فاجأتني جموع المتظاهرين الغاضبة في مدن أمريكية عديدة طوال يومي عطلة نهاية الأسبوع، مثلما يفاجيء خادم المصباح السحري العملاق طفلة صغيرة! فبعد أكثر من أربعة عقود من العيش بين ظهراني هذا المجتمع اكتشفت أنني أجهله.. وأن عُقَدي كعربية مسلمة قد أغشت بصري عن مزاياه الإنسانية وقيمه العليا!..
وأنني كنت طوال هذه الفترة أحمّله قصداً أوزار سياسات حكوماته التي طعنتنا في فلسطين والعراق وأفغانستان، وغيرها من دول العالم الثالث.
بعد أربعة عقود اكتشفت أنني لم أكن أملك الجرأة الفكرية للتفريق بين بذرة الخير في نفوس البشرالطيبين، القابلين بتعطّش للتعلم، والمنفتحين بأريحية على ثقافات الغير، وبين جنود الشر المتمثلة في نخبة سلطوية ترى أنها مؤهلة لحكم العالم، وجماعات ضغط ملوثة المشارب والإستراتيجيات.
لقد فاجأتني فعلاً ردود فعل المجتمع الأمريكي على القرار الرئاسي بمنع دخول اللاجئين الفارين من الحروب، وغيرهم من مواطني سبع دول مسلمة .
فاجأني فيها هذا الزخم وهذه القوة وهذه التلقائية.. وفاجأتني جموعٌ بعشرات الآلاف من المتظاهرين الذين احتشدوا – بسرعة فاقت سرعة استيعاب القرار نفسه – أمام بوابات المطارات الكبرى التي يدخل منها عادة مواطنو تلك البلاد، مسارعين لشجب القرار الذي رأوه ظالماً ومتحيّزاً وغير دستوري؛ وللتعبير عن ترحيبهم باللاجئين وبكل من يفد إلى بلادهم بطريقة قانونية، بغض النظر عن ألوانهم وأديانهم، وليطالبوا بتسريح الموقوفين منهم في هذه المطارات.
بل والأغرب من ذلك أن “الإتحاد الأمريكي للحريات المدنية” ومنظمات حقوقية أخرى قد رفعوا فوراً قضية ضد قرار الرئيس في المحكمة الإتحادية بمدينة نيويوك، حيث أصدرت القاضية آن دونيلي في نفس اليوم حكمها ببطلان قرار الرئيس، وأوامرها للسلطات المختصة بعدم ترحيل أي من رعايا تلك الدول.
كل هذا ومؤسساتنا “الإسلامية” و“القومية” التي يفترض أنها تمثلنا وتدافع عنا، لم تحرك ساكناً ولم تظهراهتماماً أو تفاعلاً يذكر، ولم نر أحداً من أعضائها في وسائل الإعلام، أو متحدثاً للمتظاهرين، أوموجهاً أبناء الجالية لتنظيم أنفسهم ودراسة استراتيجياتهم.. ناهيك بالتوجه للمحاكم ورفع دعاوى قضائية أو التشبيك مع الجمعيات الحقوقية الفاعلة على الأرض لإيقاف تنفيذ القرار.. أما الحكومات الرسمية التي مس القرار مواطنيها فإنهم للأسف في عداد المقبورين، إيران وحدها ردت بعزمها على تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل.
في مقابل هذا الأسف، أدهشتني هذه الحيوية الإنسانية التي تجلت في جموع المتظاهرين الذين لا يمسهم القرارولا يؤذيهم (بل يسهم في حمايتهم من الإرهاب حسب إدعاء الرئيس)!.. وأبهرتني هذه الفعالية الإجتماعية، وهذا الإصرار على العودة إلى المباديء التي قامت عليها الحضارة الغربية، في تجلياتها الفلسفية وليس في ممارساتها السياسية .
فاجأني هذا الشجب المباشر والصريح لممارسات رئيس انتخبته أغلبية ظنت أنها تحقق به تغييرا محليا في البنية الإنمائية، المادية والمعنوية، وتوازنا في القيم المجتمعية والرؤى السياسية، فصدمت فيه منذ الأسبوع الأول.
ومن ناحية أخرى فإن انتخاب ترمب على رغم حزمة وعوده المتطرفة إنما يدلّ على أنه يمثل ويعكس النفس الأمارة في المجتمع الأمريكي .. النفس المتكبرة والأنانية والعنيفة.. نفسية الإنسان الأبيض العاشق للسيطرة والإستغلال.
لكن ما حدث بعد أيام قليلة من دخوله البيت الأبيض وتوقيعه قرارات فردية غير مدروسة، قد استفزّ بصلفه النفس اللوامة في المجتمع؛ وحرك ديناميكية الحق والخير والجمال التي يزخر بها ثراؤه الفكري، وتفتحه الذهني والروحي على عالم مليء بالإختلافات، وجدير بأن يكون اختلافه تنوعاً خلاقاً، لا خلافاً هداماً للمجتمع الإنساني.
ألا تبدو هذه التظاهرات وتلك الإحتجاجات وكأنها تجسّد مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أنصع صوره، حين عجزنا نحن عن تفعيله وتطويره وممارسته؟.
ألا تبدو وكأنها تقترب من مقولة “لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناك..”، وإن لم تكن هناك إشارة إلى السيوف الباترة، (التي نجيد وحدنا استعمالها اليوم ضد بعضنا البعض) كما قيل لعمر بن الخطاب!
إن ما تتميز به الدول الغربية عامة وأمريكا على الخصوص هو هذا النظام البديع المسمى بـ “التحقق من التوازن” Check and Balance وهو آلية قانونية لرصد ومتابعة القواعد الإجرائية المتبعة في تحقيق الأهداف التي تعلن عنها الجهات المسؤولة في الدولة، حرصاً على مراقبة التوازن بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، المستقل بعضها عن بعض؛ والتأكد من عدم المساس به.
والملفت للنظر أن هذه الآلية قد وضعها الآباء المؤسسون وبُديء في تنفيذها منذعام 1787، أي قبل أكثر من قرنين. ولاأظن إلاّ أن هذا التوجه الراصد هو الذي أوحى للكيان المجتمعي بأن يؤسس نظاماً مماثلا تبلور في “مؤسسات المجتمع المدني“، المنخرطة بدورها في عملية المراقبة والرصد والتقويم.
ورغم كونها غير حكومية، إلا أنها مخوّلة للحصول على المعلومات المتعلقة بكل ما يمس المجتمع والأفراد، مما يمكّنها من كشف التجاوزات والإنحرافات، وتقديم المقترحات لتطوير القوانين والتشريعات المانعة لذلك.
تعمل هذه المؤسسات المدنية في الأنظمة الديمقراطية كقناة تنظيمية بين الدولة والمجتمع. ولذلك نجدها تغطي مجالات واسعة من الأعمال التطوعية، بدءاً من الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، مروراً بحقوق المستهلك، وصولاً إلى حقوق البيئة والحيوان. وهو ما يجعل هذه المنظمات بمثابة الجهاز المناعي للجسم المجتمعي.. فكلما أصيب عضو منه تداعت له بالبحث والدراسة والمتابعة، حتى تصل إلى تركيبة الدواء الناجع الذي يقبل به الجسم كله.
استذكرت هذه الحقائق وأنا أتلمس أبعاد فعالية هذا المجتمع في هذا الظرف المحدّد العابر، وأحس بيقظة ضميره، وبحثه الحثيث عن الحقيقة والتحيز لها. لكن ما استغربت له هو كيف تجمّع هؤلاء بهذه السرعة والتلقائية حتى لكأن الأرض قد انشقت عنهم؟
كيف خرجت كل هذه الجموع بعفوية مذهلة في وقت واحد ونحو مكان محدد هو المطارات؟ (تشيرسيمائية المكان والزمان إلى ذكاء سياسي يحتاج نفسه للتفكيك والتركيب !).
من اقترح عليهم التظاهر ومن نظم صفوفهم ووحّد نداءاتهم ورتب شعاراتهم؟
أمّا تفاعل الإعلاميين والناشطين والحقوقيين والخبراء والأكاديميين مع هذا الحدث، ودفاعهم عن المتضررين من القرار فحدّث ولا حرج .. حتى أن فناني هوليود كانوا البارحة في قمة الإلتزام الأخلاقي وهم يوزعون بينهم احدى الجوائز، حيث خرجوا عن نص احتفاليتهم بالقاء كلمات غاية في الموضوعية والتعاطف الإنساني والتجاوب الحضاري مع المحظورين.
وما زال رحم هذا اليوم والأيام القادمة يمتليء بأحداث جديدة ليس أقلها رفع عدد من المدعين العامين في بعض الولايات قضايا جديدة أمام المحكمة الفدرالية.
إن الأمريكيين حين يقفون مع الحق ويؤازرون المعتدى عليه ويكشفون العناصر الناشزة في جهازهم القيمي إنما يفعلون ذلك من أجل ذواتهم هم أولاً وقبل كل شيء.. من أجل ضمائرهم ومبادئهم وقيمهم، ومن أجل نظرتهم لأنفسهم ونظرة الأجيال القادمة إليهم .. وهم حين يفعلون كل هذا فإنما يكشفون للعالم كيف يمكنهم أن يتصالحوا مع قيمهم، ويتحدّوا أنفسهم، ويصححوا انحرافهم، ويرتقوا بمبادئهم، في تسامٍ على نقائصهم البشرية، وصقل لحسهم الروحي والوطني والإنساني.. ولا يمكن لكيان بشري أن يبلغ هذا إلا إذا تحققت لديه درجة عالية من الفاعلية، ووسّع من شبكة علاقاته الإجتماعية والثقافية .. وفي هذا دروس وعبر لمن تفكّر وتدبّر.
***
د. فوزية بريون ـ كاتبة واديبة وباحثة وأكاديمية ليبية
__________________