بقلم عبد الستار حتيتة
يقدر عدد قطع السلاح في أيدي الميليشيات حاليا بنحو 20 مليون قطعة. ومما ساعد على تقوية الميليشيات لنفسها استيلاؤها أيضا على أرشيف المخابرات والأمن في طرابلس، وتقاسمها السيطرة على مطارات وموانئ بحرية ومعسكرات الجيش في المنطقة الغربية داخل العاصمة وفي محيطها مع ميليشيات أخرى،
واتسع على هذا نشاط الهجرة غير الشرعية عبر المراكب في البحر المتوسط، وتحول قادة المجاميع المنفلتة إلى حكام على ضواحي طرابلس، وانتشرت أعمال القتل والنهب وسرقة المصارف ومحال المجوهرات وخطف المواطنين للحصول على فدى مالية من ذويهم.
ويقول رجب بن غزي، المحلل السياسي الليبي: «لم يعد أحد يطيق الحياة في العاصمة في ظل هذه الظروف. لا توجد خدمات. والرعب في كل مكان». ومما زاد من معاناة سكان العاصمة الذين كان عددهم يبلغ نحو مليوني نسمة، ارتفاع وتيرة الصراع على السلطة بين الميليشيات طوال السنوات الخمس الماضية.
أصبح مستقبل طرابلس غامضا وأكثر تعقيدا من السابق بعد انسحاب غالبية المجاميع المسلحة من المنطقة الشرقية إلى العاصمة وضواحيها، بمن في ذلك مقاتلو الميليشيات المتطرفة ممن قدموا من بنغازي ودرنة وسرت، كما جرى قبل أيام طرد آخر بقايا الميليشيات من منطقة براك الشاطئ في الجنوب على يد عسكريين محترفين يعلمون تحت إمرة المشير حفتر.
ومما ساهم في إنهاء تواجد الميليشيات في الشرق الليبي التماسك القبلي الأكثر وضوحا مما هو عليه في طرابلس ودعم الجيش الوطني بغض النظر عن اسم من يقوده.
يقول صالح بوخريص، من قيادات قبيلة العواقير في بنغازي والرئيس السابق لغرفة التجارة بالمدينة: «نريد دولة نشعر فيها بالأمان»، مشيرا إلى تمكن الجيش من فرض سيطرته على الشرق. لكنه يتطلع إلى المستقبل وهو ينظر إلى انتشار الميليشيات في غرب البلاد قائلا: «وماذا بعد؟».
وفي الجانب الآخر يشعر مارتن كوبلر، المبعوث الأممي إلى ليبيا، بالقلق من تزايد حشود الميليشيات في طرابلس، ويسعى لاستبدال حرس رئاسي بها يتولى تأمين العاصمة. ويقول إن هذا الحرس لن يكون بديلا عن «جيش ليبي موحد». وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى محاولة مماثلة كان رئيس الحكومة الليبية الأسبق، الدكتور(!) علي زيدان، قد بادر للقيام بها وقتذاك، وهي ضم الميليشيات في جهاز اقترح أن يكون اسمه «الحرس الوطني»، إلا أن المهمة لم تكتمل بسبب مقاومة قادة الميليشيات لها. وبعد مرور أكثر من عامين على تجربة زيدان لا يبدو أن خطة كوبلر ستجد آذانا صاغية إلا إذا جدت في الأمور أمور. * خلافات حول إعادة بناء مطار طرابلس الدولي
أحد قادة الميليشيات الكبيرة في العاصمة طرابلس يضغط على المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج من أجل الموافقة على صفقة يريد أن يمررها لصالح عدد من أصدقائه من رجال الأعمال الأتراك. تبلغ قمية هذه الصفقة نحو ملياري دولار وتخص إعادة بناء مطار طرابلس الدولي الذي كان قائد الميليشيا نفسها من المتسببين في إحراقه وتدميره أثناء الحرب بين ميليشيات طرابلس والزنتان في عام 2014. وفي يوم السبت الماضي تقدمت ميليشيا منافسة اسمها «ميليشيا محفوظ» إلى محيط المطار المحترق لمنع دخول أي مستثمرين إلى المنطقة، بينما توجهت ميليشيا أخرى إلى مبنى المصرف المركزي في محاولة لمنعه من تخصيص الأموال المطلوبة لبناء المطار، وقامت ميليشيا ثالثة بالتمركز بأسلحتها وعناصرها قرب المطار للتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك.
وقال مسؤول أمني في العاصمة: «بعض الميليشيات تؤجر نفسها لمن يدفع أكثر». سبائك الذهب وحظ «خشيبة» العاثر
وصلت معلومات إلى سبع ميليشيات على الأقل في طرابلس عن أهمية رجل اسمه «خشيبة». تقول المعلومات إن «خشيبة» مخزن أسرار قائد كبير في الجماعة الليبية المقاتلة ممن أصبح بعد سقوط نظام القذافي من أصحاب المليارات ويمتلك قصورا وفيلات وسيارات فخمة في عدة دول في البحر المتوسط.
وبدأ التنافس المحموم بين هذه الميليشيات للقبض على خشيبة لمعرفة باقي ثروة القائد، الذي كان حتى سنوات قليلة مضت مسجونا لدى المخابرات الدولية بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. وتمكنت اثنتان من الميليشيات المتعاونة من القبض على خشيبة أخيرا في منطقة قرقارش بطرابلس، في عملية معقدة قادها رجل يدعى «طنيش» وجرى فيها استخدام جواسيس بالعاصمة ودفع أموال ضخمة.
الميليشيا الأولى «داعشية» يقودها رجل يدعى المدهوني مقره في زوارة.
والثانية يقودها رجل يدعى غنيوة مقرها في أبو سليم. وبدأت عملية مشتركة من أبشع أنواع التعذيب لإجبار خشيبة على الكلام، وبعد أن شارف على الموت بدأ في الكشف عن مخابئ ما تبقى من ثروة الملياردير المشار إليه.
وتقول التحقيقات في القضية إن المدهوني وغنيوة وباقي الميليشيات كان لديهم علم بأن الملياردير وضع يده أيام الفوضى في ليبيا في 2011 وما بعدها على أكثر من عشرة آلاف كيلوغرام من الذهب، إضافة لصناديق من العملات الأجنبية. لهذا كان خشيبة صيدا ثمينا، خصوصا أن ما جرى إخراجه من ليبيا حتى ذلك اليوم لم يزد على عشر حقائب من سبائك الذهب تزن 650 كيلوغراما. وكشف خشيبة عن مكان جانب من كميات الذهب والأموال، وقال، وهو تحت سياط التعذيب وأسلاك الكهرباء، إنها مخبأة في كسارة حجارة مهجورة بمنطقة جبل قديح.
جانب آخر من الثروة كان في مقر سكني مغلق في سوق الخميس، وفي مزرعة للبطيخ والخضراوات، وفي منطقتي قرقاش وزناتة، وفي استراحة مهجورة على طريق خلة الفرجان. ودل خشيبة أيضا على من جرى نقل الأموال إليهم داخل ليبيا وخارجها من قيادات إخوانية وأخرى في الجماعة الليبية المقاتلة.
وظهرت جثة خشيبة مؤخرا ملقاة على قارعة الطريق قرب ضاحية الأندلس في العاصمة.
تعاون واحتراب وتعاون جديد
من الصعب أن ترصد تعاونا على طول الخط أو احترابا على طول الخط بين الميليشيات الليبية. وجاء اسم الميليشيات للقوى المسلحة على الأرض لأنها لا تتبع القوانين النظامية العسكرية المتعارف عليها سواء كانت ميليشيات جهوية أو مذهبية أو حتى «داعشية». فبعض ميليشيات مصراتة كانت تتعاون مع ميليشيات بنغازي رغم أن ميليشيات بنغازي كان فيها «دواعش». ثم حين بدأت مصراتة تقود الحرب ضد «داعش» ضمن عملية البنيان المرصوص، وجدت نفسها في مواجهة أصدقاء الأمس الذين انتقلوا من بنغازي للانضمام لدواعش سرت.
الحال نفسها بين الميليشيات التي يقودها زملاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة؛ فبعضهم يؤيد المجلس الرئاسي وحارب مع قوات البنيان المرصوص، وبعضهم يؤيد مناوئيه وقدم دعما لدواعش سرت.
وعلى سبيل المثال، يوجد تعاون وخيوط اتصال بين دواعش طرابلس وبعض عناصر مجلس أبو سليم العسكري في العاصمة، وبين ميليشيات الغرياني وميليشيات مصراتة، رغم أن ميليشيات الغرياني تقف ضد شن الحرب على «داعش» في ليبيا. وكذلك الحال بين ميليشيات جديدة لرجل يدعى الورفلي وميليشيات زميله أبو المنذر في طرابلس. وبعد أن كانا يتعاونان في تمرير صفقات الأسلحة والمقاتلين من جنسيات مختلفة، دخلا في اقتتال ضار قبل يومين بسبب خلاف على صفقة تضم سبعين شابا متطرفا جرى جلبهم من تونس. وعموما ظهر خلال الحروب التي خاضتها الميليشيات بما فيها الحرب ضد «داعش»، عدم انضباط أو التزام بالأوامر ما تسبب في مقتل كثير من الشبان. فقد كانت بعض الميليشيات تنسحب فجأة بقرار منفرد وتترك جبهة الحرب وتترك ظهور الميليشيات التي تحارب معها مكشوفة للخصم.
نهاية مدير السجل المدني
في مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قتلت ميليشيا في العاصمة الليبية، الصديق النحايسي، مدير مصلحة السجل المدني وأحد مساعديه. وتشير التحقيقات الجارية حول هذه القضية إلى أن عناصر من الجماعة الليبية المقاتلة وراء تصفية الرجل ومن كان معه، بسبب رفضه الانصياع لطلب عدة ميليشيات تسجيل مقاتلين أجانب على أنهم ليبيون. وفي دولة تعاني من الفوضى قاوم مدير المصلحة رغبات قادة ميليشيات من طرابلس ومصراتة، لمنح ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» لهؤلاء الأجانب، وهي كتيبات تشبه بطاقة الهوية لكنها تعطي الحق لحاملها في صرف أموال شهرية من المصارف يبلغ قدرها نحو 500 دولار. كان الخلاف الذي أدى لمقتل النحايسي يدور حول تسجيل 250 من المقاتلين المصريين والتونسيين والجزائريين والسوريين على أنهم ليبيون.
ميليشيا تبيع معدات وأجهزة مطار طرابلس
ميليشيا كبيرة في طرابلس يديرها عسكري سابق من مصراتة، تتعرض للابتزاز من قائد ميليشيا أخرى، يديرها رجل يدعى «الشركسي»، لها تواجد في كل من طرابلس ومصراتة والجفرة. الموضوع تحقق فيه جهات أمنية ليبية، ويدور حول تسجيلات فيديو لدى كتيبة الشركسي تزعم أنها تثبت قيام الميليشيا الأولى بنزع معدات مطار طرابلس قبل حرقه وبيعها لتجار في تونس. ووفقا للتحقيقات، فإن كميات الألمنيوم وحدها التي جرى سرقتها من المطار وصل وزنها إلى خمسين ألف طن، وجرى تهريبها في شاحنات إلى تونس عبر الحدود البرية لصالح تجار تونسيين، وبلغت قيمة الصفقة من ألمنيوم وأجهزة ومعدات أكثر من عشرة ملايين دولار، واستمرت عملية النقل عبر عشرات الشاحنات لمدة أسبوعين.
وتحقق الجهات المعنية في مزاعم الشركسي عن أن المطار جرى حرقه بعد الاستيلاء على ما فيه من معدات وهياكل ثمينة، وليس قبل ذلك كما يزعم القائد العسكري، الذي شارك في قيادة الحرب على ميليشيا الزنتان، التي كانت تتحصن في ذلك الوقت في المطار. وتتضمن تحقيقات الجهات المختصة عمليات نهب أخرى جرت لمعدات تخص الحقول النفطية خلال العامين الماضيين، منها سيارات ومولدات كهرباء وحواسب آلية وأطنان من الحديد وغيرها.
ميليشيا تتخصص في سرقة الوقود
في يوم من أيام شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سرقت واحدة من ميليشيات بلدة الزاوية ما يقرب من خمسة ملايين لتر من البنزين في يوم واحد من مصفاة المدينة للنفط التي تقع قرب طرابلس؛ جرت السرقة على يد ميليشيا يديرها رجلان الأول يلقب بـ«المصري» والثاني بـ«الحنيش». وباستخدام المدافع المنصوبة على 20 من سيارات الدفع الرباعي، أجبرت الميليشيا نحو مائة شاحنة تحمل كل منها نحو 50 ألف لتر من البنزين على التوجه إلى الميناء البحري، حيث جرى إتمام صفقة البيع لصالح تاجر تونسي وآخر مالطي في البحر المتوسط.
والمثير في الأمر أن التحقيق في هذه الواقعة كشف عن تورط ميليشيا أكبر تتمركز قرب الزاوية في إدارة مثل هذه العمليات، وتعرف باسم «ميليشيا كشلاف»، عن طريق الاستعانة بميليشيات أصغر، بشكل يومي. ووفقا لتقديرات مسؤول في وزارة الداخلية الليبية، زادت الكميات المسروقة إلى نحو سبعة ملايين لتر يوميا من البنزين والديزل. وتتجه التحقيقات الأمنية إلى فتح ملف سرقة النفط عموما على أيدي الميليشيات سواء تلك التي كانت تهيمن على موانئ التصدير في شرق أو في غرب البلاد.
___________
الشرق الأوسط
***