بقلم جيورجيو كافيرو وتيودور  كاراسيك

غرقت ليبيا، عقب الإطاحة بالقذافي عام 2011، في حالة من الفوضى، قبل حوالي ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية المستمرة في شمال أفريقيا.

أدى فراغ السلطة، الذي خلّفه سقوط النظام السابق، إلى إخضاع ليبيا لصراع على السلطة بين الدول الأجنبية، التي تسعى إلى تشكيل المشهد السياسي للبلاد وفقًا لشروطها الخاصة.

من جانب، قامت قطر وتركيا برعاية الميليشيات الإسلامية، وبعضها موالٍ لحكومة الوفاق الوطني المُعترف بها دوليًا في طرابلس. على الجانب الآخر، دعمت مصر، فرنسا، الأردن، روسيا والإمارات العربية المتحدة الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر، ويحارب من أجل حكومة مقرها في طبرق، مقر مجلس النواب.

دعم دولة الإمارات لجيش حفتر ومجلس النواب وضع في الاعتبار هدف السياسة الخارجية الأوسع في أبو ظبي، والمتمثلة في مواجهة الإسلاميين في المشهد السياسي العربي ما بعد عام 2011.

لم تميز الإمارات بين الإسلاميين “المعتدلين” و”المتطرفين”، حيث وصفت جماعة الإخوان المسلمين بأنها منظمة إرهابية عام 2014. كما أدى صعود جماعة الإخوان المسلمين في العديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد “الربيع العربي”، إلى قلق الإمارات.

يعد الفرع الإماراتي للإخوان المسلمين من أبرز الجهات الفاعلة غير الحكومية في الإمارات. وتعتبره قيادة الإمارات أنه تهديد وجودي، وتفضل أبو ظبي أن يكون الخليج بيئة خالية من الإخوان المسلمين. ترى الإمارات أن صعود الإسلاميين في المغرب العربي تهديدا لأمنها الداخلي، نظرًا لتاريخ أعضاء الإخوان المسلمين من شمال أفريقيا، الذي وسعوا نفوذ الجماعة في الخليج.

منذ منتصف عام 2014، كانت دولة الإمارات حليفًا حيويًا لحفتر. لم تدعم أبو ظبي قوات حفتر بالإمدادات العسكرية فحسب، بل قامت القوات المسلحة الإماراتية أيضًا بضربات عسكرية ضد بعض الأعداء الإسلاميين. كانت عمليات الإمارات ضد المسلحين الإسلاميين في طرابلس، التي شُنّت من غرب مصر في أغسطس 2014، أول تفجير للجيش الإماراتي لأهداف في بلد أجنبي.

في الوقت نفسه، ومن خلال تقديم المليارات من الدولارات لحكومة مصر منذ عام 2013، والتعاون مع القاهرة في قضايا الدفاع، والعمل مع الكرملين لتسليح الجيش الوطني الليبي، وقامت أبو ظبي بالتنسيق مع الجهات الخارجية لحكومة طبرق؛ لدعم حفتر تحت راية مكافحة الإرهاب والتطرف.

في أكتوبر، نُشرت أنباء حول قاعدة التشغيل الجديدة للإمارات في شرق ليبيا، على بعد حوالي 60 ميلًا من بنغازي، حيث كان الإماراتيون يشنون طائرات هجومية خفيفة وطائرات بدون طيار.

في 2 مايو، التقى فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، وجهًا لوجه مع حفتر في أبو ظبي في أعقاب الاتفاق السياسي الليبي الذي أُبرم برعاية الأمم المتحدة في ديسمبر 2015. أشادت الإمارات بالاجتماع، باعتباره معلمًا بارزًا في طريق ليبيا نحو حل حربها الأهلية.

لكن على جانب حكومة التوافق الوطني، كانت هناك مخاوف من أن محادثات السراج مع حفتر يُمكن أن تُضعف الاتفاق السياسي بدلًا من إصلاحه. تناول الجانبان خفض أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة إلى ثلاثة، وإلغاء المادة 8 من قانون حماية الشعب (التي يمكن أن تزيل سلطة المدنيين على الجيش)، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية العام المقبل.

قام نظام القذافي بقمع الإسلاميين بشدة، معظمهم يرفضون حاليًا أي تنازلات لطبرق، التي يمكن أن تمهد الطريق نحو تحول حفتر إلى قائدأو سياسي رفيع المستوى داخل حكومة متماسكة في المستقبل. يشير العديد من الإسلاميين في البلاد إلى حفتر باعتباره التهديد الأول لثورة فبراير 2011، بسبب ارتباطه السابق بنظام القذافي وأيضا بسبب الجرائم التي ارتكبتها قواته في الحرب الأهلية الجارية.

أكد الهجوم الذي شنته ميليشيات تابعة لحكومة الوفاق الوطني على قوات الجيش الوطني الليبي في 18 مايو، والذي خلّف 141 قتيلًا، على أن المحادثات في أبو ظبي تمثل ضربة من قِبل الإسلاميين ضد قوات حفتر.

إن السرعة والتهديد اللذين اتسم بهما هجوم القوة الثالثة لقاعدة براك الشط الجوية، مما أسفر عن مقتل مجندين من الجيش الوطني الليبي العائدين من احتفال الذكرى الثالثة لعملية الكرامة ، بينت بأن الهجوم لم يُقصد به أن يُضِر بمعنويات الجيش الوطني الليبي فحسب، بل أن يبعث برسالة واضحة إلى أبو ظبي بأن قوات طرابلس لن تتسامح مع الغرباء الذين يدعمون حفتر.

لا تملك حكومة الوفاق الوطني الضعيفة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الليبية خارج طرابلس. وأيضا في داخل المدينة، حيث تؤكد الاشتباكات الروتينية بين الميليشيات المختلفة ضعف الحكومة المعترف بها دوليًا.

قدرة حكومة الوفاق على السيطرة على الميليشيات القوية أمر مشكوك فيه؛ نظرًا أنها تدير هياكل حكومية في طرابلس مقسمة بين العديد من الفصائل المسلحة.

إذا وافقت القيادة في طرابلس على تقاسم السلطة مع حفتر، ستستمر الفصائل المسلحة المرتبطة بحكومة الوفاق الوطني ستستمر في قتال قوات جيش حفتر. لذلك، سيكون جميع كل الليبيين لقبول هذا الاتفاق أمرًا صعبًا، على أقل تقدير.

مع ذلك، فإن استضافة هذا الاجتماع النادر بين رئيس حكومة الوفاق الوطني وحفتر، يشير إلى أن دولة الإمارات تلتزم بتأكيد مزيد من النفوذ في ليبيا، ليس فقط عسكريًا بل أيضًا على الجبهة الدبلوماسية.

من خلال الجمع بين الحكومتين المنفصلتين، تسعى أبو ظبي للتأثير السلبي على جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى حل للصراع، وتوجيهه في اتجاه حل يحول دون دعم الفصائل الإسلامية في طرابلس.

هدف دولة الإمارات هو تخليص ليبيا من الإسلاميين الذين تعتبرهم أبو ظبي إرهابيين ومتطرفين.

في نهاية المطاف، قد تغرق ليبيا قريبًا في مرحلة عنف دموية وفوضي عارمة إذا فشلت المبادرات الدبلوماسية لحل الحرب الأهلية، واستمرت قوات حفتر محاولات السيطرة على طرابلس.

في ضوء هذه الآفاق، تتعاون أبو ظبي مع القاهرة وموسكو لدعم نهج جديد من خلال الأمم المتحدة. رغم الاشتباكات العسكرية الجارية، حيث هناك فرصة سانحة للجانبين المتحاربين في ليبيا لإفساح المجال لبعضهما البعض واستكشاف السبل الدبلوماسية التي تتطلب تنازلات من جميع الجهات الفاعلة على الأرض.

 ترجمة صحيفة التقرير

***

جيورجيو كافيرو هو الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة غولف ستات للتحليل، وهي شركة استشارية في مجال المخاطر الجيوسياسية في واشنطن العاصمة. بالإضافة إلى مدونة لو، يكتب أيضا في معهد الشرق الأوسط، والمونيتور.
ثيودور كاراسيك هو المستشار الأول في شركة غولف ستات للتحليل

____________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *