إعداد : معاذ أبوالزمازم
تعتبر قضية النزوح الداخلي في ليبيا معضلة كبيرة تساهم في تعقيد الوضع الداخلي الليبي وتعكير السلم الأهلي على المدى القصير والطويل، وسبّب تصاعد حركة النزوح في ليبيا في السنوات الماضية مشكلات أدت إلى تفاقم الأزمة وانتشارها بشكل واسع في المجتمع الليبي.
وستغطي هذه الورقة البحثيةعملية حصر النازحين المتبعة في ليبيا في السنوات الماضية وطرق تحسينها للحصول على أرقام أكثر دقة بشأن أعداد النازحين.
واقع عملية حصر النازحين:
يبلغ عدد النازحين في ليبيا حاليا حسب التقرير السادس من مصفوفة تتبع النازحين الخاصة بمنظمة الهجرة الدولية 313 ألف نازح بعد إجراء مسح على 100 بلدية من أصل 104 بلديات معتمدة لدى وزارة الحكم المحلي، وتعتبر بنغازي وسرت أكبر مصادر للنزوح في ليبيا حاليا.
يتم جمع البيانات عن طريق مجموعة من الباحثين الميدانين داخل جمع مدن ليبيا ويختلف عدد الباحثين في كل بلدية بحسب حجم البلدية وعدد سكانها، وتعتبر مهمة الباحث الرئيسية هي جمع بيانات النازحين وأعدادهم من أكثر من مصدر ومقارنة الأرقام مع بعضها واختيار الأرقام الأقرب إلى الواقع.
كانت عملية حصر النازحين في المصفوفة في مراحلها الأولى تعتمد على جمع أرقام النازحين وأماكن وجودهم بالتحديد فقط، سواء كانوا نزحوا باتجاه بلدية اخرى أو أنهم قرروا النزوح إلى مناطق تنعم بأمن أكثر داخل البلدية نفسها. ولكن مع تقدم المراحل في مشروع المصفوفة كان لزاما على العاملين في المشروع توسيع الاستبيان الخاص بعملية الحصر ليشمل أيضا الاحتياجات الشخصية لمجموعات النازحين وكيفية تحسين بيئة السكن الخاصة بهم، تقوم المصفوفة أيضا بعملية تتبع معقدة لحركة النزوح من مدينة إلى أخرى وذلك لمعرفة اتجاهات النزوح المفضلة لدى سكان كل مدينة على حدة.
إنشاء عملية التتبع هذه يساهم في معرفة الخيارات المستقبلية لأي عملية نزوح قد قد تحدث، فمثلا إذا عرفنا أنه أغلب النازحين من سرت توجهوا إلى مدينة طرابلس وبالتحديد إلى بلدية بوسليم، فهذا يساهم في تحسين سرعة عملية التدخل مستقبلا إذا حدثت عملية نزوح أخرى من سرت.
وقد بلغ عدد العائدين إلى مدنهم بعد تحسن الوضع فيها إلى 463 ألف عائد، ويتوقع أن يزداد هذا الرقم في الجولة السابعة من المصفوفة التي ستصدر نتائجها بداية السنة الجديدة بعد تحسن الأوضاع في سرت وبنغازي، وإذا قمنا بمقارنة بسيطة بين الجولة الأولى والسادسة من المصفوفة سنجد تضاعف في أعداد النازحين والعائدين كذلك، ففي الجولة الأولى كان عدد النازحين في ليبيا 269 ألف وعدد العائدين بلغ 130 ألف عائد، ويعود الإرتفاع الحاد في الأعداد نتيجة لنشوء بؤر جديدة من الصراع أضيفت إلى البؤر المشتعلة مسبقا، أما بالنسبة لأماكن الاستقرار فتعتبر بلديات بنغازي واجدابيا وأبوسليم أكبر مستقر للنازحين في لبييا.
تقوم المصفوفة بتقسيم النازحين إلى ذكور وإناث، ولكل جنس أربع فئات عمرية. تركز المصفوفة على الاحتياجات الخاصة بالنازحين والعائدين كل على حدة، فيجري بحث أهم احتياجات النازحين الرئيسة في أماكن وجودهم المختلفة، سواء أكانت بيوتا أو أماكن عامة كالمدارس والمخازن الكبيرة وغيره من المجمعات التي إليها النازحين، من حيث توفر الأكل والشرب والأمن والمواد الصحية والصرف الصحي وتوفر الرعاية الصحية، وأيضا نوع من المسكن الموجود في النازح إذا كان إيجار دفعة بنفسه أو من جهة أخرى أو استضافة من أسرة من الأقارب أو من غيرهم، أما بخصوص العائدين فتطرح نفس الأسئلة عليهم مع أضافة سؤال آخر وهو عن مكان الإقامة الذي عادوا إليه سواء أكان بيتهم السابق أو مكان جديد لاستنتاج إذا كان بيتهم السابق قد دمر من الحرب أم لا، وتعتبر مناطق الزهراء والماية وبنغازي أكبر المناطق التي عاد إليها النازحون في السنتين الأخيرتين.
كل بيانات مصفوفة تتبع النازحين مبنية على عمل المنظمات المحلية ولجان الأزمة والشؤون الاجتماعية في البلديات التي بدورها تعاني نقصا حادا في الموارد البشرية والمادية للقيام بعمليات حصر أكبر و أدق وأيضا تعاني المنظمات المحلية من عائق كبير وهو عدم تعاون النازح مع عمليات الحصر والتعداد بسبب تكرار طلب أرقام النازحين وفي المقابل عدم توفير مساعدات لهم، وهذا يرجع لتقصير الحكومات المختلفة في هذا الجانب وعدم صرف أموال للجان الأزمة لتوفير احتياجات النازحين، حيث أنه في السنة الماضية فقط صرفت منظمة الغذاء العالمي لوحدها 210 آلاف حصة غذائية على النازحين في ليبيا بقيمة إجمالية بلغت 25.5 مليون دولار أمريكي وغيرها من مساعدات قدمتها المنظمات الأجنبية في ليبيا، وفي غياب واضح للحكومة تلجأ المنظمات المحلية للتعاون مع المجتمع الدولي، فأغلب المؤسسات المحلية الكبيرة والعاملة في مجال إغاثة ومساعدة النازحين تدعمها منظمات دولية وهي تشرف على التوزيع والتوصيل والحصر.
إن غياب الحكومات المتتالية الواضح عن مشهد النازح الليبي سبب في فقدان الثقة بين النازح والدولة، ولولا القوانين الصارمة التي تقوم المجالس البلدية بسنها لحصر النازحين عن طريق لجان الأزمة لما وجدت الحكومة أي مصدر محلي لمعرفة أعداد النازحين منه، ورغم ذلك فإن عمليات الحصر داخل نطاق البلديات تعتبر ضعيفة جدا وتفتقد للدقة ، لأنها في العادة تعتمد على مصدر واحد للمعلومة ولم تقم أغلب البلديات بمسح ميداني واضح لمعرفة الأعداد الدقيقة للنازحين داخل البلدية وعدم ربط المنظومات الداخلية في كل بلدية بمنظومة موحدة على مستوى ليبيا لكي تعود بالفائدة للجميع.
فالواقع لمعرفة أعداد النازحين في بلديات ليبيا يتوجب زيارة كل بلدية على حدة والتدقيق في البيانات لاختلافها بين الشؤون الاجتماعية ولجان الأزمة وصندوق الزكاة وغيرها من الهيئات المهتمة بحصر النازحين، وبالنسبة للمنظمات الدولية فتوفر الدعم المالي عندها وقدرتها على توفير الموارد البشرية وكذلك استمرارية دعمها للنازح ساهم بشكل كبير في تعاون جميع الجهات بشكل أفضل معها، ورغم كل هذه الميزات فإن المنظمات الدولية لم تقم بمسح ميداني كامل إلى الآن وهو أمر طبيعي. فتكلفة المسح الميداني عالية جدا وتحتاج لتعاون كبير من الحكومة والمجتمع لإظهار نتائج تحصل دقتها لنسب عالية جدا. كل هذه الظروف المجتمعة أدت لعدم
وجود منظومة حصر موحدة بين المنظمات المحلية والدولية والحكومة لتكون مصدرا رئيسيا لمعرفة أرقام النازحين وبياناتهم الكاملة، منظومة بهذا الحجم تحتاج لمبلغ كبير من المال وموارد بشرية مدربة لإداراتها، وهذا غير متوفر في الظروف الراهنة.
التحديات التي تواجه عملية حصر النازحين:
لنجاح أي عمل يجب توفر كل العوامل المساعدة لذلك، وفي عملية حصر النازحين يجب توفير عوامل عدة لنحصل على بيانات دقيقة يمكن الاستفادة منها في تشخيص حالة النزوح في ليبيا واحتياجات النازح، فليبيا دولة كبيرة جدا وأطرافها مترامية، وللقيام بعملية حصر ناجحة يجب ضمان حرية الحركة لفرق العمل داخل الوطن وتأمين سلامتهم، وهو ما تعانيه البلاد حاليا نتيجة غياب الأمن وانتشار الجريمة، كذلك فإن تهالك البنية التحتية وغياب الطرق ووسائل النقل العامة والضعف التكنولوجي ساهم في عرقلة عملية الحصر فهذه العوامل تعيق تدريب الكوادر البشرية المساهمة في عمليات البحث الميداني.
وفي سبيل إنجاح المشاريع أحيانا نضطر التغاضي عن تدريب جميع الكوادر تدريبا مكثفا ونلجأ إلى تدريب مبسط عن طريق الهاتف أو شبكات التواصل الإجتماعي، وقد يؤدي ذلك أحيانا لنتائج أقل دقة. ويضاف على ذلك الإنقطاع المتكرر للكهرباء في الجنوب وأحيانا في فترات الصيف يصل إلي أيام متواصلة، مما يؤثر في عملية توصيل وجمع البيانات بين فرق العمل المختلفة. ويعتبر أيضا الإنقطاع المتكرر للإتصالات وضعف الإنترنت من أهم العوامل الرئيسية المساهمة أيضا في إعاقة عملية الحصر، ويعتبر وجود المليشيات المسلحة في المناطق التي يغلب عليها الصراع الجهوي أو العرقي إحدى أهم المشكلات التي قد تواجه الباحثين أثناء حصر البيانات، فقد يمنع الباحثون من حصر أعداد تنتمي لعرقيات أخرى أو جهات معينة، أو قد يفرض على الباحثين تضخيم أعداد النازحين لغرض الاستفادة السياسية من الأرقام لاحقا أو للإستفادة من المساعدات المتوفر بناء على أرقام الحصر تلك.
وللأسف فإن تضخيم الأرقام وتزويرها لا يقتصر على المليشيات فقط، بل إن بعض الجهات الحكومية أو المنظمات المحلية تقوم بتوثيق أعداد وهمية ومضخمة جدا للنازحين في مناطقهم، وهذا الأمر يمكن كشفه بسهولة إذا جرى التواصل مع أكثر من مصدر للمعلومة داخل منطقة معينة.
إن هذه التصرفات المشينة تؤدي بشكل كبير إلى اختلال العلاقة بين المانحين والمنظمات المحلية واهتزاز صورتهم أمام المنظمات الدولية، مما يعود بالضرر على النازحين في المقام الأول، وتعتبر الحكومة مساهمة بطريقة غير مباشرة في تضخم أرقام النازحين. لأن أغلب المنظمات التي تضخم الأرقام تهدف بدرجة أولى في زيادة حصتها من المساعدات الغذائية وغير الغذائية وتوزيعها على الأسر المحتاجة في داخل مناطقها. وهذه الأسر المحتاجة هي بشكل أساسي من أوليات الحكومة وهذا ما سيجعلنا نسلط الضوء على معاناة المجتمع المضيف الناتجة من أزمة النزوح.
تعاني أغلب المجتمعات في ليبيا من الآثار السلبية للوضع الاقتصادي الهش جدا من نقص في السيولة وغلاء أسعار المواد الأساسية والتكاليف اليومية الباهضة بالنسبة للأسر متوسطة الدخل، وتتزايد الصعاب على عاتق المواطن القاطن في مجتمع مضيف للنازحين بسبب الغلاء المضاعف للمعيشة وأجرة البيوت، وهذا قد يكون إحدى العوائق في عمليات حصر النازحين، فعدم تعاون المجتمع المضيف مع فرق البحث قد يعيق أي عملية حصر، بل إنه لا يمكن إجراء أي عملية حصر دون تعاون من المجتمع المضيف والمنظمات المحلية بداخله.
الاستراتيجيات والحلول المقترحة لتسهيل عملية حصر النازحين:
للقيام بعملية حصر ناجحة للنازحين داخل ليبيا يجب أن تتوفر الإرادة من الحكومة لإنجاح هذا العمل، فال يمكننا أن نلقي الحمل بأكمله على المنظمات الدولية وشركائها المحليين في هذا المجال، فتبني عملية حصر النازحين واعتبارها مشروعا إستراتيجيا من طرف الحكومة سيسهل بنسبة كبيرة إنجاح العملية برمتها، وسينتج التعاون المشترك بين المؤسسات الحكومية المحلية والمنظمات الدولية بيانات ملموسة تتوفر فيها نسبة عالية من الدقة والاحترافية.
دون تكاثف الجهود لن نتحصل على نتائج مرضية، فالعمل الفردي لم ينتج إلى الآن بيانات كاملة ودقيقة ولا يمكن أبدا أن نحصل على تعاون كامل من النازحين ما لم يتم ضمان حماية بياناتهم الشخصية وعدم تسليمها لأي جهة مهما كانت إلا لفائدة النازح وبقرار سيادي فقط، وإضافة على ذلك فإن تكرار جمع البيانات الحاصل حاليا في أغلب مشاريع الحصر في ليبيا مالم يكن في مقابله توجد نتائج ملموسة سيؤدي بعد فترة إلى خمول في العلاقة بين الباحثين والنازح، ولن يستمر التعاون في توفير البيانات بشكل منظم، فلذلك على كل المنظمات المسؤولة والحكومات المختلفة في ليبيا أن تنظر إلى الحالة العامة للنازحين وتوفر كل احتياجاتهم، وأن تركز في إنشاء قاعدة بيانات قومية تربط النازح بمكان إقامته وتتبع حركة النزوح إذا تغيرت من مكان إلى آخر، وأن يتعاون النازحون مع كل المنظمات التي ترغب في حصر بياناتهم بغية تقديم الساعدة لهم، وأن يشعروا بالمسؤولية تجاه تلك المنظمات من حيث التبليغ عن مغادرتهم إلى مناطق وجودهم أو تغير حالاتهم الإجتماعية، فعملية الحصر مسؤولية مشتركة بين العديد من الجهات المختلفة التي تعمل من أجل هدف واحد وهو تقديم المساعدة والدعم للنازحين وتسهيل حياتهم اليومية حتى يإذن الله بالفرج وتتقرر عودتهم لمدنهم سالمين بإذن الله.
***
قدمت هذه الورقة في ندوة : “النازحون في ليبيا… تحديات وحلول” التي عقدت بتاريخ 4 يناير 2017
__________________