بقلم د. الحسين الشيخ العلوي

يناقش التقرير مآلات الأوضاع الليبية في حالة غياب خليفة حفتر موتًا أو عجزًا؛ إذ قد تتفجر الخلافات في الشرق الليبي، ويُمثِّل ذلك فرصة للتنظيمات الجهادية للعودة من جديد في ظل حالة الفوضى التي قد تنجم عن غيابه؛ مما سينسف الجهود الأممية في سبيل إيجاد تسوية سياسية توافقية.

الجزء الثاني

المآلات الأكثر ترجيحا في المستقبل القريب

وفقًا للمؤشرات فإننا نرى أن المآلات الأكثر ترجيحًا في قادم الأيام في ليبيا، هي:

1. إحداث تغييرات جذرية في صفوف قوات الكرامة: في حالة تعافي المشير حفتر وعودته المرتقبة في غضون أسابيع قليلة لممارسة مهامه، فمما لا شك فيه أنه سيُجري تغييرات جذرية داخل صفوف الجيش الوطني الليبي (قوات الكرامة)، لضمان استمرار تماسك هذه القوات، التي رغم أن أكثر من نصف منتسبيها هم جنود وضباط صف وضباط سابقون في الجيش الليبي إبَّان حقبة النظام السابق.

إلا أن هذه القوات مكونة أيضًا من متطوعين ومقاتلين تلقوا تدريبات سريعة ولا يملكون أرقامًا تسلسلية في الجيش الليبي، مما يجعل هذه القوات أقرب إلى الميليشيا منها إلى وحدات جيش نظامي يتسم بالانضباط الشديد، حيث إن التسلسل الهرمي للقيادة شكلي، وتحديدًا بين صفوف قادة المحاور ووحداتهم التي تشكِّل عماد هذه القوة.

وقد لوحظ مؤخرًا وخلال الأسبوع الثاني من شهر أبريل/نيسان 2018 زيارات ومشاورات مكثفة بين أبوظبي والقاهرة، بخصوص التطورات في ليبيا وللتحضير لما بعد حفتر، أبرز حلفائهما في ليبيا.

وتذهب بعض القراءات إلى أن الإمارات ومصر تدفعان منذ فترة باتجاه أمرين بخصوص القوات الليبية بشرق ليبيا:

  • استحداث منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، يتولى تلقائيًّا مهام القائد العام في حالة غياب الأخير أو عجزه عن أداء مهامه، ومن المنطقي أن مرض حفتر الأخير سيجعل هذا الاقتراح متقبلًا لدى قادة معسكر الكرامة ومجلس النواب، بعد أن قوبل هذا الاقتراح برفض كامل في الفترة الماضية.

  • تسعى الإمارات، التي تربطها علاقات متشابكة ومتداخلة مع قادة قوات الكرامة، إلى البحث عن بديل عن حفتر منذ أشهر، وفي هذا السياق فإن الاتصالات التي زادت وتيرتها بين الإماراتيين و(الحاكم العسكري)، الفريق عبد الرزاق الناظوري، خلال الأشهر الأخيرة، تندرج في هذا السياق، لاسيما أن الناظوري، الشخصية الثانية في فريق الكرامة، لا يقل خبرة وحنكة عن حفتر، إلا أن الأول ليست لديه تطلعات أو طموحات سياسية عكس حفتر. 

2. الغياب بسبب الوفاة أو العجز عن أداء المهام: سيسعى قادة الجيش الوطني الليبي (قوات الكرامة)، إلى تعيين خَلَف للمشير حفتر، فإن كانت قواعد الأقدمية تُملي أن تسند هذه المهمة إلى الفريق الناظوري، إلا أن معلوماتنا حول طبيعة العلاقات وقوى النفوذ داخل فريق الكرامة، تجعلنا نميل بأن حظوظ الخلافة ستنحصر بين اثنين، هما:

  • اللواء عبد السلام الحاسي (آمر غرفة عمليات الكرامة).

  • العميد عون الفرجاني (مدير مكتب القائد العام). 

ونتوقع أن يتم الاتفاق على عبد السلام الحاسي، لمكانته العسكرية داخل صفوف قوات الكرامة من جهة، ولكونه من إحدى القبائل الكبيرة ذات الثقل الاجتماعي بالشرق الليبي من جهة أخرى.

بينما نرى أن الطبيعة المتوجسة لرجل الاستخبارات الليبية، عون الفرجاني، ابن عم المشير حفتر ومدير مكتبه، قد تقلِّل من حظوظ اختياره لخلافة حفتر في حالة غيابه أو عجزه عن أداء مهامه. 

3. اندلاع صراع أجنحة داخل قوات الكرامة: هذا الأمر بعيد الاحتمال لكنه غير مستبعد، فتركيز السلطات والنفوذ داخل دائرة ضيقة عمادها العائلة والأقارب والمقربون، يجعله مستبعدًا، لكن هشاشة التحالفات وكم التناقضات التي تمور داخل معسكر فريق الكرامة، التي كان يغطي عليها الحضور الكاريزمي لشخصية المشير حفتر، يجعل هذا الأمر واردًا وغير مستبعد. 

4. تفجر الخلافات المقموعة: شهدت قوات الكرامة خلال سنواتها الثلاثة الماضية انشقاق العديد من قادتها أبرزهم آمر كتيبة 204 دبابات، المهدي البرغثي، والقيادي السابق في قوات الكرامة وآمر محور الصابري، فرج البرعصي، والناطق السابق باسمها، محمد الحجازي، وآمر جهاز مكافحة الإرهاب، فرج أقعيم.

معظم هؤلاء من قبائل كبيرة في الشرق الليبي، وتعيش تذمرًا داخلها، لا شك أن غياب حفتر أو عجزه عن ممارسة مهامه سيفتح شهية هؤلاء للمعارضة الصريحة وقد يصل الأمر إلى تصعيد مسلح محدود يفضي إلى تسويات تؤدي إلى تقاسم النفوذ في منطقة الشرق،

هذا فضلًا عن أن حجم المظالم والقمع الذي مورس بحق المعارضين لمشروع الكرامة في الشرق، قد أوغر الصدور كثيرًا، وظل من المسكوت عنه، إلا أن غياب حفتر أو عجزه عن أداء مهامه قد يعجِّل من ظهور هذه التناقضات ويفجر الخلافات المقموعة. 

وسواءً عاد حفتر لممارسة مهامه بشكل جزئي أو عجز عن أداء مهامه، فإن الجيش الوطني الليبي (قوات الكرامة) لن يكون هو ذاته بعد حفتر لأسباب موضوعية أبرزها أن هذه القوات كانت تتمحور حول شخصيته، وقد حرص على تفصيلها على مقاسه عبر مركزية شديدة التكثيف، بدواع أمنية وجيهة لمنع الاختراق أو النفوذ إلى أسرارها.

وطيلة السنوات الثلاث الماضية، وقف حفتر في وجه التسوية السياسية التي تمخضت عن اتفاق الصخيرات في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2015، وكان يرى في نفسه الحاكم القادم لليبيا، لذا تحضَّر كثيرًا لدخول طرابلس عسكريًّا، وحين عجز عن ذلك بشتى السبل، مدَّ أذرعه إلى الجنوب الذي أصبح له فيه نفوذ قوي عبر تحالفه مع ميليشيات التبو والمقارحة وجزء من الطوارق، ونجح حفتر في شرق ليبيا فيما فشل فيه قادة الغرب الليبي؛ حيث:

  • حرَّر المثلث النفطي (حيث ثلثا نفط ليبيا) من ميليشيات إبراهيم الجضران، في خريف 2016، وسلَّمها بسلاسة إلى المؤسسة الوطنية للنفط، في خطوة فاجأت الجميع!

  • عمل على جعل جبهة الشرق الليبي في تكتل واحد اتسم بقدر عال من التماسك ووحدة التوجه مما قوَّى وعزز من الموقف التفاوضي لذلك التكتل، عَكْسَ الغرب الذي انقسم إلى عشرات التكتلات والتوجهات والتحالفات المتصارعة فيما بينها، مما أضعف من موقفها التفاوضي، وعزَّز الشرخ والانقسام فيما بينها.

  • كسب ثقة القوى الخارجية المعنية بالحرب على الإرهاب، عندما جعلها هدفه المعلن الوحيد، وقد نجح في تحرير بنغازي من سيطرة الجهاديين المتطرفين (مجلس شورى بنغازي وأنصار الشريعة)، ويمكن القول: إنه باستثناء درنة (التي يتحضر الجيش الوطني لاقتحامها منذ أسابيع)، لم يعد للجهاديين مكان في الشرق الليبي، عكس قوات فجر ليبيا في الغرب التي وإن نجحت في القضاء على تنظيم الدولة في معقله في سرت أواخر العام 2016، إلا الغرب الليبي لا يزال مرتعًا لخلايا هذا التنظيم لا تحظى بحرب حقيقية وجادة من قبل حكومة أو ميليشيات الغرب الليبي، رغم الحملات التي تُشَنُّ بين الفينة والأخرى لدواع دعائية.

  • بات الخيار الفبرايري الأقرب إلى معتدلي أنصار النظام السابق، لأنه شكَّل بالنسبة إليهم حالة وسطية بين سبتمبر/أيلول وفبراير/شباط. بهذا، كسب إلى جانبه آلاف الأنصار من هذه الشريحة مدنيين وعسكريين، بل تجاوز الأمر إلى قيادات بارزة من الصف الأول في نظام القذافي. 

غياب حفتر أو عجزه عن أداء مهامه سيعمل على إبعاد الجيش الوطني الليبي (قوات الكرامة) عن التدافع السياسي، الذي كان يقوده إليه طموح حفتر السياسي، وسيفسح المجال لزعامات ليبية من الشرق الليبي لتتصدر واجهة المشهد السياسي الليبي، بعد أن كان الحضور الطاغي والكاسح لحفتر يحجب عنها الأنظار، وسيعزز هذا الأمر من حظوظها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. ولاسيما في سباق الرئاسيات القادم.

وسيتأثر كثيرًا حلفاء حفتر في الغرب الليبي بغيابه عكس حلفائه في الجنوب الليبي الذين لن يتأثروا كثيرًا بغيابه، لأن مكانتهم ونفوذهم تعزز بشكل ذاتي في مناطقهم قبل التحالف مع حفتر الذي بفضلهم أصبح له نفوذ بالجنوب. 

إقليميًّا، لن يتأثر نفوذ كل من مصر والإمارات في الشرق الليبي وداخل صفوف قوات الكرامة نظرًا لتعدد علاقاتهما داخل صفوف قادة هذه القوات، لكن روسيا حتمًا ستخسر حليفًا استراتيجيًّا عوَّلت عليه كثيرًا أن يكون رأس حربة نفوذها الجديد في ليبيا ما بعد القذافي 

في حالة غياب حفتر وتفجر الخلافات المقموعة للمناوئين لحفتر في الشرق الليبي أو من قبل المنشقين عن قوات الكرامة، سيشكِّل هذا فرصة سانحة لتنظيم الدولة والقاعدة للعودة من جديد إلى الشرق الليبي، في ظل حالة الفوضى والاقتتال التي قد تنجم عن غياب حفتر، وستعاود ميليشيا الجضران محاولة العودة إلى الهلال النفطي، وسينعكس هذا على الميليشيات الموجودة في الغرب والجنوب الليبيين.

هذا الأمر، إن حدث، سينسف الجهود الأممية التي قطعت أشواطًا بعيدة في سبيل إيجاد تسوية سياسية توافقية مقبولة في ليبيا والمصالحة الوطنية والتمهيد للانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية في ليبيا، وسيعيد هذا الأمر ليبيا إلى المربع الأول، في موجة عنف جديدة، تتكرر دوريًّا في ليبيا المنكوبة بلعنة النفط والجغرافيا.

***

الحسين الشيخ العلويباحث وأكاديمي موريتاني

_____________

مواد ذات علاقة