بقلم د. الحسين الشيخ العلوي

يناقش التقرير مآلات الأوضاع الليبية في حالة غياب خليفة حفتر موتًا أو عجزًا؛ إذ قد تتفجر الخلافات في الشرق الليبي، ويُمثِّل ذلك فرصة للتنظيمات الجهادية للعودة من جديد في ظل حالة الفوضى التي قد تنجم عن غيابه؛ مما سينسف الجهود الأممية في سبيل إيجاد تسوية سياسية توافقية.

الجزء الأول

المقدمة

أكدت جريدة لوموند الفرنسية أن المشير خليفة حفتر، الرجل القوي الذي يسيطر على معظم شرق ليبيا، في غيبوبة بمستشفى في باريس بعد إصابته بجلطة في الدماغ.

وكان الجنرال البالغ من العمر 74 عامًا قد انهار ضُحى يوم الخميس 5 أبريل/ نيسان 2018، فأُصيب بجلطة دماغية، أفقدته الوعي، نُقل على إثرها جوًّا من مطار بنينة في بنغازي إلى العاصمة الأردنية؛ حيث قضى بها عدة ساعات، ثم نقل في طائرة مجهزة إلى باريس؛ حيث أُدخل قسم الطوارئ بمستشفى كلامارت بيرسي، بضواحي باريس، وسط تكتم بالغ وإجراءات أمنية مشددة.

ظل هذا الأمر طي الكتمان، طيلة خمسة أيام، حتى أوردت قناة ليبيا الأحرار، المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي بليبيا، خبرًا مقتضبًا يوم الثلاثاء 10 أبريل/نيسان 2018، مفاده إصابة خليفة حفتر بجلطة نُقل على إثرها إلى الأردن لتلقي العلاج؛

لتبدأ موجة من الشائعات والشائعات المضادة في صفوف المناوئين والمؤيدين للمشير خليفة حفتر في ليبيا، والتي ظلت طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء وقفًا على الليبيين، حتى أوردت صحيفة لوموند الفرنسية ظهر الأربعاء 11 أبريل/نيسان 2018، تقريرًا حول تلقي المشير للعلاج في أحد مستشفيات باريس. وتضاربت الأنباء حول صحة مرض المشير خليفة حفتر، في وسائل الإعلام الليبية والعربية والأجنبية. 

عملت الدائرة المقربة من المشير خليفة حفتر على اتباع استراتيجية النفي والنكران، واتهام جماعة الإخوان المسلمين بتلفيق الشائعات والأكاذيب حول صحة المشير للفتِّ في عضد الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير في شرق البلاد.

وفي هذا السياق، كتب العميد أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي، تغريدةً في صفحته على تويتر، مساء الثلاثاء 10 أبريل/نيسان 2018، قائلًا: “لا صحة للأخبار المتداولة حول الوضع الصحي لسيادة القائد العام المشير أركان حرب، خليفة بلقاسم حفتر، وهو بحالة صحية ممتازة ويتابع في عمل القيادة العامة وغرف العمليات والمناطق العسكرية وخاصة المستجدات في غرفة عمليات عمر المختار“.

وظل المقربون من المشير على موقفهم هذا، إلى أن قامت قناة 218 نيوز الليبية، المقربة من الجيش الوطني الليبي، بالكشف، يوم الخميس 12 أبريل/نيسان 2018، عن اسم المستشفى الذي يوجد فيه المشير لتلقي العلاج، من قبل مراسل القناة في باريس.

من هنا، تحول الموقف من الإنكار إلى الحديث عن تماثل المشير خليفة حفتر للشفاء وأنه في غضون أيام قليلة سيعود إلى بنغازي، حيث تُعِدُّ له الجماهير الليبية في الشرق، احتفالات حاشدة بعودته.

في الطرف الآخر انتشرت الشائعات في صفحات المناوئين للمشير خليفة حفتر التي أسهبت في وصف تدهور صحته وبشكل متسارع وأعلنت وفاته عدة مرات بدءًا من يوم 10 أبريل/نيسان 2108 وإلى غاية كتابة هذا التقرير.

ولعل أكثر الشائعات صخبًا، تلك الوثيقة المزورة التي تم تداولها على نطاق واسع في صفحات التواصل الاجتماعي الليبية والتي تحمل ختم مجلس النواب بطبرق، وتنص على تكليف رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، للحاكم العسكري، الفريق عبد الرزاق الناظوري، بتسيير مهام القائد العام للقوات المسلحة بشرق ليبيا خلفًا للمشير، خليفة حفتر.

وسارع مجلس النواب بطبرق على لسان الناطق الرسمي باسمه، عبد الله بليحق، بعد ساعات على نشر الوثيقة إلى تكذيب الخبر في بيان وُزِّع على وكالات الأنباء . وبالتوالي، قام المستشار عقيلة صالح، بالإدلاء بتصريح مطول، أكد فيه أنه يتواصل باستمرار مع المشير وأنه يُطمئن الشعب الليبي أن المؤسسة العسكرية ستظل صمام الأمان، وحذَّر من الشائعات والفتن. 

محطات في حياة خليفة حفتر

  • وُلِد خليفة بلقاسم حفتر في مدينة إجدابيا (الشرق الليبي) عام 1943، ودرس بها الابتدائية والإعدادية، ثم انتقل إلى ثانوية درنة في الأعوام 1961-1964، والتحق بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي في منتصف سبتمبر/أيلول 1964.

وتخرج عام 1966 كملازم ثان بسلاح المدفعية بالمرج، وبعد سنتين تم استقطابه في الخلايا العسكرية السرية التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1969 بقيادة معمر القذافي.

  • في مطلع السبعينات، تلقى العديد من الدورات العسكرية، كان معظمها في روسيا.

  • عُيِّن قائدًا للجيش الليبي في الحرب الليبيةالتشادية العام 1980، التي حقق فيها الجيش الليبي انتصارات كاسحة في السنوات الأولى نظرًا لفارق التسليح، إلا أن التدخل الفرنسي لصالح الرئيس التشادي آنذاك، حسين حبري، أفضى إلى هزيمة مذلة للقوات الليبية في سلسلة من المعارك الفاصلة بدأت بمعركة فادا في الثامن من يناير/كانون الثاني 1987، وانتهاءً بمعركة بردي بمحيط أوزو في 21 أغسطس/آب 1987.

تم في هذه المعارك قتل آلاف الجنود الليبيين وأسر المئات، أشرس هذه المعارك ما تم في معركة وادي الدوم 22 مارس/آذار 1987، التي قُتل فيها 1269 جنديًّا ليبيًّا، وتم أسر 438 جنديًّا وضابطًا ليبيًّا كان من ضمنهم العقيد خليفة حفتر.

  • في الأسر، انشق خليفة حفتر أواخر العام 1987 ومجموعة من الضباط وضباط صف والجنود والمجندين على القذافي وانخرطوا في صفوف الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (أبرز الفصائل المعارضة لنظام القذافي).

  • في 21 يونيو/حزيران 1988، شكَّل حفتر الجيش الوطني الليبي كذراع عسكرية لجبهة الإنقاذ.

  • مع وصول الرئيس إدريس دبي لسدة الحكم، تم ترحيل حفتر والمعارضة الليبية بتشاد إلى الولايات المتحدة التي مكث بها 20 عامًا.

  • مع اندلاع أحداث فبراير/شباط 2011 في ليبيا، رجع إلى المنطقة الشرقية في ليبيا.

  • أطلق عملية الكرامة في منتصف مايو/أيار 2014 بمدينة بنغازي شرق ليبيا، تلك العملية التي عملت على إخراج التنظيمات الجهادية المتطرفة بعد ثلاث سنوات من المقارعة، بعد أن أحكمت تلك التنظيمات سيطرتها على بنغازي وأجزاء كثيرة من الشرق منذ أواخر العام 2011.

  • تعيين مجلس النواب الليبي في طبرق، في سنة 2015، خليفة حفتر في منصب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، في حين يحتفظ رئيس المجلس النيابي، المستشار عقيلة صالح، بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة. 

مآلات الأوضاع الليبية في حالة غياب حفتر موتًا أو عجزًا 

ينحدر خليفة حفتر من قبيلة الفرجان، إحدى القبائل الليبية الكبيرة التي تنتشر في معظم مناطق ليبيا ويتركز غالبية أفرادها تاريخيًّا في مدن أربع، هي: ترهونة (88 كم إلى الجنوب الشرقي من طرابلس)، وسرت، وإجدابيا (155 كم جنوب بنغازي)، ومدينة بنغازي 

خليفة حفتر شخصية جدلية بامتياز، حيث لا يحظى بإجماع داخل ليبيا، فمؤيدوه يبالغون في الرفع من شأنه (عقلية الزعيم المخلِّص)، في حين يبالغ خصومه في شيطنته حدَّ اتهامه بالعمالة الصريحة للاستخبارات الأجنبية.

إلا أنه من الواضح أن الرجل الباحث عن فرصة وسط المشهد الليبي طيلة السنوات 2011–2014، والتي تم فيها تجاهله من جميع الفاعلين والمتصدرين للمشهد الليبي، استطاع في بحر ثلاث سنوات أن يغدو رقمًا صعبًا في المعادلة الليبية وأن يصبح رجل ليبيا القوي الذي لا يمكن تجاهله.

لقد أحكم حفتر سيطرته على الشرق الليبي الذي يحظى فيه بشعبية كاسحة، رغم أنها بدأت تتآكل مع مطلع العام 2018 جرَّاء صراع الأجنحة داخل معسكره فضلًا عن عمليات الفساد التي انخرط فيها أبناؤه والمقربون منه 

وبغضِّ النظر عن السجال الدائر حاليًّا حول صحة المشير خليفة حفتر بين شريحة كبيرة من الليبيين سواء المؤيدون أو المناوئون له، فقد بات شبه مؤكد أنه مريض، وأن وضعه الصحي لا يزال حرجًا رغم أنه تجاوز مرحلة الخطر.

فقد تواصل معه عبر الهاتف خلال اليومين الأخيرين عدة شخصيات في ليبيا من معسكره ومن خارجه، أبرزهم الاتصال الذي أجراه المبعوث الأممي، غسان سلامة، مع المشير حفتر في مشفاه في باريس والذي أوردته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في تغريدة على صفحتها على تويتر.

وبناءً على الوضع الصحي الحالي لحفتر، فإنه من المستبعد أن يواصل مهامه لأشهر بل ربما لسنوات قادمة، هذا إذا وضعنا في الحسبان أنه يبلغ من العمر 75 عامًا، وأنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لوعكة صحية تقعده، حيث يقول مقربون منه إنه مرَّ بثلاث وعكات صحية خلال العامين الماضيين، وإن معظم زياراته الدورية للأردن هي لإجراء الفحوصات الطبية والاطمئنان على صحته، فإنه حتى في حالة تعافيه هذه المرة، فإن قيادته لقوات الكرامة لن تكون بذات الكفاءة كما كانت قبل مرضه.

البقية في الجزء الثاني

***

الحسين الشيخ العلويباحث وأكاديمي موريتاني

_____________

مواد ذات علاقة