إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء الثاني قضايا نظام الحكم بدء من الشرعية ومرورا بمسألة الديمقراطية وقواعدها وانتهاء بالحزبية والتعددية والحريات العامة ونستكمل في هذا الجزء فقرتي ثوابت المجتمع الليبي والتطبيق الديمقراطي في ليبيا من الباب الأول (نظام الحكم).
الجزء الثالث
الباب الأول: نظام الحكم
ز – حول ثوابت المجتمع الليبي
إذا حصل الاتفاق على استبعاد فكرة الإطلاق في ممارسة حرية التعبير والعمل السياسي، وتثبيت فكرة لزوم ضبط هذه الحرية وتقييدها، لأن هذا الضبط والتقييد شرط لازم لضمان حريات الأفراد والجماعات، وصون استقرار المجتمع ومصلحته، بحيث لا يتجاوز الفرد أو تتجاوز الجماعة في ممارسة الحرية حقوق الآخرين أو تعتدي عليهم بأي صورة من صور العدوان المادي أو المعنوي، إذا حصل الاتفاق على هذا فإن البحث يتركز عندئذ في مسألة الضوابط والقيود التي يمكن أن توضع على الحرية. وفي هذا الصدد تبرز فكرة “الثوابت“، وهي مجموعة المبادئ والقيم الكبرى التي يتفق كل أبناء المجتمع على أنها أسس لازمة لقيام البنيان الاجتماعي والثقافي للجماعة، وأنها مقومات جوهرية لهويتها، وشروطاً حيوية لاستمرار وجودها، بحيث إن تجاوزها أو عدم الالتزام بها أو العدوان عليها، يمكن أن يمثل خطراً على هذا الوجود وإضراراً بالمصلحة العليا للجماعة.
وإننا نرى أن ثمة خمسة عناصر أساسية يمكن أن يحصل الاتفاق بين أبناء الشعب الليبي كافة على اعتبارها ثوابت المجتمع الليبي، ومن ثم ينبغي أن ينص في الدستور على لزوم التقيد بها وعدم التعدي عليها، وهي: الشرعية، الديمقراطية، العقيدة الإسلامية، الانتماء الوطني، الوحدة الوطنية.
وقد فصلنا آنفاً مفهومنا للشرعية والديمقراطية وسوف يأتي لاحقاً على نحو مفصل رؤيتنا لموقع الإسلام من النظام السياسي، ونورد فيما يلي باختصار مفهومنا لمبدئي الانتماء الوطني والوحدة الوطنية.
1 – الانتماء الوطني
إن حرصنا على تبني مفهوم معتدل ومتوازن لمعنى الانتماء الوطني، ونعني به الانتماء إلى التراب والهوية الوطنية والسياسية الليبية، يقطع الطريق على أي مفاهيم متطرفة له تنتهي به إلى حالة الانغلاق والانكفاء المَرَضيّ على الذات، ولكنه لا يعني مطلقاً أننا نتساهل فيه إلى الحد الذي يلغيه بالكامل، ويمسخ وجوده لحساب انتماءات أخرى تقع خارج حدود الدائرة الوطنية.
ومن هنا فنحن نرى أهمية وجود رؤية واضحة ومحددة في هذا الصدد يقع حولها إجماع وطني بين كافة المواطنين والقوى السياسية الليبية، بحيث تكون بمثابة معيار ومرجعية يُستند إليها في الحكم على الممارسات أو المواقف، الفردية أو الجماعية، التي تعتبر مخلة بمعنى الانتماء الوطني، ومن ثم فإنها تُمنع أو تُجَرّم وطنياً، وتقع تحت طائلة المنع والحظر الدستوري.
وإذا كان من الواضح بداهة أن “ليبية” الفرد تعني أنه بحكم الميلاد والعيش ينتمي إلى “ليبيا” تراباً وطنياً، وكياناً سياسياً، وأنه من ثم فرد من مجموع الأفراد الذين يكونون “الشعب” الليبي، فإن من البديهي إذن أن يكون معنى انتماء هذا الفرد إلى ليبيا وشعبها شعوره أولاً بأن وجوده وحياته ومصلحته ترتبط ارتباطاً حيوياً بوجود ومصلحة شعبها، والتزامه ثانياً بالحفاظ على هذه المصلحة وخدمتها والامتناع عن فعل ما يمكن أن يمثل خطراً عليها أو يسبب إضراراً بها.
وإذا كان الجانب الأول من هذا المعنى، وهو المتعلق بالإحساس والشعور، يظل أمراً ذاتياً داخلياً خاصاً بالفرد، وخارجاً عن نطاق المراقبة والمحاسبة والتحكم، فإن الجانب الثاني وهو المتعلق بالالتزام بعدم الإضرار بالمصلحة الوطنية يكون هو الجانب القابل للخضوع للضبط والمراقبة والإلزام من قبل المجتمع كله، إزاء الأفراد أو الجماعات السياسية.
في هذا الصدد قد يمكن، من خلال عملية حوار وطنية شاملة بين مختلف القوى والفعاليات السياسية في المجتمع، أن تتبلور رؤية وطنية يقع حولها الاتفاق والإجماع، بصدد الأفعال والممارسات التي يمكن أو يصح اعتبارها إضراراً وإخلالاً بالمصلحة الوطنية، ومن ثم خروجاً عن الانتماء الوطني، فتُمنع وتُجَرَّم بحكم الدستور.
وإسهاماً في هذا المسعى فإننا نرى أن القول بأن انتماء الأفراد إلى “الوطن الليبي” لا يعني إنكار أن الليبيين كشعب ينتمون بالضرورة إلى دوائر أوسع من دائرة ليبيا الجغرافية، فهم ينتمون إلى الأمة العربية وإلى الأمة الإسلامية وإلى حوض المتوسط والقارة الأفريقية، كما ينتمون في النهاية إلى الأسرة البشرية كلها، فهذه الحقيقة هي حقيقة واقعة وراسخة وغير قابلة للإنكار، فضلاً عن أن هذا الانتماء هو عنصر إيجابي، وينبغي أن يوضع في الاعتبار عند النظر لتقييم وتحديد ما نعنيه بالمصلحة الوطنية، من حيث إن الليبيين لا يستطيعون، وليس من مصلحتهم، عزل أنفسهم عن هذه الدوائر التي يرتبطون بها بمختلف روابط الانتماء القومي والديني والمصلحي.
وهكذا فإننا نحتاج إلى تحديد ما نعنيه في هذا الخصوص بدقة شديدة، ويمكن أن نعبر عنه كما يلي: إن الانتماء الذي يمكن أن ينظر إليه باعتباره ضاراً بالمصلحة الوطنية هو شعور الليبي بأنه ينتمي إلى جهة خارجية، أكثر مما ينتمي إلى بلاده وشعبه، إلى الحد الذي يدفعه للعمل لمصلحة الجهة الخارجية ضد المصلحة الوطنية.
وإذا اتفقنا على هذا التعريف، فإننا يمكن أن نتفق على اعتبار “الانتماء الوطني” بهذا المعنى ثابتاً من ثوابت المجتمع الليبي، يُجرَّم أي فعل يؤدي إلى المساس به. وقد نستطيع في هذا الخصوص الإشارة، على سبيل المثال، إلى الأفعال التالية:
1- الارتباط التنظيمي بين الجمعية أو الحزب السياسي وبين جمعيات أو أحزاب غير ليبية. ولا يقصد بهذا الارتباط مجرد التماثل في الفكر أو البرنامج السياسي. فهذا أمر طبيعي ولا غبار عليه، ولكن المقصود به هو الارتباط التنظيمي بمعنى أن يكون الحزب الليبي خاضعاً في تكوينه وقيادته لقيادة خارجية غير ليبية.
2- تلقي الدعم المالي من جهة خارجية غير ليبية، لما يمثله ذلك من شبهة التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، والتأثير على موازين القوى السياسية والعمل السياسي.
3- الارتباط بعلاقات سياسية أو اقتصادية مع جهة أو دولة خارجية تكون في حالة حرب مع ليبيا.
مثل هذه الأفعال وما في حكمها قد نتفق على اعتبارها أفعالاً تمس وتخدش صفاء وإخلاص الانتماء الوطني، ومن ثم يحق للمجتمع أن يعتبرها أفعالاً محرَّمة بحكم الدستور، ويُجَرِّم من ثم كل من يأتي فعلاً منها، سواء أكان فرداً أم جماعة منظمة. وعلى هذا الأساس يكون أحد القيود أو الحدود الدستورية على حرية التعبير والعمل السياسي، ويصير من حق الفرد أو المجموعة السياسية أن تعبر عن فكرها السياسي وأن تتحرك في الساحة السياسية بمطلق الحرية، بشرط ألا تتجاوز هذا الثابت المتفق عليه والذي ينبغي أن تلتزم به كل الأطراف السياسية في البلاد.
2 – الوحدة الوطنية
لعلنا نستطيع أن نقسم مفهوم الوحدة الوطنية إلى عنصرين هما: وحدة التراب ووحدة السكان. وتعني وحدة التراب أن نؤمن جميعاً كليبيين بأن هذه البقعة من الأرض المعروفة جغرافياً باسم “ليبيا” هي وطن لنا جميعاً، وأننا حريصون على أن تبقى وحدة واحدة، ننتمي إليها جميعنا انتماء متساوياً، ولا نقبل أن يعمل أحد منا ما من شأنه المساس بهذه الوحدة أو الإضرار بها أو الانتقاص منها. أما وحدة السكان فتعني إيماننا جميعاً، نحن سكان هذه البقعة الجغرافية، بصرف النظر عن انتمائنا العرقي أو القومي إلى عرب وأمازيغ وطوارق، وانتمائنا الجهوي إلى شرق أو غرب أو جنوب البلاد، أو انتمائنا القبلي إلى إجدى القبائل أو العشائر، نكون معاً شعباً واحداً، له مصلحة واحدة ثابتة لا تتجزأ، تنبع من اشتراكنا عبر القرون في تاريخ واحد، وتعرضنا سوياً لما مر على وطننا من حوادث وأحداث، ثم من اشتراكنا سوياً بدرجة متساوية في معاناة ومواجهة مشكلات الحاضر الذي تعيشه بلادنا، وفي الطموحات والآمال التي نعقدها حول قدرتنا على التضافر جميعاً لبناء مستقبل زاهر لبلادنا وشعبنا حين تتاح لنا الفرص المناسبة للعمل والفعل والحركة.
وبهذا الفهم فإننا سنتفق على اعتبار كل فعل، فردي أو جماعي، يضر بالوحدة الوطنية، تراباً وسكاناً، هو فعل مخالف لهذا الثابت من ثوابت المجتمع، ومن ثم فهو فعل ممنوع ومحرم، ومرتكبه يقع تحت طائل القانون. وسنتفق على اعتبار أن الالتزام بعدم المساس بالوحدة الوطنية هو أحد المحددات التي تحدد حرية الأفراد والجماعات في التعبير والعمل السياسي، ولا يعود من حق الفرد أو الحزب مثلاً قول أو فعل ما يمس الوحدة الوطنية.
فما هي الأمور التي يمكن أن نتفق على اعتبارها مساساً بالوحدة الوطنية؟
عند النظر في معطيات مجتمعنا الليبي قد لا يصعب الاتفاق على أن العناصر الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها وهي: الجهوية والقبلية والقومية هي عناصر أساسية في تركيبة المجتمع والسكان في ليبيا، وليسن ممكناً ولا وارداً أصلاً التفكير في إلغاء هذه الحقيقة أو مسحها من الوجود. ولا جدوى أيضاً من إنكارها أو تجاهلها أو التعامي عنها. فلا نستطيع، حتى إن أردنا، إجبار أحد في ليبيا على أن ينسى أو يتجاهل كونه عربياً أو أمازيغياً أو تارقياً، أو يقفز على حقيقة أنه ينتمي إلى قبيلة معينة، أو أنه من سكان شرق ليبيا أو غربها أو جنوبها. إذن فلا نملك إلا التعامل مع هذه الحقيقة بما يمنع أن تتحول إلى عامل فرقة وتشتيت، ومن ثم عامل خطر على ما نسميه “الوحدة الوطنية“، ولكنه يسعى في الوقت نفسه لأن يستثمرها ويحولها إلى عامل إثراء للهوية الثقافية للشعب الليبي، من خلال الاعتراف لجميع العناصر المكونة للشعب الليبي بالحقوق والحريات ذاتها، في مجال التعبير عن هويتهم الثقافية الخاصة بهم، والنظر إليهم في جميع مجالات الحياة باعتبارهم مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب الليبي.
وقد يكون الحل الأمثل لتحديد ما يمكن أن نعتبره ضاراً بالوحدة الوطنية أن نتفق على بعض المعايير، مثل:
– تجريم الدعوة المباشرة للعصبية إلى أحد هذه العناصر.
– تجريم التعدي من المنتمين لأحد الأطراف على الأطراف الأخرى بالطعن أو السخرية أو الاتهام.
– منع تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية على أساس هذه العناصر، بمعنى تكوين أحزاب تقتصر عضويتها على عنصر أو قبيلة أو جهة، أو تدعو في برامجها لتفكيك الوحدة الوطنية عبر الانفصال الجهوي أو العنصري.
ح – التطبيق الديمقراطي في ليبيا: مقومات ومحددات
سوف يظل ما سبق من حديث مجرد تعبير نظري عن فهمنا للديمقراطية كأساس للحكم، ومنهج للممارسة السياسية في المجتمع، وسوف يظل تصوراً مثالياً وشديد العمومية، إن لم يوضع في إطار محدد لرؤية شاملة لإمكانية وشروط تطبيقه على أرض الواقع في ليبيا، عند مواجهة الشعب الليبي معضلات ومشكلات التحول إلى النظام الديمقراطي التعددي.
وسوف تكون الخطوة الأولى نحو تبين ملامح هذه الرؤية الاتفاق على تحليل علمي موضوعي لمعطيات وأبعاد الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي ستجري فيه عملية التأسيس الديمقراطي، حتى تأخذ هذه العملية في الاعتبار تلك المعطيات والأبعاد، وتكتشف من الوسائل والخطط، وتبتدع من المناهج والحلول ما يوفر لها القدر الممكن من احتمالات الصحة والنجاح، وإمكانيات التطبيق العملي الفعال.
لقد اتضح من حديثنا عن الديمقراطية أننا نؤمن بأنها تقوم في جوهرها على مبدأ حرية الإنسان في الرأي والتعبير، وأنها لا تعدو في النهاية كونها أسلوباً ومنهجاً لضبط عملية تعايش الآراء المختلفة في المجتمع تعايشاً سلمياً، وتنظيم مسألة الحكم والسلطة. ومن هنا فإن المفهوم الديمقراطي، ومن بعد الممارسة الديمقراطية، يقومان على وجود الإنسان الواعي بحقه الأصيل في المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، ومن ثم الإنسان الذي لديه فكر ورأي وحرص على ممارسة دوره في العملية السياسية من خلال العمل المستقل أو الجماعي المنظم. وإن أي حلم بتحقق أي صورة من صور التطبيق الديمقراطي في ليبيا سوف يصطدم حتماً بحقيقة مؤسفة في هذا الصدد وهي أن الغالبية الساحقة من الليبيين تفتقد الحد المناسب من الوعي السياسي اللازم لأدنى مستويات ودرجات الممارسة الديمقراطية، كما أن الغالبية الساحقة منهم لم يتح لها مطلقاً أي شكل من أشكال الممارسة الفعلية للديمقراطية.
ودون التطرق لمحاولة بحث ودراسة الأسباب والعوامل التاريخية والموضوعية التي أدت إلى هذه النتيجة المؤسفة، فإن من الحيوي جداً وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، والتأسيس على أن بدايات التطبيق الديمقراطي في ليبيا سوف تتم في محيط بشري يتصف بعدد من الصفات السلبية التي ينبغي التعامل معها، لا من منطلق قبولها والتسليم بأنها أمر واقع لا مفر منه، ولكن من منظور الحاجة لوضع الخطط والمناهج اللازمة لتجاوزها وإحلال البدائل الإيجابية محلها. وإذا لخصنا هذه الصفات السلبية في النقاط التالية:
1- أمية سياسية غالبة.
2- تراث ثقافي وتربوي مناقض للديمقراطية.
3- تراث سياسي متخلف عن عهدي الحكم السابقين مضاد للسياسة وللممارسة الديمقراطية الصحيحة.
4- غياب كامل للأحزاب والتنظيمات السياسية.
5- سيطرة وشيوع الروح والروابط القبلية والنوازع الجهوية.
وتأسيساً على ذلك فإنه سوف يكون من المهم أن ترتكز أية خطط قد نتبناها أو نسهم في الدعوة إليها لبداية التأسيس الديمقراطي على محاور أساسية تستهدف السعي لتجاوز هذه الجوانب السلبية. وربما يمكن الإشارة إليها فيما يلي:
أولاً: إعادة بناء الإنسان فكرياً وسياسياً بما يؤدي إلى إكسابه القدر الضروري من الوعي بأبعاد وجوده الإنساني والاجتماعي، وتحوله من ثم من حالة الإنسان/الفرد/العدد إلى حالة الإنسان/المواطن/الكائن السياسي، أي الإنسان:
1- الواعي بقيمة وجوده الإنساني باعتباره الكائن الذي ميزه الله بالعقل والتكليف ومسؤولية الاختيار الحر.
2- الحريص على عدم التفريط في ممارسة حقه في المشاركة في تقرير شؤونه، وعدم التخلي عن هذا الحق أو رهنه لشتى عوامل التأثير والضغط.
وسوف تحتاج عملية إعادة البناء هذه إلى وضع خطط شاملة وبعيدة المدى، تهدف إلى بلوغ درجات ومستويات متطورة من الغاية المرجوة، على نحو تدريجي ينتهج أساليب البرمجة والتخطيط العلمي، ويحسن اختيار واستثمار الوسائل والآليات المناسبة، التي في مقدمتها:
1- مناهج التعليم والتربية في المؤسسات التعليمية الرسمية العامة.
2- وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومنجزات تقنية المعلومات.
3- مصادر الثقافة العامة.
4- الحيوية الثقافية والاجتماعية من خلال المؤسسات والأندية الرياضية والاجتماعية والثقافية.
وسيكون من الحيوي أن تنبني هذه الخطط على مرتكزات الحرية الفكرية، باعتبارها حجر الأساس في عملية إعادة البناء المطلوبة. ذلك أن المقوم الأول من مقومات الإنسانية السياسية هو وجود الإنسان الحريص على أن يكون له فكر ورأي مستقل، والحريص والقادر في الوقت نفسه على ممارسة التعبير عن ذلك الرأي والفكر بحرية وقوة. ومن ثم فينبغي أن تصمم مناهج التعليم العام وفلسفته ووسائله التربوية، كما ينبغي أن توضع خطط لاستثمار وسائل الإعلام ومختلف آليات وصيغ النشاط الفكري والثقافي، بحيث تمكن الإنسان من:
1- تكوين فكره ورأيه المستقل.
2- التمرس بالتعبير عن الرأي باستقلالية وشجاعة.
3- قبول اختلاف الآخرين معه في الرأي.
ثانياً: تنمية الوعي بأهمية العمل السياسي، ذلك أن الخطوة الأولى في اتجاه تعويض السلبية الخطرة المترتبة على تراث المراحل التي غابت فيها الممارسة الديمقراطية الحرة، سوف تتمثل في مدى النجاح الذي نحرزه في إعادة اهتمام الناس بالقضايا العامة، أي بالسياسة، وفي زيادة أعداد المواطنين الذين تجاوزوا حالة “الأمية السياسية“، فتأهلوا سياسياً، وتحولوا إلى مواطنين واعين بحقوقهم السياسية، وحريصين على ممارستها بأنفسهم.
وسوف يحتاج هذا المسعى بدوره إلى خطط وبرامج تستهدف إيجاد الترتيبات، وابتداع الصيغ والمناهج العملية الكفيلة بإنجاز هذه المهمة، مثل:
1- إيلاء العمل السياسي بصفة عامة، والعمل المنظم من خلال الانتماء إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية، مكانه الجوهري في النظام السياسي، بما يؤدي إلى تشجيع المزيد من المواطنين للاهتمام به، والانخراط في مختلف آلياته وجوانبه.
2- إيجاد الآليات القانونية والتشريعية الكفيلة بزيادة اهتمام المواطنين بالعملية السياسية، من قبيل تقنين إلزامية المشاركة في بعض جوانبها، كممارسة حق/واجب الانتخاب، وقصر حقوق المشاركة في بعض الجوانب الأخرى على المساهمين في العمل المنظم، أي المنتمين إلى الأحزاب السياسية.
ثالثاً : مواجهة سلبيات ظاهرة العصبية القبلية والجهوية والعنصرية، فلا شك أن تأثيرات العصبية العمياء غير المرشدة للقبيلة أو الجهة أو العنصر، سوف تكون من أكبر الأخطار التي تعترض طريق الممارسة الديمقراطية الصحيحة. إن الديمقراطية الصحيحة تنبني وتنطلق من نضج وتعمق وعي المواطن بالانتماء إلى الوطن وإلى المصلحة العامة للمجتمع ككل، قبل انتمائه إلى العائلة أو القبيلة أو العنصر، وانتمائه إلى الناحية الجغرافية التي ولد وعاش فيها أو تعيش فيها قبيلته، ومن ثم حرصه على عدم الخضوع والانجرار في تكوين قناعاته واختياراته السياسية لهذه العصبيات.
إلا أن التعامل مع هذه المسألة ينبغي أن يميز بوضوح وإدراك بين جانبين هما:
الأول: الرابطة القبلية عندما تبلغ حد العصبية المطلقة، فيتجه الفرد تحت تأثيرها إلى الاندفاع وراء القبيلة وتأييد مواقفها واختياراتها، ولو كانت ضد قناعاته الشخصية أو كانت بادية التناقض والتعارض مع المصلحة العامة للمجتمع وللوطن. وهي، أي الرابطة القبلية، بهذا المنظور، ظاهرة سيئة، وهي تجسيد للتخلف الثقافي والحضاري ، وينبغي أن تتضافر الجهود الوطنية الشاملة لإيجاد السبل المناسبة لمواجهتها وتجاوز سلبياتها، من خلال انتهاج الخطط العملية المدروسة لتنمية الوعي العام بمعاني وأبعاد الانتماء إلى الكيان الوطني الأوسع والأشمل من كيان القبيلة والعائلة والعنصر، والوعي بأبعاد المصلحة السياسية للفرد والمجتمع، حتى توجد المعادلة السليمة التي تضع دائرة العائلة والقبيلة والعنصر في موضعها وإطارها الصحيح من الدائرة الاجتماعية والوطنية الشاملة للجميع.
الثاني: الرابطة القبيلة باعتبارها مكونا أساسياً من مكونات المجتمع الليبي. وهي من هذا المنظور تلعب، وينبغي أن يحرص النظام السياسي على أن تظل تلعب دوراً إيجابياً مهماً في جملة من جوانب الحياة الاجتماعية. وينبغي أن يبتدع النظام الديمقراطي في ليبيا الصيغة الملائمة لاستيعاب المؤسسة القبلية في صلب النظام السياسي، وتوظيفها لصالح ترشيد الممارسة الديمقراطية وإنضاجها.
إن أكبر التحديات التي ستواجه البناء الديمقراطي في بيئة تعاني من آثار التخلف الثقافي والحضاري، وقوة سيطرة الروح والروابط القبلية والجهوية كالمجتمع الليبي، سوف تتمثل في الحاجة العملية الواقعية لابتداع نمط متميز أصيل من أنماط الممارسة الديمقراطية، يحاول أن يوجد المعادلة الممكنة بين مقومات السلوك الديمقراطي الناضج، وبين مختلف العوامل السلبية التي يفرزها واقع المجتمع الذي تعاني الغالبية الساحقة من أفراده من آثار الجهل والتخلف وسيطرة نوازع الانتماء الجهوي والقبلي على حساب نوازع ومعاني الانتماء الوطني الشامل.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز.
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية