إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء الثالث فقرتي ثوابت المجتمع الليبي والتطبيق الديمقراطي في ليبيا من الباب الأول (نظام الحكم)، ويتناول هذا الجزء مسألة الإسلام وموقعه في النظام السياسي (التشريع) وهو الفقرة الثالثة في الباب الأول (نظام الحكم) .
(4)
الباب الأول: نظام الحكم
ثالثاً – الإسلام وموقعه في النظام السياسي (التشريع)
إن الحديث عن الإسلام باعتبار مكوناً رئيساً من مكونات هويتنا الفكرية وتصورنا السياسي لإعادة بناء الدولة الليبية، والنهوض بالمجتمع الليبي من وهدة التخلف الحضاري الذي يعاني منه ويكابد آثاره المدمرة، يتطلب منا إيضاح موقفنا من جملة من المفاهيم التي صارت في العقود الأخيرة تلتبس بالإسلام، مصطلحاً ومعاني وتطبيقات عملية، وتشابكت معه في اتجاهات وعلى مستويات شتى، حتى أدت إلى ما نشاهده ونعيشه اليوم من أصناف من الخلط وسوء الفهم الذي باتت تحفل به ساحة الصراع السياسي والخلاف الفكري.
ولقد صار من الصعب الاتفاق العلمي الدقيق على المقصود بالإسلام حينما يرد اسمه في شتى الاستخدامات الفكرية والسياسية: أهو الإسلام العقيدة أم الإسلام الشريعة؟ أو إسلام عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين أم أشكاله وتطبيقاته التي شهدتها القرون والعصور حتى وقتنا الحاضر؟
وقد شهدت ساحات الصراع السياسي والفكري اتجاهات شتى تنتسب كلها إلى الإسلام، وتتسمى به، وترفعه كشعار لها، بحيث أصبح وصف أي اتجاه سياسي بأنه “إسلامي” لا يعني في الحقيقة شيئاً كثيراً، أكثر من كون هذا الاتجاه يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة. ولكن يبقى كل ما عدا ذلك مما يتعلق بالتصورات والبرامج السياسية المختلفة اللازمة للتعامل مع مختلف قضايا وشؤون الحياة عاماً مختلطاً اختلاطاً شديداً.
ومن هنا فإننا نرى أن بلوغ الغاية المطلوبة من التوضيح والتحديد والتمييز يتطلب المضي خطوات أبعد وأعمق في اتجاه تحديد ما يميز ويخصص ويبين فهمنا لموقع الإسلام من تصورنا السياسي. وفي هذا الصدد فلعله يكون من المفيد إيضاح رأينا في جملة من القضايا المتصلة بهذا المعنى:
1 – الديمقراطية/الشورى
بعد أن بينا بشيء من التفصيل مفهومنا للديمقراطية، لعلنا لا نحتاج هنا إلى أكثر من الإشارة إلى إيماننا بأن الشورى، كما نجدها في مصادر الإسلام الأصلية، كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وكما نستنبطها من الممارسة الفعلية لمختلف مشتملاتها العملية في حياة الرسول الكريم وفي حياة خلفائه الراشدين من بعده لا تتناقض مطلقاً مع الفهم الذي بيناه للديمقراطية، وبخاصة فيما يتصل بالمعاني الأساسية التالية:
1- أن عملية إدارة الشؤون العامة للجماعة، بكل تفصيلات إجراءاتها العملية المتصلة باختيار الحاكم (السلطة التنفيذية) واختيار صيغة أو شكل معين للسلطة الرقابية والتشريعية، هي حق أصيل للجماعة (الشعب) لها أن تنظمه بما يناسب ظروفها ومتغيرات زمانها ومكانها.
2- أن المشاركة في المشورة/صنع القرار هي حق للجماعة كلها، لا يسلبه منها الحاجة العملية لتفويض جوانب معينة من عملية صنع القرار لهيآت معينة من ذوي العلم والاختصاص.
3- أن الحاكم هو مفوض من قبل الشعب لإدارة الشؤون العامة، ويبقى حق توليته ومراقبته ومحاسبته وعزله والنص على تحديد فترة ولايته حقاً أصيلاً للشعب.
4- أن القرار الناتج عن الشورى، وهو ما تجمع عليه أغلبية أفراد الشعب ملزم للحاكم وللسلطة التنفيذية. وفي حالة تعارض رأي الحاكم معه يغلب قرار الشعب.
5- أن حرية الفكر والرأي والتعبير والمعارضة السياسية السلمية مكفول لكل أفراد الشعب، يمارسونها دون حدود أو قيود، فرادى أو منتظمين في جماعات (أحزاب) سياسية، في إطار الالتزام بالضوابط والمعايير التي يحددها وينظمها الدستور.
6- أن كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعة مجال مفتوح لممارسة الرأي والاجتهاد، ومن ثم فهي مجال ومادة للشورى وتحكيم رأي الشعب، ولا يستثنى من هذا إلا الجوانب التي للإسلام فيها حكم قطعي الدلالة والثبوت، حيث لا رأي للناس مع حكم الله.
وفي ضوء هذا الفهم فإننا نؤمن بأنه لا تعارض ولا اختلاف بين الديمقراطية والشورى، وأن كلا اللفظين إنما هو عنوان للمعنى والمضمون نفسه. إلا أن استخدام لفظ الشورى دون شرح تفصيلي للمعاني والمضامين التي نفهمها منه قد يؤدي إلى وقوع كثير من اللبس والغموض.
2 – الدين والدولة
عند تناول هذه المسألة كثيراً ما كان المدخل الخطأ إليها يؤدي إلى ما يحدث عادة من سوء فهم أو لبس أو اختلاط في المفاهيم. وكانت صياغة المسألة في شكل سؤال عن “علاقة الدين بالدولة” توحي ضمناً بأن السؤال هو عن وجود أو عدم وجود علاقة بين الدين والدولة. وتؤدي الإجابة بالنفي أو بالإثبات إلى تصنيف ثنائي بين مثبت لهذه العلاقة أو نافٍ لها.
وقد يكون المدخل الصحيح في رأينا لتناول هذه القضية هو إعادة صياغتها على النحو التالي: ما هي حدود علاقة الدين بالدولة؟ فهذه الصياغة تنبني أساساً على التسليم بأن ثمة علاقة بين الدين والدولة، ولكنها تشتمل، في الوقت نفسه، على نفي فكرة التطابق الكامل بين طرفي القضية. ومن ثم فلا يعود البحث يتركز في إثبات أو نفي العلاقة بين الدائرتين، ولكن في محاولة تبين وتحديد نقاط الافتراق بينهما.
ونقطة البدء في هذا البحث هي التسليم بأن الإسلام ليس دين عبادات فقط، ولكنه يتسع ليشمل بأحكامه وتشريعاته جانباً مهماً من الدائرة المتعلقة بتنظيم حياة الإنسان، من حيث هو فرد في جماعة، إلا أنه يترك ما عدا هذا، من كل ما يتعلق بجوانب حياة الجماعة السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لتنظمه الجماعة باجتهادها واتفاق رأي أغلبية أفرادها، بحسب ما تقتضيه مصلحتهم، ويتناسب مع جملة المتغيرات والمستجدات التي تطرأ على حياتهم مع تغير وتطور الظروف والأحوال.
ومن هذا المنظور تبرز لدينا فكرة أن ثمة دائرتين متميزتين: الأولى هي دائرة الدين البحت، والثانية هي دائرة الدولة البحت. ولكن الدائرتين تتصلان إحداهما بالأخرى فينتج من ذلك وجود دائرة ثالثة أو مجال ثالث يتماهى أو يتطابق فيه الدين والدولة:
فالدائرة الأولى تتصل بعلاقة الإنسان بالخالق، وتشتمل مختلف الأعمال التعبدية الصرف. وهي دائرة وضعت ورسمت حدودها كاملة في القرآن الكريم، ثم أتمت السنة النبوية الشريفة وضع تفصيلاتها وأساليب ممارستها العملية.
[دائرة الدين]
والدائرة الثانية تتصل بعلاقة الإنسان الفرد مع غيره من أفراد الجماعة التي يعيش فيها، وتشمل شتى صنوف العلاقات الاجتماعية، وأشكال المعاملات الاقتصادية والسياسية. وفي هذه الدائرة خص الله سبحانه وتعالى أموراً وجوانب معينة بأحكام وتشريعات واضحة ومحددة ومفصلة، وهي من ثم ملزمة للجماعة، وليس لأحد أن يقول فيها برأي أو يفتي فيها باجتهاد.
[دائرة الدين والدولة]
أما الدائرة الثالثة فتتصل بسائر الجوانب المتصلة بعلاقة الإنسان بغيره من أفراد الجماعة والتي لم ترد بشأنها أحكام أو تشريعات مفصلة ومحددة، وترك النظر والحكم فيها للجماعة، تجتهد برأيها ويتشاور أفرادها فيما بينهم، ويضعون من الأحكام والتشريعات ما يرونه صالحاً ومحققاً لمصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقيم والمقاصد الكلية التي يرشد إليها الدين ويحث عليها، أو مقتبسين من غيرهم من الأمم ما يرون أنه يصلح لهم ويستجيب لخصوصية حاجاتهم ومتطلبات واقعهم الوطني.
[دائرة الدولة]
وبحسب هذا الفهم فعلنا نستطيع أن نحدد موقعنا السياسي في تلك الدائرة التي تقع بين “الدينية المطلقة” التي تطابق بين الدين والدولة مطابقة كاملة، ولا ترى للناس حقاً ولا دوراً في إدارة شؤون حياتهم، باعتبار أن الرأي والحكم في كل هذه الشؤون للدين بحسب ما يقرره علماؤه وفقهاؤه، وبين “العلمانية المطلقة” التي تفصل بين الدين والدولة فصلاً كاملاً، ولا ترى للدين أية علاقة بشؤون الحياة والدنيا، أي بالدولة.
3 – التشريع
من القضايا المهمة التي كثيراً ما يحدث حولها الجدل قضية “التشريع“. ويقوم الجدل حول تحديد موقع الشريعة الإسلامية من هذه المسألة، واعتبارها “المصدر الوحيد” للتشريع أو اعتبارها “مصدراً” من مصادره. وفي هذه الحالة الأخيرة حول مكانها في الترتيب باعتبارها المصدر الرئيس أو الأول واعتبار المصادر الأخرى تأتي في المراتب اللاحقة لها.
ونحن نؤمن بأن القول بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر “الوحيد” للتشريع يصطدم مباشرة بإشكالية البحث عن المرجعية التشريعية للمسائل والأمور التي تركتها الشريعة نفسها دون أن تبت فيها أو تحدد لها أي حكم على الإطلاق، أو طرقتها بشكل كلي شمولي شديد العمومية، وتركت التحديد والتفصيل بشأنها لرأي واجتهاد الناس بحسب ظروف زمانهم ومكانهم، وبحسب ما تقتضيه وتمليه حاجاتهم ومصالحهم.
ومن هنا فإن الجماعة حين تواجه أمراً من مستجدات حياتها تحتاج لوضع تشريع بشأنه فلا حرج عليها، بل إنه لا مفر لها في الحقيقة، إن لم تجد في الكتاب والسنة الصحيحة ما يسد تلك الحاجة، من أن تجتهد برأيها، وتضع لذلك الأمر ما يلزم من الأحكام والتشريعات. ولا ضير في أن تستعين بما يناسب الحال، ويحقق المصلحة، من أي مصادر أخرى كالقانون الوضعي والعرف الاجتماعي وغيرهما.
ونعتقد بأن قول الرسول الكريمe : “أنتم أعلم بشؤون دنياكم” هو القول الفصل الذي يضع الحد لأي جدل حول هذه المسألة، فهو بالغ الدقة والوضوح في بيان أن ثمة شؤوناً دنيوية تتصل بجوانب عدة من حياة الناس العملية تركها الدين للناس يرون فيها ويحكمون برأيهم واجتهادهم بما يستجيب لحاجاتهم ويحقق مصالحهم.
4– الفرد بين حرية الرأي وحرية الفعل
إن القناعة بأن سلامة واستقرار الحياة الاجتماعية تنبني على تنظيم هذه الحياة وإدارتها بواسطة المؤسسات الدستورية الشرعية، التي تخول إليها الأمة مهمات التنفيذ والرقابة والمتابعة للنظم والقوانين والتشريعات المعتمدة، تفرض الإقرار والتسليم بأن هذه المهمات العملية هي اختصاص عام للمجتمع، يمارسه من خلال السلطات الشرعية وبقوة الجبر والقانون. وبهذا المعنى فهي خارج إطار حقوق الفرد وحرياته.
إن من حق الفرد أن يكون له ما شاء من فكر ورأي، ويكفل له الدستور حرية التعبير عنه في حدود الالتزام بآداب ومناهج الحوار السلمي، إلا أنه ليس من حقه كفرد أن يسعى أو يحاول فرض رأيه أو تطبيقه بالقوة على الآخرين. وينبغي أن ينظم المجتمع الأساليب والوسائل التي يمكن للفرد من خلالها ممارسة حقه ومسؤوليته في الوقت نفسه في التنبيه إلى ما يعترض عليه أو ينكره من تصرفات فردية أو ظواهر اجتماعية، وفي حث السلطات المختصة على متابعتها واتخاذ الإجراءات القانونية والنظامية بشأنها.
إن الحاجة إلى تأكيد موقف واضح ومحدد من هذه المسألة تنبني على ملاحظة ما نراه ونعتبره انعكاسات خطرة وسلبية على استقرار وانضباط الحياة المدنية في المجتمع، لشيوع مفهوم معين لمبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“، يعطي للأفراد وللجماعات حرية التصرف والمبادرة الذاتية للفعل لتغيير ما يرونه، بحسب اجتهاداتهم وفهمهم، سلوكاً منكراً أو ظواهر خارجة عن الدين.
إن إطلاق حرية الأفراد والجماعات للفعل والتصرف في هذا الإطار يتناقض في رأينا مع المقومات والشروط اللازمة لتنظيم وضبط حياة الجماعة التي يأتي في مقدمتها خضوع كل شؤون هذه الحياة للتشريعات والقوانين التي تتخذها الجماعة لنفسها، وتحديد سلطة متابعة ومراقبة وضمان نفاذ هذه القوانين لمؤسسات يحددها المجتمع وينظم شروط تكوينها وممارستها لمهامها.
ومن ثم فإننا نرى أن سبيل المواطن المنضبط الواعي بحدود وأبعاد مسؤوليته السياسية الوطنية، لممارسة حقه ومسؤوليته في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو حرصه على ممارسة حقه ومسؤوليته في التعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار السياسي، من خلال مختلف آليات وصيغ المشاركة في الاهتمام بالقضايا والشؤون العامة، وحرصه على ممارسة سلطات الرقابة والضبط القانونية لعملها على أكمل وجه وأدقه.
6 – قيم ومعان كبرى
إيماننا بأن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع يقترن بإيماننا بأنه يمثل مرجعية روحية وثقافية وحضارية شاملة، تستمد منها الأسس والمعايير والمناهج لتخطيط وقيادة عملية التحول الحضاري الشاملة التي نسعى لرؤيتها تتحقق في المجتمع الليبي الجديد في مختلف مجالات الحياة فيه: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من أجل تحقيق نموذج المجتمع العصري المسلم الذي يستوعب مختلف المعطيات الإيجابية للحضارة الإنسانية، ويوظفها لإنجاز مهمة الإنسان في تنمية الحياة وإعمار الكون، من خلال منظومة متكاملة من القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، نخص منها بالتنويه ما يلي:
أ– تكريم الإنسان وتشريفه بحرية الاختيار والمسؤولية
ويقتضي الإيمان بهذه القيمة أن نحرص حرصاً مبدئياً على ضرورة أن تكون مرتكزاً أساسياً من مرتكزات النظام السياسي الذي ندعو لإقامته في ليبيا، بحيث تنبنى فلسفته، ويشمل من الضوابط والضمانات ما يكرس هذه القيمة ويكفلها للإنسان الذي يوجد على أرض ليبيا، بصرف النظر عن جنسه أو جنسيته، وبصرف النظر عن غناه أو فقره أو مكانته الاجتماعية أو موقعه من السلطة والحكم. كما يكفلها للإنسان عبر مختلف مراحل عمره، وفي مختلف مجالات حياته الشخصية والعامة. ونتصور أنه يمكن أن يكون من بين هذه الضوابط والضمانات ما يلي:
· ضمان حصول الإنسان على الحد الأدنى اللائق من ضروريات الحياة الأساسية، من الغذاء والكساء والسكن، عن طريق العمل إن كان قادراً عليه، أو بضمانة المجمع في مختلف حالات العجز عن الكسب.
· ضمان صون كرامة الإنسان ووقايتها ضد أصناف الانتقاص منها أو المساس بها، عن طريق تحريم وتجريم مختلف ممارسات العدوان البدني أو النفسي على المواطن، وسد كل المنافذ التي يمكن أن تؤدي إليها بذريعة فرض سلطة الدولة أو حماية أمن المجتمع أو تطبيق القوانين.
· ضمان التجسيد الفعلي لمبدأ أن الأصل في وجود الإنسان هو الحرية: حرية الفكر والاختيار، ثم حرية الفعل الملتزم بالتشريعات وضوابط السلوك العام، ومن ثم بناء النظام السياسي في مختلف جوانبه ومفرداته بما يوفر لهذه الحرية أفضل الظروف والفرص للترسخ والنمو والازدهار عبر الممارسة الفعلية في شتى جوانب حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، تقليص فرص وإمكانيات تقييدها إلى الحد الأدنى.
إن البناء على مبدأ أن الله –سبحانه وتعالى– قد كرم الإنسان وفضله على كثير من مخلوقاته بالعقل والعلم، وسخر له الكون لخدمة وتيسير وجوده على الأرض، يقتضي من باب أولى ألا يسمح المجتمع الإنساني لنفسه بالإخلال بهذا المبدأ، وينبغي من ثم أن يقيم نظام التعايش فيه على أساس كل ما يصون هذه الكرامة ويحفظها، ويمنع المساس بها أو إهانتها بأي صورة من الصور.
ب – معيار الحكم على الإنسان
الإيمان بمبدأ أن الله –سبحانه وتعالى– قد ميز الإنسان عن بقية المخلوقات بالعقل والقدرة على التمييز، ثم بالتكليف ومسؤولية الاختيار بين سبيلي الخير والشر، يفترض منطقياً التسليم بأن الناس سوف يتميزون عن بعضهم البعض في معيار الإنسانية بقدر حرصهم على استخدام ما ميزهم الله به من القدرة العقلية والفكرية في مواجهة مختلف القضايا والشؤون التي تواجههم في الحياة، بما يقيم هذه الحياة وينميها وييسر لها أداة وظيفتها في الدنيا كما أرادها الله للإنسان.
ومن هنا فإن تميز الإنسان عن غيره من الناس في مختلف جوانب الحياة المادية الظاهرة، في بدنه قوة وضعفاً، حسناً وقبحاً، أو في ملابسه وثروته ومكانته الاجتماعية والقبلية، أو موقعه من المسؤولية ومراتب السلطان والحكم، ينبغي ألا يكون له أي قيمة متميزة، وألا يتخذ معياراً للحكم على خلق الإنسان ودينه، أو على كفاءته وجدارته.
وفي هذا الصدد تكتسب فكرة أن “الدين المعاملة” أهمية جوهرية، فقيمة الإنسان من حيث هو فرد في جماعة تتوقف أساساً على مدى انعكاس صدق وقوة إيمانه بالله وشريعته على تعامله مع غيره من أفراد الجماعة، وعلى مدى حرصه على أن يكون عنصراً عاملاً منتجاً، ملتزماً بالصفات والأخلاق التي يحث عليها الإسلام، وجعلها نبراساً يهدي الناس لما يحقق مصالحهم المشتركة ويعينهم على القيام بمسؤوليته حمل الأمانة والتكليف.
إن التزام الفرد بأداء التكاليف الدينية المفروضة على المسلم، لا يصح أن يكون في ذاته دليلاً أو معياراً لحسن تدين الفرد وإسلامه أو صلاحه وفضله في المجتمع، فهذا الالتزام يظل أمراً ذاتياً بحتاً، يقوم به المرء في إطار أداء حق الله تعالى على مخلوقاته، والله يتقبله من الإنسان ويثيبه عليه، أو يحاسبه على تركه والتهاون فيه إذا شاء. وما لم ينعكس هذا الالتزام على حياة الإنسان العملية، في إطار أداء حق الجماعة التي يعيش فيها، إخلاصاً في العمل، وإحساناً في المعاملة، وتمسكاً بالفضيلة ومكارم الأخلاق، وتقديماً للمصلحة العامة على مصالحه الفردية الذاتية، يظل بدون أية قيمة فعلية.
ج – بين التيسير والتعسير
إن الإيمان بأن الله –سبحانه وتعالى– قد رضي الإسلام ديناً للناس كافة، وكان آخر رسالة منه إلى البشر، يعني بالضرورة أنه دين يتفق ويتواءم مع الطبيعة والفطرة التي خلق الله الناس عليها. والله –جل شأنه– خلق الناس مختلفين في طبائعهم وقدراتهم وفي حظوظهم من الصحة والمرض، ومن القوة والضعف، وفي نسب ما أودع في فطرتهم من نوازع الروح والمادة، وتجاذب حاجات النفس وأشواقها الروحية، مع رغبات الجسد وشهوات الغريزة، والميل إلى أحد طرفي الحياة: الدنيا والآخرة. ومن ثم فإن لم يضع لهم في الدين من التكاليف التعبدية والعملية ما يشق عليهم، أو يحملهم ما لا يطيقونه من العنت والإرهاق، أو يخرج عن حدود ما خلق فيهم من طبيعة وفطرة، وما أعطاهم من قدرة وطاقة نفسية وبدنية.
ومن هنا فإنه من الطبيعي والنطقي ألا تكون ثمة صورة واحدة أو مثال وحيد من الدين والتدين والممارسة الدينية، وأن تختلف هذه اختلافاً كبيراً، بقدر اختلاف آحاد الناس بعضهم عن بعض: بين الفرد الذي يقتصر على أداء الفروض الواجبة في العبادات والمعاملات، والامتناع عن المعاصي والمحرمات، ولا يزيد على ذلك، وبين الفرد الذي يتطوع ويتشوق لأداء ما يزيد على الفروض من النوافل وأصناف الطاعات والقربات، بحسب ما يوجد في فطرة كل منهما من غلبة المادة على الروح، أو الروح على المادة، ومن ثم اختلاف طرفي المعادلة بين الدنيا والآخرة.
إلا أن هذا الاختلاف ينبغي ألا يتخذ معياراً أو أساساً للمفاضلة والتمييز بين الناس في مقدار الجدارة بالانتماء إلى الدين والانتساب إلى مراتب الإيمان، فكلا النوعين من الناس هو مسلم تام الإسلام، ولا يحق لأحد أن ينتقص من دينه أو يتهمه في تقواه. وينبغي أن يترسخ في النظام الذي نتصوره، ثم في الممارسة العملية الواقعية، رفض أي توجه لفرض نمط أو أسلوب معين للتدين، وتأكيد مبدأ التيسير والتوسعة على الناس وحقيقة التباين والاختلاف والتنوع.
إن إيماننا بأن الدين يسر لا عسر، واقتداءنا بالرسول الكريم الذي قال: “يسروا ولا تعسروا” وثبت أنه “ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما“، هو ما نبني عليه قولنا بأن الأصل في الإسلام هو اليسر، وبأن من يميل إلى اختيار الأيسر من الآراء والاجتهادات يستوي في درجته من الإسلام مع أخيه الذي يميل إلى اختيار الأعسر واتباع الأصعب.
ومن ثم فنحن نعتقد أنه لا أساس من الدين مطلقاً لتلك الصورة المتزمتة المتشددة المتجهمة في وجه طيبات الدنيا، وكل ما فيها من مظاهر ووجوه المتعة والمسرة والجمال، التي يحرص بعض المنتسبين إلى شعار الإسلام على أن يروجوها ويدافعوا عنها، باعتبارها هي الصورة الوحيدة للإسلام الصحيح. فنحن نؤمن بأن الله لم يخلق الطيبات للإنسان، ولم يخلق في طبعه وفطرته حبها والتطلع إليها إلا لكي يتمتع بها، ويشبع حاجاته المادية والروحية منها. ولم يضع عليه في هذا الصدد أي حدود أو قيود إلا حدود الالتزام بما حلله له أو حرمه عليه منها، والالتزام بفضيلة التوسط والاعتدال فيها بين التفريط والإفراط، وبين التضييق والتقتير، أو الإسراف والتبذير.
ومن هذا المنظور فإننا نؤمن بأن سعي المسلم للتمتع بطيبات الحلال هو جانب أصيل من الدين، ومقوم أساسي من مقوماته، يأتي في مرتبة متساوية مع حرصه على تجنب الحرام والامتناع عنه. وكما يؤجر المسلم ويثاب على بعده عن الحرام وتجنبه ارتكابه، فإنه يؤجر ويثاب على سعيه للحلال وتمتعه به.
وهكذا فإننا نعتقد بأن من أهم المبادئ التي نحرص أن نبني النظام السياسي عليها مبدأ رفض وتجريم أي سعي لتحريم الحلال، بنفس الدرجة التي سيحرص بها على تجريم ومنع أي صورة من صور تحليل الحرام وممارسته.
د – قيمة العلم وموقعها في الحياة
إيماننا بأن الإسلام هو دين العلم، سيظل مجرد قول أو شعار، إذا لم ينعكس على أرض الممارسة والواقع الفردي والجماعي، سلوكاً ومنهجاً للتعامل مع قضايا للحياة ومشكلاتها. ومن هنا فإن المجتمع الذي نتصوره ونحلم ببنائه في ضوء هذا الإيمان ينبغي أن يتخذ من التدابير العملية، ويضع من الخطط العلمية، قصيرة المدى وبعيدته، ما يكون كفيلاً بتربية الإنسان على استخدام العقل الذي ميزه الله به عن سائر المخلوقات، وحثه، بل أمره أمراً، باستخدامه في سعيه لتيسير أموره المعاشية بأفضل السبل والمناهج التي تكفل له الاستقرار والسعادة والرقي الإنساني المزدهر.
ولعل من أهم متطلبات بلوغ هذه الغاية شرطين أساسيين:
الأول: توفير كل المتطلبات والبنى الأساسية المادية والمنهجية التي تتيح وتيسر على الإنسان طلب العلم والحصول عليه، من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية المجهزة تجهيزاً مناسباً ومتطوراً، ومن خلال المواد العلمية والثقافية المختلفة.
الثاني: بناء فلسفة التربية في المجتمع كله: في الأسرة ومؤسسات التعليم الرسمية وغير الرسمية وفي وسائل الإعلام، على محور تنمية شخصية الفرد وقدراته العقلية، من خلال إطلاق حرية العقل في التفكير والتدبر والتأمل، دون ممارسة أي قيود أو ضغوط فكرية.
لقد خلق الله في الإنسان العقل وحثه في كتابه الكريم على استخدامه في كل ما يصادفه من مسائل وقضايا، مما يتعلق بالكون وخالقه، وبالحياة وشؤونها، وإن ممارسة أي شكل من أشكال التقييد أو الحظر أو الوصاية على حرية الإنسان في هذا الصدد يعتبر تناقضاً صارخاً وتنكراً حقيقياً لهذا الأمر الإلهي الذي يجسد القيمة الجوهرية الكبرى في خلق الإنسان ووظيفته على الأرض.
وإن حلمنا ببناء مجتمع مزدهر نامٍ ومتطور سوف ينبني واقعياً وفعلياً على مدى إيماننا بهذا المفهوم، وحرصنا، ثم نجاحنا، في نقله إلى حيز الممارسة والتطبيق من خلال تكريس وتجسيد المبادئ التالية:
1- حرية الإنسان الأصلية في طلب العلم والمعرفة دون أية وصاية أو قيود.
2- حق الإنسان في التعلم والحصول على المعرفة.
3- واجب المجتمع في توفير مصادر العلم وأدواته وتيسير الحصول عليه.
4- إحسان توظيف منجزات التقنية الحديثة في مجال المعلومات.
5- تكريم العلماء وتقديمهم في مراتب المسؤولية في المجتمع.
6- اتباع أساليب التخطيط العلمي والمناهج العلمية لإدارة شؤون الحياة وتنميتها وتطويرها.
هـ – بين الاختيار والإجبار
القناعة بأن الحرية هي أصل وجوهر الإيمان، وأن السبيل الذي شرعه الله وأمر باتباعه للدعوة إلى دينه هو سبيل الحوار والحكمة والموعظة الحسنة، وهو سبيل يتعارض ويتناقض مبدئياً مع أساليب الإكراه والإجبار والضغط؛ هذه القناعة ينبغي أن تنعكس واقعياً في التمييز بين منهجين للتعامل مع قضية السعي لخلق الإنسان المسلم والمواطن الصالح الملتزم بتعاليم الدين وقيمه، وبضوابط الحياة الاجتماعية، هما: منهج الاختيار ومنهج الإجبار، أو منهجا الالتزام والإلزام. ويعني هذا الأخير منهج السعي لإجبار الناس على التقيد بالتعاليم الدينين والضوابط الاجتماعية وإلزامهم بها بسطوة القانون وقوة السلطان، فيما يعني الأول السعي لإيجاد القناعة الداخلية الذي الإنسان بأن الالتزام الذاتي بتلك التعاليم والضوابط هو في مصلحته كإنسان فرد وكعضو في جماعة، لا يمكن أن يصلح حالها الكلي إلا بصلاح حال أفرادها، وذلك من خلال انتهاج سبيل التربية والتوعية والتثقيف، وسبل القدوة والممارسة الفعلية.
وينبني كل هذا على الإيمان بأن منهج الإلزام والإجبار، إلى جانب كونه مخالفاً ومناقضاً لمنهج الإسلام في الدعوة والتربية الإنسانية، هو منهج لا يجدي عملياً إلا في خلق أناس يلتزمون في الظاهر بالتعاليم والضوابط، ولكنهم يخالفونها، وربما يسعون سعياً لمخالفتها، حين يكونون بمأمن من رقابة القانون والمجتمع.
ومن هنا فإنه من الأجدى للمجتمع أن يركز جهوده، عبر مناهج وخطط عملية مستنبطة ومبنية على معطيات الواقع المحلي وحاجات تنميته وتطويره، على مساعي خلق الإنسان والمواطن الملتزم عن قناعة وإيمان داخلي راسخ، مع التقليل إلى أقصى حد ممكن من أساليب الفرض والإجبار عبر سلطة القانون، وسيف الجزاء والعقاب.
إن من أسهل الأمور سن القوانين ووضع التشريعات، ولكن بلوغ الغاية المطلوبة من تطبيقها والالتزام بها عند الغالبية من المواطنين أمر بالغ الصعوبة، وهو مستحيل في كثير من الأحيان، وهو من ناحية أخرى لا يجدي نفعاً في الحياة الواقعية وعلى المدى البعيد.
ومن هنا فإن المهمة الصعبة والشاقة، ولكنها الوحيدة المجدية والمفيدة على المدى البعيد، هي ابتداع وانتهاج السبل والمناهج التي تسعى إلى خلق الالتزام الذاتي لدى كل الناس، عبر مناهج التربية والتعليم، ومن خلال الاستثمار العلمي المدروس لوسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية والثقافية المختلفة.
و – بين الطفرة والتدرج
إن من أخطر القضايا التي ستواجه الليبيين في سعيهم نحو مستقبل يحقق آمالهم وطموحاتهم في حياة مستقرة نامية مزدهرة هي قضية التعامل مع الواقع الذي سيجدون أنفسهم مطالبين بالتعامل معه، بكل ما يرزح تحته من مخلفات ومظاهر التخلف والفوضى والتسيب، ومن ظواهر الانهيار الملحوظ في منظومة القيم الأخلاقية، والبعد عن عادات المجتمع وتقاليده الإيجابية، مع زيادة شيوع الممارسات والسلوكيات السلبية.
وينبغي البدء أولاً بالاعتراف بأن الفجوة بين هذه الصورة الواقعية المرفوضة وبين الصورة المثلى التي نحلم بها ونسعى إليها، هي فجوة هائلة، نتجت عن تراكمات السنين الطويلة والقرون المتتابعة التي أفرزت ورسخت العديد من الممارسات والسلوكيات، ومن الأفكار والمفاهيم، التي ابتعدت بالإنسان عن تعاليم الدين وأخلاقياته، وعن تقاليد المجتمع وأعرافه الإيجابية، وتخلفت به، في الوقت نفسه، عن مسيرة التقدم والحضارة الإنسانية.
وسيكون من أكثر المنطلقات خطأ وخطورة في التعامل مع ذلك الواقع منطلق الحلم بالقدرة على نقل المجتمع إلى الصورة التي نحلم بها جميعاً بين يوم وليلة أو بقوة الجبر والقانون. إن المنطلق الصحيح هو اتباع منهج التروي والتأني والصبر في معالجة الأوضاع والظواهر المرفوضة، والتأسيس على الفهم الشمولي المدرك لأبعاد ومصاعب عملية الانتقال الكبرى من هذا الواقع المتخلف إلى الصورة المتقدمة المطلوبة، والتي ينبغي النظر إليها والتعامل العلمي والواقعي معها على أنها عملية ذات بعد استراتيجي قد يتطلب الوصول فيها إلى تحقيق أوائل النتائج الملموسة إلى العديد من السنواتـ والعديد من المراحل المتعاقبة.
ومن هنا فسوف يكون من الضروري أن يتأسس سعينا لإحداث هذه النقلة الحضارية على درجة واضحة ومقصودة من التغاضي والقبول لبعض المظاهر والسلوكيات الفردية والاجتماعية التي نؤمن ونعلم أنها لا تتفق كثيراً أو قليلاً مع روح الإسلام وتعاليمه، أو مع الأعراف والتقاليد الإيجابية التي كانت سائدة في الحياة الاجتماعية، ليس من منطلق الاعتراف بها أو التسليم بأنها أمر واقع راسخ ولا يمكن تغييره، ولكن من منطلق القناعة بأن التعامل الصحيح معها من منظور السعي لإنجاز التحول الحضاري الجوهري العميق، ينبغي أن يكون باتباع منهج التخطيط العلمي الشامل والأخذ بسنة التدرج التي سنها الله –سبحانه وتعالى– في إكمال دينه وتبليغه للناس، وفي تحويل المجتمع الذي نزل فيه من واقع الكفر والضلالة والجاهلية إلى واقع الإسلام والإيمان والهداية.
وسيكون من الأهمية العملية بمكان أن نحسن ترتيب الأولويات في خططنا للتعامل مع قضايا ومشاكل إعادة البناء، فنضع قضايا إعادة بناء الإنسان، وقضايا تأسيس الدولة والمجتمع الجديد، في أعلى هذا السلم، ثم نتدرج بالعناية والاهتمام إلى كل ما دون ذلك من قضايا ومسائل، بحسب رؤية واضحة، وخطط عملية مدروسة.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز.
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية