بقلم مهاجر

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%87%d8%a7%d8%ac%d8%b1كثير من الناس يعتقدون ويصرون على أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة هي أكبر نعمة تحققت للحراك الجماهيري والتنظيمات الشعبية والاحتجاجات السياسية.

هذه الرؤية يمكن فهمها وتفسيرها بكل سهولة بعد الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا الفيسبوك، وتويتر، بعد الطفرة التي حصلت في التقنية الرقمية مع بداية الألفية الثانية، وتزامن ذلك مع الزيادة الهائلة في الانتفاضات الشعبية خلال الفترة نفسها، وكان ذلك واضحا في تنظيم الثورات في تونس ومصر، من خلال توفير المعلومات في الوقت المناسب للمتظاهرين في الميادين.

ولعل من الأدلة الأكثر وضوحا، أن وسائل التواصل الإجتماعي مكنت من تخفيظ تكاليف التواصل بين النشطاء لمعرفة  معلومات أساسية أين، وكيف، ولماذامطلوبة لتحقيق تفاعل كبير بين المواطنين مع التظاهرات والاحتجاجات، كما كان ذلك واضحا في تأثير تويتر خلال الثورة الأوكرانية عام 2014 .

بالطبع هناك منصات أخرى، مثل يوتيوب، التي تساعد في نشر المرئيات حول الكيفية التي يمكن بها إنجاح الإحتجاجات السلمية على نحو فعال، وذلك ما ساعد التحركات الشعبية والسياسية على بناء القدرات التنظيمية لنشطائها. كما أن حظر السلطة لتجمعات المظاهرات والحملات الشعبية، جعل من وسائل التقنية الرقمية مثل الفيسبوك أو ريديت مبررا لخلق منابر بديلة وسهلة من خلال التواصل في الفضاء الافتراضي والذي يصعب إيقافه.

قد يجادل بعض المتفائلين  بالأهمية القصوى لدور الانترنت أن وسائل التواصل وفرت مساحة كبيرة ومهمة للحوار الفاعل في خضم الصراع، وتقدم خيارات بديلة لتحرك  الجمهور والنخب على الرغم من رقابة الأنظمة. بطبيعة الحال، فإن شبكة الإنترنت مكنت النشطاء من إبراز السردية الخاصة بهم، وهو أمر مهم خاصة عندما تتحكم السلطة في وسائل الإعلام الرئيسية تحكما مطلقا.

ولكن على الرغم من كل هذا التفاؤل بما يعرف أحيانا بـ تكنولوجيا التحرير” ، فهي ليست، في الواقع، ما جعل التظاهرات المطالبة بالديمقراطية أكثر فعالية. صحيح أننا رأينا حلقات متواصلة واعدة من التحركات الشعبية منذ انتشار الاتصالات الرقمية أكثر مما رأيناه قبلها، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن الارتفاع المذهل للمقاومة السلمية اللاعنفية جاء قبل فترة طويلة من ظهور الإنترنت.

فالمقاومة السلمية كانت واسعة الانتشار منذ استخدامها في الثلاثينيات والأربعينيات بدء بالمناضل السلمي غاندي .

ولكن في الواقع، أصبحت المقاومة السلمية اللاعنفية أقل نجاحا مقارنة بما كانت عليه قبل الإنترنت. حيث تشير الدراسات أن ما يقرب من 70 في المئة من حملات المقاومة المدنية نجحت خلال التسعينيات ولكن فقط 30 في المائة منها نجح منذ عام 2010.

هناك عدة أسباب محتملة لتفسير هذا الفرق، ولعل أهمها:

أولا: أن الأجهزة القمعية للأنظمة تمكنت من استغلال وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من النشطاء ، فالأنظمة هي أكثر قدرة ماليا وفنيا وبشريا على توظيف تلك الوسائل بفاعلية .

فعلى سبيل المثال، في خضم الانتفاضة الليبية في عام 2011، قام نظام الدكتاتور القذافي بنشر رسائل تهديد مباشرة عبر شركة الهاتف المحمول (ليبيا والمدار) في ليبيا، وذلك من خلال إرسال رسائل نصية تحذر وتهدد الناس الذين يفكرون مجرد التفكير في عدم الذهاب لأعمالهم، وأن عدم الامتثال لتلك الرسائل سيكون له عواقب وخيمة عليهم.

ولعل ذلك كان واضحا أيضا في قدرة النظام الروسي على تجنيد (الهاكرز) لاختراق صفحات وحسابات واتصالات النشطاء والمعارضين مما مكن أجهزة الأمن الفاشية من استباق الأحداث وسحق أصغر الاحتجاجات قبل انطلاقها.

وعلى الرغم من توقعات الناس بأن التقنية الحديثة توفر إمكانية إخفاء الكشف عن هوية النشطاء العاملين على شبكة الإنترنت، وإنهاء الرقابة الحكومية للإنترنت وجعله شيئا من الماضي، فإن عمليات التجسس والتضليل مورست في أعتى الديمقراطيات في العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، قامت وكالة الأمن القومي بالتنصت بدون إذن قضائي على المواطنين لسنوات طويلة، وقد استفادة من تعاون شركة (ياهو) معها في تجميع المعلومات عن مستخدمي البريد الإلكتروني لديها، وربما كان ذلك هو قمة جبل الجليد في هذا المجال.

لا شك أن الأجهزة الأمنية المحلية في أغلب الدول تقوم بمراقبة وسائل التواصل الإجتماعي لجمع المعلومات عن النشطاء في مناطقهم، وكان ذلك أمرا ليس سهلا قبل الإنترنت حيث كانت الأجهزة الأمنية مضطرة إلى توفير موارد مالية وبشرية كبيرة لمتابعة النشطاء المعارضين، أما في الوقت الراهن فإن الفضاء الرقمي الافتراضي المفتوح يشجع الناس على الإفصاح عن معتقداتهم وأرائهم وهوياتهم الفكرية السياسية والإجتماعية والدينية وبكل فخر وبدون تحفظ، مما أعطى الأجهزة الأمنية فرصة أكبر لاستهداف النشطاء بفاعلية أكبر بعد التعرف على نواياهم وأهدافهم. صحيح أن هناك في المقابل وسائل وتقنيات متوفرة للناس، تعطيهم إمكانية حماية خصوصياتهم، ولكن الواقع يؤكد بأن تلك التقنيات لا يمكن أن تصمد طويلا أمام خصم عنيد ومتخصص وعلى قدر كبير من الإمكانيات المادية والفنية والبشرية (المبرمجين البارعين الذين يتحولون إلى هاكرز مقابل الإغراءات المادية أو التهديدات القانونية) .

ثانيا: الإعتماد الكلي على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل نشطاء المجتمع المدني والحركات والمنظمات الشعبية أضرت بتجربة المشاركة الشعبية.

كثير من نشطاء الإنترنت الذين ربطوا وأعطوا اهتمامهم بقضية ما لفترة قصيرة من الزمن، فشلوا في الاستمرار في المشاركة الفاعلة في النضال من أجل تلك القضية لإن بناء الثقة بين النشطاء والجماهير في التجمعات والمناطق المهمشة أو المظلومة يأخذ وقتا طويلا وجهدا كبيرا، وتفاعلا متواصلا، وهذا يتطلب اتصالا وتواصلا مباشرا ( وجها لوجه في كثير من الأحيان) على مدى فترة زمنية طويلة، أما عندما تقوم الحركات النضالية بالتعبئة دون تحقيق هذا النوع من الثقة والوحدة الداخلية، فإنها قد تكون أكثر عرضة للخضوع للضغوط، والفشل في تحقيق أهدافها.

الأمر الآخر هو أن المشاركة في النشاط السياسي عبر العالم الافتراضي أحيانا يقوي شعورا خادعا لدى المناضل بأن جهده يحقق تقدما كبيرا نحو الهدف، ولكن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها المناضل بأن إحداث تغيير حقيقي في المجتمع وفي القضية التي يناضل من أجلها يتطلب قدر أكبر من التفاني والتضحية لا تحققها الجهود عبر وسائل التواصل الاجتماعي لوحدها.

ثالثا: هناك احتمالية كبيرة بأن بعض الجهود عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تفرز نتائج عكسية وتأثيرات سلبية على الهدف المطلوب، وذلك من خلال تمكين العناصر المتشددة (والمسلحة خاصة) من الاستفراد بالحراك وإقصاء النشطاء السلميين والإعداد لأعمال عنف ضد السلطة والدفع بالناس في مواجهة غير متكافئة مقابل الآلة البوليسية الوحشية للنظام الحاكم، فمثلا وجد باحثون سياسيون أن انتشار الهواتف المحمولة في أفريقيا كان له علاقة بزيادة العنف في المجتمع.

على العكس من ذلك، إذا استخدم النشطاء وسائل التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن العنف التي تقوم به قوات الأمن، فإن الكثير من النشطاء الجدد قد يتراجعون عن المشاركة في تظاهرة كبيرة مبرمجة للخروج إلى الميادين في اليوم التالي. وبالتالي فإن مثل هذه البلاغات يكون لها عواقب سيئة غير مقصودة. فبدلا من حشد أعداد كبيرة من الجماهير الغاضبة في الحراك المنشوذ، فإنها تؤدي إلى صد العديد منهم للمشاركة والنفور من دخول مخاطرة المشاركة في المظاهرات، وبالتالي يتمكن المتشددون في الحركة من الإندفاع للمزيد من التهور وخطف المشروع لأهدافهم المتشددة الخاصة.

هذا الأمر يرتبط بمسالة سلبية أخيرة وهي أن المعلومات المضللة والإشاعات والأكاذيب وأخبار التشهير يمكن أن تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي أسرع من انتشار الحقائق والمعلومات الأكيدة والموثوقة، ومن الأمثلة الماثلة أمامنا تلك التقارير الإخبارية المتتالية التي تتحدث على الروس الذين اخترقوا شبكات الإنترنت لإختراق مراكز الإنتخابات الأمريكية والذين كانوا لعدة أشهر يتصيدون الفرص للتلاعب بالمعلومات والأخبار حول فرص النجاح للمرشحين وذلك لإحداث المزيد من الاستقطاب في المجتمع الأمريكي بهدف التأثير على نتائج الإنتخابات لصالح ترامب.

التضليل يكون أكثر فاعلية ويحقق تفاقما في الأوضاع عندما يتوافق مع الحقيقة المطلقة التي تؤكد أن الشعوب والغوغاء تميل أكثر لمصادر الأخبار التي تتفق مع صحة معتقداتهم السابقة.

ينبغى على النشطاء أن يدركوا بإن غرف الصدى السائدة في وسائل التواصل الاجتماعي تعمل على المزيد من الانقسام والتشظي في المجتمعات الهشة بدلا من توحيدها وراء القضايا المتفق عليها.

إن أولئك الذين ينطلقون من حسن نواياهم ويجتهدون في التعامل الحذر عند الإطلاع على الأخبار والرسائل ويعتمدون المصادر الموثوقة لديهم فإنهم يتسببون في بعض المشاكل عن حيث لا يشعرون، فمثلا أثبتت التجارب بأن رؤية سقوط طاغية على الفيس بوك (بن علي مثلايشجع النشطاء والمحتجين والمعارضين في لبلد مجاور (ليبيا مثلا) على الخروج على النظام بنفس الاسلوب وبالسرعة أياها، ولكن الواقع أثتبت أن استنساخالتجربة من حيث التكتيكات والأساليب التي استخدمت بنجاح في دولة ما قد يودي تنفيذها في دولة أخرى إلى عواقب وخيمة.

وبالنظر المتأني في التجارب التي مرت بها ليبيا واليمن وسوريا يتضح لنا خطورة هذا التأثير السلبي لهذا الاستنساخ الروتيني. نعم لقد كان من السهل للناشطين في تلك الدول مشاهدة انطلاق أنتفاضات الربيع العربي في تونس ومصر وبالتالي انتشر بصورة هائلة استنتاجا يقول بأنه إذا استطاع المعارضين والمحتجين حشد جماهير الشعب في الساحات العامة مطالبين باسقاط النظام، فإنهم سيتمكنوا من الإطاحة بالطغاة في بلدانهم بنفس الطريقة التي تمت في تونس ومصر ولكن هذا الاستنتاج لم يحسب حساب التعبئة والتجربة النضالية التي تحققت في كل من تونس ومصر ولعدة سنوات قبل إسقاط بن على ومبارك، والتي لم تتوفر في الحالة الليبية والسورية، فالغالبية الصامتة من الشعبين الليبي السوري لم تتعلم وسائل النظال السلمي من خلال تجربة خاصة بكل منهما، ولكن سهولة استنساخ المشهد التونسي والمصري مما دفع بالشباب الليبي والسوري إلى الإعتقاد الخاطئء بقدرتهم على الإطاحة بالقذافي والأسد من خلال إنتفاضات السلمية.

التجارب الإنسانية أثبتت أن المحتجين والمعارضين في مكان ما قد يتعلمون الدروس الخاطئة من الثورات التي سبقتهم بعدة قرون.

إنه من شبه المؤكد بأن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة قد أدت إلى تفاقم هذه المعضلة من خلال التشجيع على نشر بعض الصور البسيطة والمؤثرة وفي جرعات صغيرة ولكنها لم تدعو أو تشجع على القيام بالدراسة والتحليل التوعوي المنهجي.

***

كتب أحد الباحثين السياسين مع انطلاق انتفاضات الربيع العربي، كان المناضلون يعرفون بقضاياهم وأهدافهم ومنهجيتهم، أما الآن فهم يعرفون بأدواتهم ووسائلهم وتكتيكاتهم

وهذا أمر سيئ جدا، خاصة عندما يتعلق الأمر ببرنامج ومشروع لبناء حملات جماهيرية شعبية مرنة وصلبة، مطلوبة لأحداث التغيير وإسقاط الدكتاتورية ولكنها مطلوبة أكثر للنجاح في التحول الديمقراطي والتنمية السياسية والبشرية.

وأخيرا، أقول بأننا بدلا من رؤية المزيد من الإخفاقات في تجارب التغيير والتحول الديمقراطي، حيث يحدث الفشل في حشد الناس للتغيير بأساليب سلمية غير غنفية، يجدر بنا اعتماد فهم أعمق وأكثر تعقيدا وواقعية لتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي التي تسبب في إنجاح الجهود القادمة لإحداث التغيير السياسي والتحول الديمقراطي المنشوذ.

____________

منبر ليبيا

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *