأدوار الاقليمية في عملية التسوية؛ فبالنسبة للدور التركي، وعلى الرغم من إقناع باشاغا بإعلان التراجع عن المسار العسكري لحسم الصراع الحكومي، إلا أن ذلك لم يُثنِ الأخير عن استمرار تمسُّكه باستمرار عمل الحكومة التابعة له، ما يعني عدم وجود بادرة للاتفاق على حل نهائي للأزمة.

على مستوى آخر، أتى موقف وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال اجتماعات الجامعة العربية ليمثل محطة تصادمية مع حكومة الدبيبة، بشكل يزيد من صعوبة اضطلاع مصر بدور فاعل في حلحلة الأزمة الراهنة في شقِّها الحكومي، والاكتفاء باستئناف رعايتها للمسار الدستوري بين مجلسيّ النواب والدولة.

وفي مقابل الموقف المصري الحاد إزاء الدبيبة، يستمر الموقف الجزائري المتمسك بدعم حكومة طرابلس؛ وأخيراً، هناك العودة المفاجئة للدور القطري إلى الشأن الليبي، من خلال استضافة كل من الدبيبة وصالح بشكل متتابع خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر، وهو الدور الذي لم تتضح أبعاده حتى الآن.

السيناريوهات

تتوقف المآلات المستقبلية للأزمة الليبية الراهنة على التفاعل بين المتغيرات الآتية:

(أ) رؤية المبعوث الأممي لعملية التسوية وأجندة العمل التي سيكشف عنها؛

(ب) إمكانية تأمين مصالح الأطراف الخارجية بشكل مؤسسي؛

(ج) لجوء الأطراف المُستبعَدة إلى الاستثمار في الغضب الشعبي.

وفي ضوء ذلك، يمكن رسم أبرز السيناريوهات المحتملة لمسارات الأزمة الليبية على النحو الآتي:

السيناريو الأول: رأب الصَّدع عبر حكومة موحدة

يفترض هذا السيناريو إمكانية تجاوز الانقسامات الراهنة عبر العمل على تسمية شخصية توافقية لرئاسة حكومة جديدة. وفي ضوء خبرة السنوات الماضية، فإن الاتجاه نحو تشكيل حكومة مدعومة من المجتمع الدولي يحدث من خلال تنصيب قيادة سياسية من الصف الثاني أو الثالث، من غير الأطراف المتصارعة بشكل مباشر على السلطة.

وعلى الرغم من أن سيناريو تعديل حكومة الدبيبة، باتجاه إدخال عناصر موالية لخصومه ضمن التشكيل الحكومي يُمثِّل حلاً وسطاً، إلا أن الاستحكام الزائد للأزمة خلال الشهور الماضية رسّخ من الطابع الشخصي بشأن رفض خصوم الدبيبة وجوده على رأس السلطة.

ويتوقف تحقق هذا السيناريو على استمرار الخلافات بين الأطراف الخارجية حول الوضع النهائي للتسوية، ومن ثم صعوبة التوافق على إجراء الانتخابات، بشكل يجعل تحقيق الاستقرار على المدى القصير هو الأولوية.

وسوف يكون للمبعوث الأممي الجديد دور كبير في الدفع نحو تحقيق هذا السيناريو، لاسيما في حال استعصاء حسم المسألة الدستورية

السيناريو الثاني: استمرار الانقسامات الراهنة

يعكس السيناريو إمكانية استمرار حالة الانقسام القائمة، مع سيادة ضعف التحالفات بالنسبة لجميع الأطراف، سواء تلك التي تتقاسم السيطرة السياسية والعسكرية أو بالنسبة للأطراف المهمشة، وعدم قدرة أي طرف على توسيع قاعدة تحالفاته المحلية، مما يصعّب من عملية تغيير التوازنات بالقوة أو اجتراح حل جديد بشكل سلمي

وتتعزز فرص حدوث السيناريو مع إدراك مختلف الأطراف الليبية صعوبة تحقيق مكاسب تفوق المكاسب التي يحصلون عليها بفعل موقعهم الحالي في الصراع. والمستفيد المباشر من هذا الوضع هي الأطراف الرسمية المسيطرة شرق وغرب البلاد، وليست الأطراف المستبعدة مثل باشاغا والميليشيات الموالية له.

ويدعم حدوث هذا السيناريو استمرار الخلافات بين الأطراف الاقليمية من جهة، واستقرار عملية إنتاج وتصدير النفط، التي تعد الأولوية الكبرى بالنسبة للولايات المتحدة في ليبيا خلال الفترة الراهنة، من جهة أخرى.

مع أن سيناريو تعديل حكومة الدبيبة، باتجاه إدخال عناصر موالية لخصومه ضمن التشكيل الحكومي يُمثِّل حلاً وسطاً للأزمة الليبية، إلا أن الاستحكام الزائد للأزمة خلال الشهور الماضية رسّخ من الطابع الشخصي بشأن رفض خصوم الدبيبة وجوده على رأس السلطة

السيناريو الثالث: تغيير الخريطة السياسية جذرياً عبر الانتخابات

وهو السيناريو المثالي الذي يمكن من خلاله الخلاص من أغلب الطبقة السياسية المتصدرة للمشهد، وإعادة الاعتبار إلى الإرادة الشعبية، وضمان استمرار إدارة الصراع السياسي عبر أدوات سلمية.

ويُشترط لحدوث هذا السيناريو تأمين مصالح مختلف الأطراف الخارجية الأكثر تأثيراً عبر ضمانات مؤسسية تتجاوز المناصب المنتخبة، لاسيما المؤسسات النفطية والمصرفية والعسكرية، حيث يتم تقاسُم المناصب العليا في هذه المؤسسات بشكل متوازن.

وتمثل تجربة التفاوض بين حفتر والدبيبة في أبوظبي حول تغيير قيادة المؤسسة الوطنية للنفط نموذجاً ناجحاً على هذا النمط، الذي مثّل نقطة تلاقي لمصالح كل من واشنطن وموسكو في الملف النفطي بأبعاده الاقتصادية والأمنية

وفي حالة وجود دعم دولي لهذا السيناريو، من المتوقع أن يتم الدفع باتجاهه عبر تحريك الشارع الليبي ضد الطبقة السياسية الحالية، من خلال مظاهر احتجاجية شتى، كالتي شهدتها البلاد منتصف هذا العام وتضمنت وقفات احتجاجية ومظاهرات وعمليات تخريب في كل من طبرق وطرابلس وبنغازي.

وقد تكون الأطراف المستبعدة من العملية السياسية حالياً من بين الأطراف الضالعة في تغذية الغضب الشعبي والاستثمار فيه.

السيناريو الرابع: عودة الاصطفافات بغرض الحرب

في هذا السيناريو سيتم إعادة اصطفاف بعض الأطراف المتباعدة حالياً بغرض حسم الصراع بأدوات عسكرية. وقد يأخذ الاصطفاف الجديد شكل تقارب قوات حفتر مع باشاغا والميليشيات الموالية في مواجهة حكومة الدبيبة؛ أو يحدث تقارب بين حفتر والمدن الموالية لتيار القذافي جنوب طرابلس، على غرار ما حدث خلال حرب طرابلس 2019 – 2020 برعاية روسية، وفي هذه الحالة قد يلتزم باشاغا والقوات الموالية له الحياد بغرض تحقيق مكاسب مستقبلية، من دون تحمُّل أي تكاليف سياسية أو عسكرية جرّاء الحرب.

ولا يمكن الدفع بهذا الاتجاه من دون وجود ضوء أخضر دولي، على خلفية مجريات المواجهة الدولية بين روسيا والدول الغربية، وتحوّل ليبيا إلى ساحة لهذه المواجهات. وقد تكون الشرارة المحتملة لهذا السيناريو اتجاه حفتر والمؤسسة الوطنية للنفط إلى إحداث إغلاقات نفطية؛ أو قيام الدبيبة والمصرف المركزي بتضييق الخناق المالي على المنطقة الشرقية

***
بلال عبد الله ـ باحث غير مُقيم، متخصص في الشأن الليبي. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة حلوان، ودبلوم الدراسات الأفريقية من كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، يُعد حالياً رسالة الماجستير في نفس الكليَّة تحت عنوان القبلية ومستقبل الدولة في ليبيا بعد 2011″. ومن دراساته المنشورة عن ليبيا الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية؛ والربيع الأمازيغي في ليبيا: بين مكتسبات الثورة وتحدي الانقسام؛

 ____________

مواد ذات علاقة