هل تفتح الثورات الديمقراطية العربية ،على هشاشتها الراهنة، أفقا جديدا للوحدة والتكامل المغاربي، بعد أن نعى المثقف العربي الوحدوي سابقا أفق الوحدة والديمقراطية نهائيا تحت وطأة فشله في مهمة الإصلاح السياسي المحلي في حده الديمقراطي الليبرالي الأدنى، و تسليمه النهائي برسوخ الدكتاتورية في بنية الثقافة والسياسة العربيتين ؟

الواقعية السياسية ،ولو كانت في محيط متفجّر وعنيف كالذي نحن بصدده الآن، تتيح لشعوب المغرب العربي فتح هذا الأفق الواقعي نحو الوحدة المغاربية بمداخل جديدة رغم كل الخيبات السابقة.

تعدد الطرق نحو الديمقراطية بين تونس والمغرب:

قد تختلف تضاريس الطريق نحو الديمقراطية بين هذا البلد المغاربي وذاك، ولكن تماثلات بنيوية بين المغرب وتونس تتيح لنا الحديث المتفائلوهذا من صميم عمل المثقفينعن الوحدة رغم كثافة ضباب الايديولوجيا الذي ما زال يخيم على الكتابة السياسية العربية حتى الأكاديمي منها.

و بسبب عدم إجرائية الدروس التاريخية السابقة في فهم لحظتنا الزلزالية التي تعبرها المجتمعات العربية اليوم، ورغم إقرار مفكر في حجم عبد الله العروي المغربي بأن “التاريخ موجود لأنه لا شيء متوقع “،فقد انتهى هذا المفكر – الوحدوي في بداياته – إلى صمت “حكيم” أمام الزلزال العربي الحالي والى مراقبة العبور العربي الدامي نحو الديمقراطية بنوع من الذهول.

تدفعنا هذه الحيرة من لدن فيلسوف نقدي في قيمة عبد الله العروي، ومثله كثيرون، إلى المغامرة بمحاولة التقاط عناصر الجدة والإدهاش – الذي هو جوهر التاريخ – فيما يحصل من تحوّلات في كل من المغرب وتونس .

المغرب وتونس دولتان مغاربيتان تختلفان في شكل النظام السياسي ولكنهما تتماثلان بنيويا في طبيعة التشكيلة الإقتصادية والإجتماعية.

وتتميز النخبة السياسية والمثقفة في كليهما بقدر كبير من التجانس وتواجهان نفس التحديات الثقافية منذ المرحلة الاستعمارية مرورا بمرحلة التحرّر الوطني ومرحلة بناء دولة الاستقلال وصولا الى طرقهما المشترك الآن لباب الديمقراطية.

الدولتان تعبران ، في سياق تاريخي هشّ، الى الديمقراطية.، وتخوضان امتحانا تاريخيا عسيرا في ظل يأس النخبة – على غرار العروي – من السياسة.

الشعوب الآن متروكة لمصيرها : إما أن تؤسس لحريتها بالديمقراطية ، أو تواجه التيه التاريخي بلا أفق.

الثورة و/أو الديمقراطية : هل تغني الواحدة عن الأخرى ؟:

يعلمنا التاريخ الحديث أن الديمقراطية لا يتوقف قيامها على حدوث ثورة ، إذ بالإمكان المرور إليها فوق جسر الثقافة الصلب.

المغرب وتونس متشابهتان ، في هذا المستوى، فقد شهدتا نهضة فكرية وزخما ثقافيا وفلسفيا خلال النصف الثاني من القرن الماضي بما أوجد لديهما قاعدة فكرية ووجدانية للحرية والديمقراطية.

الثورة في ذاتها لا تتحوّل حتميّا إلى الديمقراطية. بل لعلّ أبشع أنواع الدكتاتوريات قامت عقب ثورات أيديولوجية جذرية حالمة بشرت بالحرية والعدالة والإزدهار قبل أن تتحوّل الى أنظمة حكم دموية قهرية ( ثورة أكتوبر في روسيا، فيتنام ، كمبوديا ، كوبا…) لذلك لا مجال أمام التونسيين أن يدعو بأنهم أقرب إلى الديمقراطية بفضل الثورة.

الديمقراطية مرحلة عليا من المدنية تنتجها مسارات تاريخية خاصة قد تتسم بالبطء وهدوء المطالبة الحقوقية القانونية، وهو الشأن في تونس والمغرب الذين تأسست فيهما منظمة حقوق إنسان في تاريخ متقارب ( 1977 في تونس و1979 في المغرب ) ، والمطالبة النقابية المناضلة، وقد تأخذ طابع “المقاومة السلبية” لاستبداد الدولة حين ينكفئ المجتمع ، وشبابه بالخصوص ، على حلمه بحياة حرة وكريمة، فيقاطع الشأن السياسي الرسمي ويتجه الى البحث اليائس عن هويات انتحارية يواجه بها عدم اعتراف الدولة.

التراكم الثقافي في حالة المغرب الذي صنع “وعي الحرية” تمثل في حركية إبداعية فلسفية نقدية منذ سبعينات القرن الماضي . فلم تكن أطروحات عبد العزيز الحبابي وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وطه عبد الرحمان وغيره كثير.. ترفا فكريّا ، وقد توازت وتفاعلت على أرض الواقع مع نضالات سياسية ميدانية جعلت من السجون المغربية فضاء ملحميّا على طريق الحرية .

كان كل ذلك زخما تاريخيا ومخاضا عقليا عنيفا وقاسيا مهّد لانبثاق وجود فعليّ للحرية كقيمة وممارسة في الفضاء الحضاري المغربي.

هذا المخاض هو الذي يتفاعل الآن على أرض المغرب ليتحوّل تدريجيا إلى ديمقراطية سياسية واجتماعية منتجة للتقدّم والحرية.

من السهل جدا أن نسارع إلى اعتبار التحول المغربي نحو الديمقراطية عملية شكلانية غايتها احتواء الموجة الثورية التي تهبّ على أرض العرب ، ولكننا سنسقط حينها في فخّ التأييس من المستقبل الذي تحترفه التيارات الراديكالية العدمية التي تغذّي “الإرهاب” بأصنافه.

التحوّل نحو الديمقراطية في الوطن العربي إثر ثورات تجري “فوضنتها” لن يكون يسيرا . ستكون عملية تاريخية معقدة وبطيئة، عنيفة حينا وهادئة أحيانا ، تتقدم في موقع وتتأخر في آخر.

في حالة المغرب، تقديرنا أن الأرضية الإبداعية الصلبة التي أنجزتها النخبة منعت إلى حد كبير الإختراق “الإرهابي” للنسيج الفكري المغربي وحاصرته في حدود فضاءات الإحتجاج الإجتماعي الطبيعي في بلد ترتفع فيه نسب الأمية إلى مستويات غير طبيعية (50%) ونسب الفقر والتهميش والجريمة (الفشل الاجتماعي قاسم مشترك بين البلدين كذلك).

الحضور الإرهابي في المغرب هو في الحد الأدنى التاريخي المفهوم لدى شباب حرم من التعلّم والشغل، وهو يتأثر –في سياق إعلامي معولم ومفتوحبموجة الإرهاب الصاعدة التي يتمّ التسويق لها إعلاميا كنموذج للقوة والنجاح والامتلاء الروحي والوجداني بديلا مغريا لشباب بلا هوية ، مغترب عن العالم.

الملكية الدستورية والجمهورية وجوهر الديمقراطية :

في زمن آخر من تاريخنا كانت كل الأنظمة ترفع شعار الجمهورية وكان نصيبها من الديمقراطية صفرا. ولسنا نحتاج أن نستدل على أن ديمقراطيات مستقرة كثيرة ترعاها ملكيات دستورية ( الدول الإسكندينافية مثالا) . لذلك لا نظن أن المؤسسة الملكية في المغرب رغم ثقل حضورها في العملية السياسية على امتداد التاريخ المغربي، والذي لم يكن منحازا للحرية في عمومه، لها مصلحة في إعاقة التحول نحو الديمقراطية. بل لعلنا نجازف بالقول أنها قد تكون من ضمانات الاستقرار في محيط عربي تمّ الدفع به في هوة الفوضى احتواء لثوراته ومنعا لانتقاله نحو الديمقراطية والتقدم.

المؤسسة الملكية في المغرب هي الضامنة رمزيّا وسياسيا للوحدة الوطنية، وهي تتفاعل مع محيطها السياسي المحلي والعربي وتستبق إنجاز بعض الخطوات الانتقالية المهمة كالدستور وتكوين الحكومات الائتلافية والعدالة الانتقالية رغم كل نقائصها.

بالمقابل لم تدخل تونس مرحلة التأسيس الديمقراطي إلا بعد ثورة ، وهي تستعيض عن غياب مؤسسة ضامنة لوحدتها الوطنية ، كما في الوضع المغربي، بالاعتماد على رصيد طويل من الإصلاح والتحديث السياسي يبدو أنه بلغ درجة من الرسوخ في المخيال السياسي العام وفي العقل الجمعي أهلت التونسيين إلى تدشين انتقالهم الديمقراطي .

التأسيس الديمقراطي التونسي يقوم إذن على قاعدة مشترك وطني تحديثي عميق عمل على تبديده الاستبداد طويلا، ولكنه تمخض عن ثورة، قد يذكر التاريخ أنها كانت فاتحة زمن ديمقراطي عربي ..طال انتظاره.

بنية الثقافة الدينية والإمكان الديمقراطي :

 من خلال الجدل الذي حفّ بكتابة الدستورين التونسي والمغربي وما تعلّق منه بالعلاقة بالإسلام، تبين أن المنظومة القيمية العربية الإسلامية ما تزال موحدة في الحد الأدنى وفاعلة ، رغم حدة الصراع الذي شق الساحة الثقافية العربية عموما والمجتمع السياسي بين تيار التحديث الجذري المؤمن بالقطيعة مع الماضي من جهة، و تيار الإصلاح على قاعدة القراءة التجديدية العقلانية للتراث من جهة أخرى. تبين أن شعوبنا في عمومها تشترك في وجدان عربي مسلم يتمثل الإسلام كأفق روحي قيمي أخلاقي يسع الإنسان والزمان، بعيدا عن التديّن السلفي والعنيف الذي يظل هامشيا رغم حضوره الإعلامي الكثيف .

طبعا لا تزال الانقسامات الأيديولوجية قائمة وحادة في كثير من الأحيان ، ولعلها ما زالت قادرة على إعاقة أو إبطاء التحول الديمقراطي بشعارات ديمقراطية ، بما يجعل من الذين يسمون أنفسهم ديمقراطيين صميمين ، من عرب وغرب ، “أعداء الديمقراطية الحميمين” على حد عبارة “تودوروف”( الذي رفض أن يقع شن حرب على حق المسلمين في الفضاء العام واستهداف عقيدتهم باسم حرية التعبير. وعبر عن رفضه لشعار”كلنا شارلي”) فالذين يدافعون عن إقصاء المرجعية الدينية من الفضاء العام ، خصوصا في سياق حضاري مشبع بالدين ،إنما يوفرون مناخا مناسبا للاستبداد بلبوس ديمقراطي حداثي.

 الديمقراطية التيوقراطية / أو الجسر الديني الى الديمقراطية:

شاءت أحكام التاريخ أن تقود عملية الانتقال الديمقراطي في كل من تونس والمغرب خلال السنوات الأخيرة حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي.، وكلاهما حزب ذو مرجعية إسلامية . الأهم من ذلك انهما قادا ائتلافا حزبيا اتسع لكل الأطياف الأيديولوجية تقريبا. وهي عملية تاريخية نوعية غير مسبوقة قد تسهم في فك الاشتباك التاريخي بين قوى سياسية كانت تغذي الإحتراب الأهلي ، وقد تبدّدُ وهم التناقض بين الاسلام والديمقراطية. الأمر الذي جعل عبد الله العروي ، وهو الذي كان من دعاة القطيعة الكلية مع الماضي ، يدعو الى التفكير في مفهوم “الديمقراطية التيوقراطية” أو الدولة الشرعية العادلة بالمصطلح الديني.

تبين إذن أن فشل النهوض العربي يعود في جانب كبير منه إلى أسباب خارجية تعطّل تأثيرها جزئيا في مناخ الثورة، وليس إلى عجز أصلي في بنية الثقافة العربية الإسلامية التي باستطاعتها أن تنتج الحرية والتقدم كسائر الثقافات

لن نتوخى السهولة أو نركن إلى السذاجة لندعي أن هذا العنف الديني المتفجر في أوطاننا يوفر مناخا ملائما للتأسيس الديمقراطي ، ولكننا قادرون على “تعقّله” في سياق اعتباره نوعا من التصعيد المرضي من جانب الشعوب العربية للتخلّص من كابوس القهر والذل والإهانة وفقدان مقومات السيادة .

الديمقراطية أقصر الطرق نحو الوحدة المغاربية:

خلال سنوات الموات السياسي التي رزحت تحتها شعوب المغرب العربي تراجع مطلب الوحدة المغاربية في ثقافة الناس واهتماماتهم، وحافظ على حضور بروتوكولي سخيف ومنفر، بسبب فقدانه أي صدقية، في خطاب النخبة الأكاديمية والسياسية. وتكرس في كل دولة من دول المغرب العربي نزوع انكفائي “انفصالي” حرصا على توازنات سياسية داخلية هشة ومؤسسات حكم غير مستقرة وضعيفة، وفقدان كلي لاستقلال القرار السياسي الوطني، إلى أن أصبح الحديث عن وحدة المغرب العربي حلما بعيد المنال ..كالديمقراطية.

 ولكن ديناميات ثقافية أخرى، نفسية وذهنية في عمومها، حافظت على وهج المطلب الوحدوي العربي ، وهو ما برز جليا في شعارات الشارع خلال الثورة. فتبين أن المشترك اللغوي والديني ينتج باستمرار ورُغما عن القرار السياسي الفوقي، تمثلات ذهنية وروحية موحّدة للشعوب.

ولكن تحول هذه الوحدة الوجدانية إلى برنامج سياسي كان ينتظر قوة سياسية تتبناه وتدافع عنه. فاقترح أول رئيس بعد الثورة في تونس السيد منصف المرزوقي برنامجا واقعيا للبدء في إنجاز التكامل المغاربي بمنح الحريات الخمس لمواطني المغرب العربي طمعا في إحياء اتحاد المغرب العربي دون أن يجد استجابة من مؤسسات الدولة التي لم يكتمل انتقالها نحو الديمقراطية.

سيتحتم على مجتمعاتنا المغاربية في تونس والمغرب أن تغذي الحلم الوحدوي بترسيخ ما تحقق إلى حد الآن من مكاسب ديمقراطية ( دستور ديمقراطي ، انتخابات دورية تجدد الحكم وتضمن التداول السلمي على السلطة ، وحريات عام واسعة..) . علينا أن “نمغرب” الإدارة كما جاء في مقترحات الرئيس التونسي السابق، تمهيدا لمغربة السياسة بعد أن يترسخ الخيار الديمقراطي في أرضنا.

خاتمة:

باستطاعة المغرب وتونس أن ينجحا فيما فشل فيه العرب طوال تاريخهم الحديث وأن ينجزا انتقالا ديمقراطيا هادئا وواثقا ، بعيدا عن الشعار الأيديولوجي التعبوي الذي ارتهن له التاريخ العربي .

ولئن اختلفت طريقة دخولهما الى الديمقراطية ، فإنهما ، إلى حد الآن ، يثبتان أن تاريخ الديمقراطية لا يعترف بعقدة المثال ، إذ لا يوجد طريق واحد إلى الديمقراطية ، بل يؤكد “فضيلة” الارتجال .. في الطريق إلى الاستقلال.

________________

 

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *