بقلم ميشيل كيلو
لفهم نجاح ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية، لا بد من استحضار بعض مقدماتها والتعريج على بعض نتائجها.
***
الجزء الثاني
على الصعيد الداخلي
تزامنت هذه التطورات والانعطافات الجديدة والحادة على الصعيد الخارجي مع معضلات داخلية واجهتها النظم الغربية عمومًا. تجلّت هذه التطورات في عجز القوى الحاكمة عن بلورة حلول عملية ومقبولة شعبيًا لمشكلات مجتمع متقدم تباطأ تطوره وتفاقمت مآزقه، ولم يمتلك بعد المعارف والقدرات الضرورية لمواجهة ما أنتجه تقدّمه من معضلاتٍ أدت إلى تخبط ديمقراطيته الليبرالية الشكل والتنظيم أمام مسائل لا تستطيع الرد على ما تطرحه عليه من قضايا تنتشر فيها وتغطي أكثر فأكثر مجمل قطاعاتها المجتمعية ونشاطاتها.
وفي المقابل لا تجد نخبها السياسية حلولًا لمشكلاتها؛ إما لأنّها غدت تقليديةً ومفوتةً، وإمّا لأنها تفتقر إلى تلك القدرات التجديدية التي كانت تبدعها بالأمس القريب طبقاتها المفكرة والمثقفة، وإمّا لأنّها لم تعد تدير ذلك الحوار المتشعب والثري الذي اخترق معظم القرنين التاسع عشر والعشرين، وتميز بصراع الفكرين البرجوازي والشيوعي في طور أوّل، ثم المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في مرحلة تالية، وبما فرضه حوارهما الصراعي عليهما في مجالاته كافةً من تدافع فكري نظري وعملي وتحديات تطلبت ردودًا دفاعية عن الذات نقدية للآخر، تجددت بها أفكار انصبّت على تطور المجتمع وأنماط إعادة إنتاجه المتنوعة. توقّف الحوار مع الآخر.
وأعقبه توقّفٌ شبه تام للحوار مع الذات، وتراجعٌ ملموس بلغ حد التلاشي للقوى الداخلية المطالبة ببديل للنظام. ومثّل دورها وحجمها تحديًا داخليًا دفع عددًا من القوى والجهات المضادة إلى منازلتها فكريًا وسياسيًا. كما حال العجز المتعاظم والفاضح بين النخب والأحزاب الديمقراطية الليبرالية دون إيجاد حلول لمشكلات مجتمعاتها الحديثة التي أنتجها تناقض المستوى الرفيع لتطورها التقني والفجوة الواسعة طبقيًا بين الفئات المرتفعة الدخل وتلك التي تعيش على مستواه الأدنى، وبين أهل البلد الأصليين، البيض في معظمهم والوافدين إليها من الملونين.
وبينما طرح التناقض الأول أسئلةً حول اندماجها الداخلي، طرح التباين الثاني عليها مشكلات هوية كانت تعتقد أنّها تخطتها وصارت وراءها منذ زمن بعيد. لذلك لم يخطر ببالها يومًا أنّها ستكون مشكلاتٍ حقيقيةً فيها، وستنتقل إليها من العالم المستعمر والمتأخر. وحين وجدت نفسها حيالها تركت حلّها للتطور الطبيعي، أو واجهتها بوصفها مشكلات عالم متخلف ولا بد أن تحلّ بصفتها هذه، مشكلات برانية بالنسبة إليها، بينما كان مجتمعها يتخذ منها مواقف تراوح بين الرفض والعداء، والقبول بها بوصفها جزءًا من عالمٍ آخر انتقل إليها، أضمر موقفها منه جوانب عنصرية يحكمها اللون والمنشأ والعرق.
برزت هذه الجوانب لدى قطاعات متعاظمة من البيض، تراجع لدى كثيرين من أفرادها ما كانوا يتبنونه من قيمٍ إنسانية وتشاركية صاحبت إيمانهم السابق بالقيم الاشتراكية وفقدوا قسمًا كبيرًا منها بعد سقوط التجربة السوفياتية التي عدّت أول الأمر معادلةً لها، ثم رفضت برفضها وسقطت بسقوطها.
باحتجاز الديمقراطية الليبرالية وعجزها عن مواجهة ما يطرحه المجتمع المتقدم عليها من معضلات، بخاصة منها معضلة الهوية التي اقتحمتها وطرحت عليها تحدياتٍ سياسيةً من نمط مفعم بالمذهبية والتعصب الحضاري، وبالسقوط التام لبديلها الاشتراكي/ الشيوعي، انفتحت تجربتها على تطور واجهت خلاله التناقض بين ما كان لها من قيم إنسانية وواقع التنوع الإثني والطبقي والثقافي/ الديني الذي توضع داخله، وسبق لها أن واجهته.
ولكن خارجها؛ في البلدان المستعمرة، حيث حلّته بأساليب الاستعمار القهرية ووسائله التي يصعب عليها تطبيقها داخلها بتلك الصور والأشكال القمعية التي اعتمدها خلال ماضيها الاستعماري، ولجأت عوض ذلك إلى العمل لإبقائها تجمعاتٍ طرفيةً داخل مجتمعها الخاص المتكور على ذاته، وبرانية بالنسبة إليه إلى الحد الذي تبدو معه وكأنّها لا تنتمي إليه ومهمشة بسبب لونها وثقافتها وأنماط سلوكها وعيشها وتفكيرها وأديانها ومعتقداتها.
في موقف كهذا، يقوّض الطابع الديمقراطي البرجوازي لنظام فقد قيمه وأقدم على التعامل مع قسم من مواطنيه بطرق جعلته خارجيًا وشبه استعماري، لا عجب أن تبرز فيه نزعات عنصرية ردًا على تحدي الهوية، ويذهب تطوره المحتجز اشتراكيًا ويساريًا إلى خيار غالب النزعات اليمينية التي يرجح فيها الطابع العنصري ويخترق جميع أحزابها، بما في ذلك الشيوعية منها، ويُحدث انزياحًا خطيرًا في مواقف المدرسة الليبرالية بصورة خاصة، ويتحدى في الوقت نفسه ديمقراطيتها التي رفضت النازية قيمها باسم العرق، وشرعت ترفضها هي ذاتها اليوم باسم صدام الهويات والحضارات، بالاتكاء على قيم ما قبل ليبرالية، تهدد بإعادة النظر في كثير مما تم إنجازه منذ الثورة الفرنسية إلى اليوم، ليس على صعيد فرنسا وحدها، بل على الصعيد الدولي أيضًا.
تزامن هذا التحول مع تهالك الأحزاب التي كانت قد ظهرت قبل عقودٍ عديدة خلال مطالع العصر البرجوازي/ الليبرالي وأواسطه، وعملت أدوات سياسية للطبقة الرأسمالية، قادت ثورتها ثم بناء نظامها الاقتصادي/ الاجتماعي، وهي تكاد تتلاشى في أيامنا، تاركةً مكانها فارغًا لبديل يميني ينمو داخلها ومن حولها، يطرح برنامجًا التقطه ترامب.
ويقوم هذا البرنامج على إقصاء الآخر وإخراجه من المجال العام واحتوائه ضمن هوامش برانية بالنسبة إلى “المواطنين الأصليين“، تمثل معازل لا بد أن تكون مراقبةً بإحكام وخاضعةً لآليات إعادة إنتاج ونمط عيش يبقيها خارجية بالنسبة إلى المجتمع الأصلي، وفي أدنى سلّمه.
بتلاشي القيم الإنسانية والليبرالية/ البرجوازية من هذا التوجه اليميني الذي يتصاعد في حياة أوروبا السياسية، على صعيد أحزابها بصورة خاصة، ويفضي إلى صعود يمين جديد عنصري ومعادٍ للديمقراطية وقيمها وللمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، يقاسم اليمين الإسلامي الإرهابي قيمه الرئيسة، نما هذا الميل في أميركا داخل جزء من “الاستبليشمنت“، هو الحزب الجمهوري الذي رشح ترامب نفسه لانتخابات الرئاسة باسمه، وفاز بأصوات مجتمع أصلي وعدَه بإدارة مشكلة الهوية وتفرعاتها من موقع يميني/ عنصري قريب من مواقع اليمين العنصري الأوروبي الذي يتفشى بسرعة في كل مكان بوصفه ردًا لاعقلانيًا وما قبل سياسي حديث على الإرهاب وأمواج اللاجئين.
وفي فوزه إقرار بضرورة إعادة النظر في النموذج الديمقراطي/ البرجوازي وتعديله في ضوء قيم يمليها “صدام الهويات” الذي لا يدور اليوم بين داخل وخارج فحسب، بل انتقل إلى داخل مجتمعاته. وصار احتواؤه رهنًا بتجديد قيم ديمقراطية/ إنسانية، وهو تحدٍ يواجه اليوم المثقفين والأحزاب التاريخية، الاشتراكية والليبرالية، أو بقبول قيم اليمين الهوياتي/ العنصري الذي أوصل أحد منتسبيه إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة.
ويمثل ذلك خطرًا غير مسبوق على الإنسانية، يفاقم مفاعيله ما سبق شرحه حول انهيار النظام الدولي وعلاقات الدول الكبرى ببعضها، والميل إلى استخدام القوة والسلاح لتسوية نزاعات دولية على قدرٍ كبير من التعقيد، تتمسك بها قوى جبارة وتدافع عنها. سيمسك ترامب من الآن فصاعدًا بأعظمها، بما يحمله نهجه من احتمالات فائقة الخطورة، بالنسبة إلى الطرق التي سيستخدمها في الدفاع عن تفوّق بلاده الدولي في الخارج، واندماج مجتمعها في الداخل.
وستعتمد تصنيفاتٍ ستضع في حال تطبيقها ملايين الأميركيين خارج النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني، وستعاملهم بوصفهم استطالةً خارجية متوضعة داخل جسد البلاد الأصلي الذي يرفضها ويجب أن يتخلص منها، إذا أرادت استعادة عظمتها، مع التأكيد أنّ الاستعادة لن تتم بعد اليوم بالقيم التي صنعت واقعها الراهن ، بل ستتم بقيمٍ جديدة مناهضة لها تبطل طابعها الجمعي والتشاركي. هي قيم ما قبل مسيحية مناهضة للمساواة في المواطنة بوصفها إطارًا حقوقيًا/ قانونيًا جامعًا، ودمجية تقتصر على اليانكي وإقصائية تخرج غيرهم من المجال العام.
لذلك يجب أن تتسم بقدرات تحشيدية تذكّر بالنازية والفاشية، وتفكيكية تذكّر بالاستعمار، تربط الإثنية البيضاء بقيم الأصالة والإبداع التي صنعت أميركا العظيمة. وتربط غيرها بقيم الكسل والتخلف والبلادة الفكرية والجسدية التي تقوّضها وتجعل من هؤلاء قطيعًا طفيليًا يجب التخلص منهم.
انعكاسات دولية محتملة
هذا الاحتجاز الدولي الخارجي القائم على إعادة اقتسام العالم عبر سياسات صراعية ومسلحة وحروب بالوكالة قد تتحول إلى حروب مباشرة، والذي أنتج قدرًا من التوتر في علاقات واشنطن والعواصم الغربية مع موسكو أغرى كثيرين بالحديث عن حرب باردة جديدة. كما أثار مخاوفهم من نشوب حرب عالمية قالت إحدى محطات التلفزيون إنّ رئيس الصين أعلم شعبه باحتمال نشوبها، وعبّر عن أمله في ألّا تستخدم الأسلحة النووية خلالها.
في المقابل، وبسبب الاحتجاز الداخلي للنظام الديمقراطي/ الليبرالي وما يواجهه من مشكلات بنيوية لا حلول لديه لها، بما يملكه من خبرة تاريخية وعدة أيديولوجية وآليات سياسية وإدارية، يخشى جديًا أن يحلّ العالم المتقدم مشكلاته الداخلية بتصديرها في صورة أعمال عنف وإفقار إلى الخارج، أو إلى التخلص منها بالهروب إلى تدابير داخلية تعيد إنتاج مجتمعات أخذ تنوع مكوناتها يغدو عاملًا يحمل عناصر تفجير جدية في أوضاعها، يجنح تيار عنصري يميني متزايد النفوذ والقوة إلى معالجتها من خلال آليات حكم مغايرة أو معادية للديمقراطية ولميراثها السياسي والفكري.
يتقارب مع هذا التيار جناح يميني تفرزه ذكريات جماعة ما قبل مجتمعية، ما قبل حديثة، والليبرالية المتعاظمة الإفلاس أيديولوجيًا وممارسةً.
يبدو أنّ الرئاسة الأميركية ستنضم إليه في ظل دونالد ترامب الذي كسب انتخابات الرئاسة ببرنامج سبق أن عرض بعض مقوماته الفاشية وملامحه المعادية لقيم المساواة والعدالة الإنسانية المحمّلة بالأحكام المسبقة والإقصائية.
قبل الختام،
من المهم الحديث عن النشوة التي شعر بها اليمين الأوروبي بعد نجاح ترامب في أميركا، وعبّر عنها قادته في كل مكان، بخاصة في فرنسا، حيث تحظى زعيمته مارين لوبين بنسبةٍ من أصوات الناخبين تكاد تعادل ما يحصل عليه مرشحَا الحزبين التاريخيين، الاشتراكي والديغولي.
وسواء أفازت في انتخابات الرئاسة الفرنسية الوشيكة أم فشلت، فإنّ تقدّم تيار لوبين وحزبها يرجح أن يتعزز إلى أن تجد الديمقراطية الليبرالية مخارج من مأزقها الشامل، وتقرر فتح حوار مجتمعي واسع وصريح حول بدائل لسياساتها وخياراتها، يعيد إحياء البعد الاشتراكي للسياسة الأوروبية، ويرى فيه عامل تجديد روحي للمجتمع، لا بد منه لمواجهةٍ مشتركة بينها وبين العنصرية بوصفها تيارًا يعجز اليوم عن تأمين ما هو ضروري من أفكار وآليات عمل لكبحه واحتوائه وفي الختام دحره.
على الديمقراطية الليبرالية أن تنفتح على نسخةٍ جديدة وموسعة من العدالة الاجتماعية والقراءة الإنسانية المتجددة لقيم الحضارة المدنية البرجوازية، وإلّا انهارت في زمن غير بعيد.
هذا إذا لم يقع صدام دولي يتسبب فيه زعيمان فاشيان، يجلس أحدهما في الكرملين وثانيهما في البيت الأبيض. بينما تنزلق البشرية نحو زمن فوضى شاملة وبربرية من النمط الذي طبّقه بوتين وأوباما في سورية، وتنحدر إلى دركٍ من الوحشية سيطبع حياة المجتمعات المتقدمة أيضًا بطابعٍ يخلو من القوانين والقيم والمبادئ الناظمة لعيش البشر المشترك، ستنتجه الديمقراطية الليبرالية التي لطالما اتهمت الاشتراكية بالتسبب فيه، مكذبةً بذلك نبوءة فوكوياما حولها بوصفها نظامًا نهائيًا لا بديل منه لبنِي الإنسان.
***
ميشيل كيلو ـ كاتب ومحلّل سياسيّ ومترجم سوري. شغل منصب رئيس مركز حرّيات الدّفاع عن حرّية الرّأي والتّعبير، إضافة إلى نشاطه في لجان إحياء المجتمع المدنيّ، وكان أحد المشاركين في صياغة إعلان دمشق. عضو بارز في الائتلاف الوطني السوري المعارض.
___________________