بينما تنعكس الشمس على بعض النوافذ، تبقى أخرى لا تعلم بأمر الشروق وتنتظره، على أمل التغيير وذلك يثقل كاهل الإنسان المتطلع للحداثة وما بعد الحداثة.
هذا الإخفاق يحجب شعاع الشمس المعرفي ويرتبط غالباً بقصور طموحات الدول الوظيفية على عكس الدول المحورية، الأخيرة تسعى دوماً للابتكار التكنولوجي وتنمية الاقتصاد المعرفي بالاعتماد على كوادرها العلمية والفكرية الإبداعية للريادة والتطور.
بينما الدول الهامشية تنشغل بتسليح مؤسساتها العسكرية، بعتاد الحرب الكونية الأولي، التي تستخدم فيما بعد لهدر إمكانياتها البشرية.
لكن أين ماهية البحث العلمي بأولويات هذه الدول؟
البحث العلمي تعتبره الدول الوظيفية الهامشية ترفاً لا طاقة لها به، ويدور الحديث عن ارتجال الأغراض واستعظام المصاعب والنسق المشوش، مبرر لهوة بين الدول العظمى والدول البسيطة.
كل ذلك يتعارض ومقاصد الارتقاء والتطور ومعالجة تصدعات سلوكية بل ويسهم برسم لوحة تشكيلة تعزز الجهل والتخلف، وتعزو ذلك بأننا مختلفون لنا خصوصية خاصة ولن نستفيد من تجارب الشعوب «نحن مختلفون»!
ذلك المعتقد النمطي الخاطئ جعلنا في عزلة عن الانفتاح والتيارات المختلفة وحتى المماثلة، والنقاش عن أن الحياة تفاعلات جدالية كأنه حوار طرشان، وبذلك اشتعلت الحرب الأهلية التي لا تتوقف.
أوكسجينها العنف المطل، العناد، التحدي، التفرد، العبثي، ورفض كل الحلول.
وبين العنف واللاعنف يجدر تعريف اللاعنف، حيث يختصره الباحث الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية جين شارب بأنه «ممارسة حضارية تفرض على الجهة التي تعتمدها في حل مشكلاتها وصراعاتها مع الآخرين انتهاج أساليب إنسانية سلمية، تعتمد على التهدئة والمهادنة والتنازل عن بعض الحقوق في سبيل التوصل إلى حل النزاعات التي تحقق طموحات ومصالح الأطراف المتخاصمة دون اللجوء إلى العنف كخيار لحل المشكلات والأزمات».
لا تنحسر رؤيتنا على ما هو موجود، لو تتبعنا تذبذب التاريخ القديم والمعاصر، نجد مشروع مارشل لإعادة إعمار أوروبا عقب الحرب الكونية كان ذلك من متطلبات جمع أنقاض الحرب وإعمار المباني، وبناء الإنسان، وقيام الاتحادات الاقتصادية مثل الاتحاد الأوروبي، وتهيئة الأرض الفكرية لبدء هدنة بين عالمين أحدهما قديم رمادي، وجديد يملك كل الألوان والإنسان به مخير بين الحياة والانطلاق والموت والفناء.
إن أغلب الشعوب البسيطة تؤمن بأن العنف فضيلة الإنسان القوي، الخطوة الأولى باتجاه اللاعنف تبدأ من وعي هذا الوضع الاجتماعي والثقافي الذي يثقل كواهلنا منذ قرون والذي جعلنا نعتقد بأن العنف ليس ضرورياً فحسب، وإنما يستحق التمجيد، إذ أن كل الأيدلوجيات التي هيمنت على مجتمعاتنا مجّدت العنف عندما ربطته بجملة من القيم والفضائل من مثل الشجاعة والجرأة والتضحية والرجولة والنبل والشرف والعدالة والحرية، بحيث بدا العنف بحد ذاته في وعينا لا بل في وعينا الباطني أيضاً فضيلة وقيمة.
ولنأخذ الخدمة العسكرية مثالاً واقعياً على ذلك: فالمواطنون جميعاً يعتبرون الخدمة العسكرية طقس عبور من سنّ المراهقة إلى سنّ البلوغ.
إن هذا الاعتقاد لم يقتلع من ذهننا الجماعي بعد، مقابل ذلك كله، يبدو معارض التجنيد الإجباري نموذجاً للمواطن السيء الذي يرفض القيام بمسؤوليته في سبيل الدفاع عن عقيدته ووطنه، وكذلك بالنسبة لغالبية الرأي العام فإن معارض التجنيد الإجباري والانضمام للمليشيات المؤدلجة هو إنسان غير متأقلم اجتماعياً وعقلياً.
لا يبرز العنف في نزاع ما إلا في اللحظة التي يأخذ فيها هذا النزاع منحىً تدميرياً، مما يستوجب معه موت أحد الخصمين المتجابهين، وفي هذا الشأن يقول بول ريكور: «يجب ألا نُخدع بوجهة العنف والغاية التي يصبو إليها ضمنياً أو صراحة، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، فالعنف يعني موت الآخر أو شيئاً ما أسوأ من موته».
تلك هي دلالة العنف الحقيقية والتي من خلالها نستطيع إعطاء اللاعنف معناه الحقيقي، ففي الوقت الذي أعي فيه العنف كمسار موت يفسد جذرياً علاقتي بالآخر، يصبح من واجبي رفض كل تبرير للعنف، ومشاهد التصفية الجسدية الوحشية التي ترقى لجرائم حرب، لن تقودنا سوى للمزيد من العنف، والمزيد من التأخر.
من المؤكد أننا قد نجد أنفسنا دوماً في أوضاع حيث ترانا نعقد تسوية مع العنف، وهذا يعني أنه لا يمكن الإدّعاء بوجود «لاعنف مطلق» ذلك سيبقي نظرياً كما خط إقليدس المستقيم، بيد إنه على الفلسفات والأخلاقيات أن تسمي التسوية تسوية فلا تقيم وزناً لها أكبر مما يستحق بكثير، إذ بدءاً من هذا الإقرار يصبح بالإمكان إيجاد الوسائل التى تكفل أن تكون تسوية الغد أجمل من تسوية اليوم، وأيا كانت مرجعيتنا الثقافية فإنه يتحتّم علينا أن نعي هذا اللامعنى اللصيق بكل عنف، وهنا يبرز اللاعنف.
يتبع
***
وئام قشوط ـ كاتبة وشاعرة وصحفية ليبية من مواليد 1986 طرابلس، بكالوريوس حاسب آلي برمجة وتحليل نظم، خریجة الجامعة اللبنانية الأميركية، وأيضا هي الآن طالبة بالفصل الدراسي النهائي كلیة العلوم السياسية / الجامعة المفتوحة في طرابلس، تجيد اللغتين الانكليزية والايطالية، مراسلة ومحررة في بعض الصحف الليبية، وتنشر نتاجها في الصحف والمجلات المحلية والعربية.
_____________