إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء الأول مقدمة مطولة حول أهمية العمل السياسي المنظم في البناء الديمقراطي. ويتناول هذا الجزء قضايا نظام الحكم بدء من الشرعية ومرورا بمسألة الديمقراطية وقواعدها وانتهاء بالحزبية والتعددية والحريات العامة.
(2)
الباب الأول: نظام الحكم
أولاً – الشرعية
أ – معنى الشرعية
إن المعيار الوحيد للحكم على شرعية أي وضع أو نظام سياسي هو استناد هذا الحكم أو الوضع على إرادة الشعب المعبر عنها باتفاق أغلبية أفراده من خلال أسلوب الاقتراع السري الحر، المكفولة له كل ضمانات الصحة والنـزاهة والحرية.
ومن هنا فإن أي حكم لا يستند إلى هذه الإرادة الشعبية لا يكون نظاماً شرعياً، مهما كانت الظروف والملابسات والدوافع التي أدت إلى وجوده في موقع الحكم والسلطة، ومهما كان ظالماً أو عادلاً، جيداً أو رديئاً، فردياً أو جماعياً. ومن ثم فإن أي سلطة لا تستند إلى الإرادة الشعبية هي سلطة غير شرعية ينبغي أن تكون موضوعاً للرفض، وهدفاً للمقاومة.
ب – الشرعية الشعبية
ومن هنا فنحن نؤمن بأنه ليس للشرعية سوى شكل واحد ومفهوم واحد، أي الشرعية التي تنبع من إرادة غالبية الشعب الحرة. ولذا فإننا نرفض القبول بأي أوصاف أخرى قد توصف بها الشرعية، مثل “الشرعية الثورية” أو “الشرعية الدستورية“. فما يسمى “الشرعية الثورية” هو مجرد تعبير اصطلح عليه لوصف الحالة التي توجد كأمر واقع حين يقوم فرد أو فئة بالاستيلاء على الحكم أو السلطة في بلد ما، ويفرضون أنفسهم حكاماً عليه، ولا يجد المجتمع الدولي إلا الاعتراف بهذا الوضع بحكم أنه “أمر واقع“. أما رفض تعبير “الشرعية الدستورية” فيستند إلى أن القول بشرعية دستورية قد يعني ضمناً القول بأن ثمة “شرعيات” أخرى كالشرعية الوراثية أو الشرعية الثورية وغيرها. ونحن نؤمن بأنه ليس ثمة إلا نوع واحد من الشرعية هي التي قد نقبل تجاوزاً تسميتها بـ“الشرعية الشعبية“، أي الشرعية المستمدة والمستندة إلى قرار أغلبية الشعب وإرادته.
ج – الدستور
ويكتسب الحديث عن الدستور في إطار الحديث عن الشرعية أهمية خاصة، من حيث إن للدستور قيمة عملية وإجرائية كبرى من الناحية التطبيقية التنفيذية، باعتباره الإطار المدون الذي يحتوي مجموعة القواعد والضوابط التي يتفق عليها الشعب لتنظيم الكيفية التي تتجسد بها الشرعية في أرض الواقع، فيحدد نظام الحكم ومبادئه ومنطلقاته الفلسفية والمؤسسات التي يقوم عليها، وشروط وضوابط ممارسة الحقوق والحريات العامة، إلى آخر كل القضايا المهمة التي يرى الشعب ضرورة النص عليها في وثيقته القانونية الكبرى “الدستور“. وبهذا المفهوم يكون الدستور هو مرجع الشرعية ومعيارها، فحالما يتمكن الشعب من التعبير عن إرادته وتحديد اختياراته السياسية وقول كلمته في اختيار مؤسسات الحكم، وتدوين كل ذلك في دستور تقبله وتوافق عليه أغلبية الشعب، يصبح هذا الدستور هو المرجع والمعيار للشرعية، ويتحدد من ثم كل ما هو شرعي بمدى اتساقه واتفاقه مع الدستور.
وهكذا فإن الدستور هو الركيزة التي لا تقوم بدونها حياة مدنية، وتكون مراعاة الدستور واحترامه والتقيد به في كل ما يمس حياة الجماعة، وبالذات من قبل من يضعهم الشعب في مواقع المسؤولية والحكم، هو المعيار الذي يجب أن تقاس به الأشياء، وتوزن الممارسات العامة. ومن ثم تصبح مخالفة الدستور أكبر جريمة ترتكب في حق الشعب، لأنها طعن في إرادته وخيانة لها وخروج عليها.
ثانياً – الديمقراطية
أ – تعريف الديمقراطية
إن التعريفات التي تعرف بها الديمقراطية، والمناهج المختلفة التي تمارس بها على أرض الواقع السياسي، تجعل الزعم بأن للديمقراطية معنى واحداً ثابتاً متفقاً عليه، ومنهجاً محدداً ملزماً لا خلاف حوله، هو زعم باطل وغير صحيح. وخارج حدود فكرة أن الديمقراطية هي “حكم الشعب لنفسه“، والتي يمكن القول إنه لا يوجد حولها خلاف، فإن الاختلاف ينشأ على الفور حين يتطرق البحث إلى محاولة التحديد الدقيق للمقصود بهذا المعنى العام. ذلك أن أسئلة عدة تفرض نفسها على البحث وينبغي الإجابة عنها، مثل:
– كيف يحكم الشعب نفسه؟
– وما المقصود بالشعب؟ أهو الشعب كله أم لا؟
– وما الحل إن لم يتفق الشعب كله على قضايا أو مسائل محددة، فلمن يكون القرار؟
– وحين تختلف أجزاء الشعب، من يفصل بينها؟ وكيف؟
– وإذا فرض أن الحل عند الاختلاف هو تغليب رأي الأغلبية، فكيف تحدد وتعرف الأغلبية؟
– وإذا حكمت الأغلبية، فما موقف الأقلية؟ وما علاقة الأغلبية بها؟ وما معايير وضوابط هذه العلاقة؟
– وعند تبدل موازين القوة، بفعل الظروف والمتغيرات السياسية والاجتماعية، أي عند تحول الأغلبية الحاكمة إلى أقلية حسب رأي الشعب، فكيف يتم تبادل المواقع في السلطة؟
– وما الموقف من العمل السياسي المنظم في شكل جمعيات أو أحزاب سياسية؟
– وهل لحق الإنسان في ممارسة الفكر والعمل السياسي أشكال محددة؟ وما هي حدود وضوابط تلك الممارسة؟
إن معنى الديمقراطية لا يتحدد بشكل معقول ومرض إلا بالإجابة عن مثل هذه الأسئلة. وربما يمكن اعتبار السؤال المتعلق بإشكالية الاختلاف هو أهم الأسئلة على الإطلاق. وإن الإجابة عنه هي الخطوة الأولى نحو الفهم الصحيح للديمقراطية.
ب – الاختلاف في الرأي ، الحقيقة الكبرى
فلو صح في العقل أو في الممارسة الواقعية إمكانية أن يجمع أفراد أي شعب على رأي واحد، أو مصلحة واحدة، أو هدف واحد، لما كانت هناك حاجة أصلاً لفكرة الديمقراطية. ولكان من أسهل الأمور على الشعب أن يختار أسلوب حكم نفسه وأشخاص الحاكمين، وأن يتخذ مختلف القرارات التي يحتاج إليها في حياته دون حاجة للتنازع أو التصارع أو الاختلاف، ودون حاجة لوضع ضوابط ومعايير. لكن الواقع، منذ عرف الإنسان الحياة الاجتماعية، يقول إن الناس بالضرورة مختلفون في الرأي والمصلحة، وأنهم، حتى إن اتفقت فئة منهم على رأي واحد، فاتفاقهم “جميعهم” على الرأي نفسه غير ممكن.
إذن فواقع انقسام الشعب إلى فئات أو أقسام، وتباين الآراء والمصالح والمواقف فيما بينها، هو “الحقيقة الكبرى” والجوهرية التي ينبغي البناء عليها. وهذا الواقع هو الذي جعل فكرة حكم الشعب “كله” لنفسه فكرة غير ممكنة ومستحيلة، وهو الذي أبرز الحاجة إلى إيجاد معيار يُلجأ إليه لحسم الخلاف واتخاذ القرار بشأن القضايا والمسائل المطروحة على النظر والاختيار، وكان المعيار المنطقي والممكن الوحيد هو تغليب الرأي أو القرار الذي تلتقي حوله وتتفق عليه “أكثرية” الناس. ونشأت من ثم فكرة “حكم الأغلبية“.
ج – الأغلبية والأقلية
إلا أن هذا التسليم المفروض فرضاً بحكم الواقع والمنطق العملي بفكرة حكم الأغلبية ينبغي أن يتم في ظل القبول بالأفكار التالية:
1- نسبية الأغلبية وقابليته للتبدل بحسب متغيرات الأحوال والظروف والعوالم الموضوعية، بمعنى أن الرأي أو الاجتهاد الذي يحظى في وقت معين وظروف معينة باتفاق أغلبية الناس، يمكن ألا يحظى بتأييد وموافقة الأغلبية في وقت وظروف أخرى. ومن ثم يتحول أصحابه ومؤيدوه من حالة كونهم أغلبية إلى الموقع المقابل وهو موقع الأقلية.
2- أن تغليب رأي الأغلبية والاعتراف لها بشرعية وحق الوجود في موقع السلطة التنفيذية، لا يعني أن الأقلية أو الأقليات السياسية الأخرى التي اختلفت معها في الرأي تفقد حقها في الاحتفاظ برأيها وموقفها والتعبير عنه والسعي السلمي لكسب الأنصار له، بمعنى أن تفقد حقها في الوجود السياسي الكامل. إن وجود الأقلية هو الذي يعطي لوجود الأغلبية معناه ومضمونه، فلولا أن ثمة “أقلية” لا توافق “الأغلبية” في رأيها واجتهادها واختيارها، لما كان هناك معنى أصلاً لكلمة “أغلبية“، ولكانت كل المواقف والقرارات والاجتهادات تحظى دون مشقة بإجماع كل الناس.
إذن ففكرة وجود الأقلية إلى جانب الأغلبية وفي مواجهتها هي مقوم أصيل من مقومات المفهوم الديمقراطي، ولها في هذا المفهوم دور جوهري وحيوي تضطلع به وهو دور الضمانة والوقاية من تحول الأغلبية، حالما تكون في موقع السلطة، إلى حالة الاستبداد والطغيان. فوجود الأقلية يعني في ذاته:
– تجسيداً حياً لفكرة أن الأغلبية التي وصلت اليوم إلى السلطة قابلة جداً لأن تصبح غداً، بحسب تبدل رأي الناس واختيارهم، إلى أقلية، فيتعين عليها عندئذ أن تفسح المجال لمن يحظى بتأييد الأغلبية.
– ممارسة دائمة لمهمة الرقابة والمتابعة والنقد والتوجيه إزاء الأغلبية التي تتولى السلطة، لتوعية الرأي العام بأبعاد سياساتها وممارساتها، وكشف ما يشوب هذه السياسات والممارسات من عيوب وأخطاء أو تجاوزات على المصلحة الوطنية.
د – قواعد الديمقراطية
ومن واقع استحالة اتفاق الناس على رأي واحد، ومن ثم انقسامهم إلى “أغلبية” و“أقلية“، وحاجتهم مع ذلك للعيش معاً في مجتمع واحد، نشأت الحاجة إلى وضع قواعد يتفق عليها لتنظيم مسألة الاختلاف في الرأي وضبطها ووضع المعايير اللازمة والملائمة للتعامل معها في الواقع، حتى لا تؤدي، إذا ما تركت دون ضوابط متفق عليها ومقبولة من قبل الجميع، إلى التناحر والاقتتال بين الأطراف المختلفة في المجتمع، بهدف قضاء الطرف الأقوى على الطرف أو الأطراف الأضعف والسيطرة عليها بالقوة، وحرمانها من حقها في الوجود السياسي على الأقل.
ولم تكن هذه القواعد، أي “قواعد ضبط اختلاف الناس في الرأي، وتنظيم تعايشهم سلمياً في ظل مجتمع واحد” سوى قواعد الديمقراطية، وهي التي يمكن الإشارة إليها بإيجاز فيما يلي:
القاعدة الأولى: الاعتراف بأن الاختلاف بين أبناء الشعب الواحد في الرأي أو المصلحة هو أمر طبيعي وفطري. ومن ثم ينبغي قبول هذا الاختلاف باعتباره أمراً مشروعاً وحقاً أساسياً طبيعياً للإنسان، لا يجوز حرمانه منه أو إنكاره عليه
[اختلاف الرأي]
القاعدة الثانية: أن المنطق يوجب أن يكون الفيصل عند الاختلاف ترجيح الرأي أو الموقف الذي يجمع عليه أغلبية الناس، دون المساس بحق الأقلية في امتلاك رأيها الخاص وحقها في التعبير عنه، والسعي لكسب التأييد له
[حكم الأغلبية]
القاعدة الثالثة: الحاجة إلى أسلوب ومعيار متفق عليهما لمعرفة رأي الناس في الأمور المصيرية، وفي مقدمتها مسألة الحكم والحاكم. وهذا الأسلوب هو أسلوب الاقتراع العام. والمعيار هو تحدي مفهوم الأغلبية بحسب نسبة يتفق عليها من مجموع الآراء.
[الاقتراع العام]
القاعدة الرابعة: الحاجة إلى أسلوب يحول دون دوام وجود رأي معين في موقع السلطة، باعتبار أن حركة الإنسان في الحياة، ومن ثم حركة المجتمع، غير ثابتة، وأنها متغيرة متبدلة، وأن الآراء والمواقف لا تدوم على حال واحدة. وهذا الأسلوب هو فكرة العودة لاختبار واستطلاع رأي الشعب بشكل دوري منتظم، عن طريق الاستفتاء والانتخاب، ثم الانصياع إلى ما تقرره إرادة أغلبية الناس، فيأتي إلى مواقع المسؤولية من تؤيده الأغلبية، ويتنحى من يفقد هذا التأييد.
[تداول السلطة]
القاعدة الخامسة: أن وجود رأي معين أو أغلبية معينة في موقع الحكم والسلطة لا يعني امتلاك هذه الأغلبية حق التسلط على الأقلية أو الأقليات السياسية الأخرى. فالأقلية التي لا تصل إلى موقع الحكم يظل من حقها الاستمرار في امتلاك رأيها الخاص والتعبير عنه والدعوة إليه، دون التعرض للحجر أو المضايقة أو الإرهاب.
[وجود الأقلية]
القاعدة السادسة: أن الديمقراطية هي حالة التعايش السلمي بين الناس بالرغم من اختلافهم في الرأي، ومن ثم فإن انتهاج أي شكل من أشكال التهديد أو التخويف أو الإرهاب لحرمان أحد من التعبير عن رأيه، أو إجباره على تغييره، أو الحيلولة دونه والدعوة إليه، يعتبر انتهاكاً لروح الديمقراطية.
[التعايش السلمي]
القاعدة السابعة: أن اختلاف الآراء ينتج انقسام المجتمع إلى مجموعا، تختلف قلة وكثرة، يملك أفراد كل واحدة منها رأياً واحداً أو متقارباً. وحركة الحياة الطبيعية تؤدي إلى تجاذب والتقاء الناس الذين يميلون إلى نفس الرأي. وقد ثبت من التجارب الواقعية للمجتمعات البشرية أن الأفضل والأجدى للمجتمع الاعتراف بهذه النـزعة الطبيعية للالتقاء، والسعي لضبطها وتنظيمها وإعطائها حق وشرعية التحرك المعلن. لأن هذه النـزعة ، إن لم يتح لها التعبير عن نفسها في العلن وفي ظل القانون والنظام العام وبالأسلوب السلمي، فإنها تجبر على انتهاج أساليب غير شرعية، كأسلوب العمل السري والعمل العنيف.
[العمل السياسي المنظم = التعددية الحزبية]
هـ – حكم الشعب
القول بأن الديمقراطية هي “حكم الشعب” أو “سلطة الشعب” يعني في مفهومنا:
1- أن الشعب هو الوحيد صاحب الحق المطلق في اختيار المناهج والنظم التي يراها ملائمة لإدارة كافة شؤونه (نظام الحكم).
2- أن الشعب هو صاحب الحق المطلق في اختيار الأفراد الذين يفوضهم للقيام بعدد من المهام المحددة في مجالات التشريع والتنفيذ والقضاء وغيرها، وهي ما تعرف بالسلطات: التشريعية، التنفيذية، القضائية.
3- الإيمان بأن السيادة أو السلطة هي حق الشعب، وأن التفويض الذي يمنحه الشعب للسلطات أو للمؤسسات هو تفويض محدد بقيود وشروط موضوعية وزمانية، يبقى ما بقيت، وينتهي بانتهائها أو الإخلال بها. ويعني هذا أن السلطة تبقى حقاً ثابتاً للشعب، يفوضها بإرادته، ويلغيها بإرادته. ولا يحق لأحد أو لفئة أن تدعي لنفسها هذا الحق أو جزءاً منه، تحت أي ظرف من الظروف، وتحت أي مسمى من المسميات.
بيد أن التجربة التي خاضها شعبنا في ليبيا منذ 1969 تثبت لنا بالدليل العملي والبرهان التجريبي تهافت مزاعم إمكانية وجود صيغة لـ“سلطة الشعب المباشرة“، بعد أن انتهت التجربة التي تمت محاولة تطبيقها في ليبيا إلى فشل ذريع وتام، ولم تفرز في الواقع سوى صورة أخرى من صور الحكم الفردي المستبد، الذي يحاول أن يتخفى وراء شعارات الديمقراطية المباشرة، وحكم الشعب المزعوم من خلال ما سمي “سلطة الشعب” المتمثلة في اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية، ولكنه تحول في التطبيق العملي إلى خليط من الدكتاتورية الفردية والفوضى الجماهيرية غير المنضبطة وغير المؤسسة.
ومن هنا فنحن لا نرى صورة ممكنة وفعالة لممارسة الشعب سلطته إلا تلك التي تقوم على تفويض الشعب مختلف جوانب السلطة، في التشريع والتنفيذ والقضاء والرقابة وغيرها، إلى مؤسسات يختارها بإرادته الحرة، بأسلوب مقنن يضمن لعملية الاختيار الشعبية أفضل ظروف وشروط الدقة والنـزاهة والشفافية والعدالة.
إلا أن هذه الصورة ليست بالضرورة تلك الصورة التقليدية للتمثيل النيابي الذي يكاد يحصر ويقصر ممارسة المواطنين لوجودهم السياسي في صورة واحدة من صوره هي ممارسة حق انتخاب رئيس الدولة أو النواب في السلطة التشريعية. فنحن نؤمن بضرورة ابتداع واتباع صيغ وصور مختلفة من صيغ الممارسة الديمقراطية، تتدرج وتتنوع بحسب اختلاف وتدرج مجالات الحياة في المجتمع، من اجتماعية واقتصادية وإدارية، تتيح للمواطنين ممارسة حقهم الطبيعي والمشروع في التعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار، بصورة مستمرة وإيجابية، تتفاعل مع مختلف شؤون حياتهم الخاصة والعامة وقضاياها.
ولعلنا نتمكن، من خلال التوظيف العلمي المتطور لمنجزات التقنية الحديثة في مجالات الاتصالات والمعلومات والإحصاء، من أن نبتدع أو نقتبس من غيرنا من الشعوب المتقدمة، مثل هذه الصيغ الجديدة والمتطورة التي تجعل عملية استطلاع آراء المواطنين وتبين اتجاهات أفكارهم ومواقفهم بخصوص مختلف القضايا العامة عملية سهلة وميسرة، لا تكلفهم جهداً ومشقة، وتشجعهم بسهولتها العملية على دوام المشاركة فيها والاهتمام بنتائجها وآثارها.
و – حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي المنظم
التسليم بأن اختلاف أبناء المجتمع الواحد في الفكر والرأي هو أمر طبيعي وضروري ولازم للتعايش البشري، يقتضي منطقياً التسليم والاعتراف بحقوق ثلاثة للإنسان تتصل بالفكر والرأي:
الأول: حقه في تكوين وامتلاك رأيه المستقل الخاص به. ولا بد لكي يتمتع الإنسان بهذا الحق على الوجه الأكمل أن يتوفر له:
1- المصادر والمواد اللازمة لتكوين الفكر والرأي، بدءاً من المؤسسات والمناهج التعليمية، مروراً بالمكتبات والمؤسسات الثقافية، وانتهاء بوسائل الإعلام والاتصالات وتقنية المعلومات.
2- حرية الوصول إلى هذه المصادر وامتلاكها والتعامل الحر معها، بدون قيود أو حدود أو ضغوط مادية ومعنوية، ودون ممارسة أي نوع من أنواع الوصاية على الفكر، من قبيل تصنيفه إلى صحيح وخطأ، أو طبيعي وشاذ، أو مفيد ومفسد، أو وطني ومستورد.
وتنبع أهمية هذه الفكرة من كون أن الخطوة الأولى نحو ضرب حرية الرأي ومصادرتها تتمثل في ممارسة هذا النوع من الرقابة والوصاية المسبقة على الفكر وحرمان الإنسان من الاطلاع على مختلف الأفكار والآراء والمعلومات، واختيار ما يقتنع به منها بحرية مطلقة. وليس ثمة في المجتمع الديمقراطي، أي المجتمع المبني أساساً على مبدأ حرية الرأي، جهة أو فئة أو سلطة لها حق ممارسة الوصاية أو الحظر على حرية المواطن في امتلاك وتكوين رأيه المستقل. فأي ممارسة من هذا القبيل تعتبر اعتداء على هذه الحرية وتقييداً لها.
الثاني: حقه في التعبير عن الرأي والفكر وتداوله مع بقية الناس، عبر وسائل التعبير المختلفة، بالدعوة إليه والتبشير به وجمع الناس حوله. وينبغي أن تكون هذه الحرية مكفولة ومصانة، ولا يحدها، خارج نطاق ما يلتزم به كل الناس في المجتمع، باختلاف رؤاهم واجتهاداتهم الفكرية والسياسية، من ثوابت وضوابط ومعايير، إلا قيد واحد، لا يتعلق بمضامين الأفكار أو الآراء أو محتوياتها، ولكنه يتعلق بأسس وأساليب وأخلاقيات الاختلاف، وضوابط التعايش والتنافس والتنازع بين الآراء المختلفة التي يسعى معتنقوها ومؤيدوها لنشرها بين الناس والسعي لجمعهم حولها وكسب تأييدهم لها. وربما يكون من المفيد في هذا الصدد التأكيد على الأفكار التالية:
1- فكرة استواء الآراء، مهما اختلفت وتباينت أو حتى تناقضت، في نسبتها إلى الحق وقصد الخير، وفي نصيبها من القرب أو البعد عن الصواب والخطأ. ومن ثم فليس من حق أحد، فرداً كان أو جماعة، أن يدعي احتكار الحقيقة والانتساب إليها وحده دون الآخرين، وأن يحظر أو يضيق عليهم في حرية التعبير عن آرائهم والدعوة إليها.
2- أن الأسلوب الوحيد المشروع في التعبير عن الرأي ومواجهة المخالفين له ينبغي أن يكون أسلوب الدعوة السلمية القائمة على الحوار وتبادل الأفكار والمقارعة بالحجة. ذلك أن أكبر خطر يمكن أن يواجه الممارسة الديمقراطية ويطعنها في الصميم، هو اتجاه الأفراد أو المجموعات المنظمة لاستخدام أساليب العنف والإرهاب لفرض الرأي على الآخرين، أو لحرمانهم من حق التعبير عن آرائهم والدعوة إليها.
ومن هنا فينبغي أن يكون مرفوضاً ومجرماً بحكم القانون أي شكل من أشكال استخدام العنف والإرهاب الفكري والمادي. فحين تكفل بحكم الدستور حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي المنظم، لكل الأفراد ولكل الاتجاهات الفكرية والسياسية، لا يعود ثمة مُسَوِّغ أو مبرر لاستخدام القوة والعنف، ويصبح الأسلوب الوحيد المكفول والمشروع هو أسلوب الحوار والدعوة السلمية. وينبغي أن تكون ثمة في المجتمع سلطة تخول قانوناً مهمة رعاية هذا التعايش السلمي بين الآراء، فتمنع لجوء الأفراد أو الجماعات إلى أساليب العنف في مواجهة الخصوم والمخالفين، ولها سلطة كفهم عن أي فعل من هذا النوع وتجريمهم وتنفيذ القانون بحقهم.
إن اللجوء إلى العنف في مواجهة المخالفين في الرأي هو لب الاستبداد والطغيان، سواء أتم من قبل حاكم (فرداً كان أو فئة أو حزباً) ضد بقية الناس، أم تم بين الأفراد والجماعات وهي خارج دائرة الحكم والسلطان. ولذا كانت الديمقراطية في أحد معانيها هي حالة تعايش الآراء المختلفة في المجتمع تعايشاً سلمياً، يرفض أساليب العنف، وينتهج أسلوب الحوار والمقارعة بالمنطق والحجة.
3- حق مختلف الآراء في فرص متكافئة لاستخدام وسائل التعبير المختلفة، بحيث لا يجوز أن يحتكر طرف أو جهة حق امتلاك هذه الوسائل واستثمارها لمصلحته. وفي هذا الصدد ينبغي الإشارة إلى أهمية إعادة النظر في مسألة “ملكية” وسائل الإعلام والتعبير، في اتجاه التأكيد على خطورة أن تكون هذه الوسائل حكراً أو حقاً للسلطة الحاكمة. فوسائل التعبير في المجتمع الديمقراطي، مجتمع كل الناس، هي حق للمجتمع كله، بمختلف فئاته وشرائحه ومختلف الاتجاهات السياسية والفكرية الموجودة فيه. وينبغي، من أجل بلوغ أكبر قدر ممكن من نضج الممارسة الديمقراطية وسلامتها أن يكون حق استخدام هذه الوسائل مكفولاً للجميع في إطار الضوابط والمناهج التي تحددها القوانين.
إن التجسيد الفعلي العملي لحرية التعبير لا يكون إلا بضمان حق المواطن في امتلاك وسيلة التعبير أو إمكانية استخدامها، فبدون وجود الوسيلة المناسبة للتعبير عن الرأي لا يعود للفكرة نفسها أي معنى.
إن الاتفاق على مثل هذه الضوابط لتنظيم وتقنين عملية تبادل الآراء والاجتهادات المختلفة داخل المجتمع وتنازعها هي الضمان الوحيد لما يسمى حرية الرأي والتعبير، حيث إنها، إذا احتُرمت من قبل جميع الأطراف، أو فُرِض احترامها على الجميع بقوة القانون وجهات الاختصاص في المجتمع، هي الكفيلة بإتاحة الظرف والمناخ الصحي المناسب لنمو شخصية المواطن، واستقرار الحياة السياسية والاجتماعية، وتمرس الناس كأفراد وكمجموعات بروح التسامح العقلي والفكري، فيقبل كل فرد وكل طرف فكرة حق الآخرين في الاختلاف معه في الرأي، وحقهم المتساوي مع حقه في الدفاع عن الرأي والمحاججة دونه والسعي للإقناع به. ولكن في ظل القناعة بمقولة من قال: إن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب“.
ويتصل بهذا المعنى الإشارة إلى الأهمية الحيوية لهذه الفكرة في المفهوم الديمقراطي، فالقول بأن الإعلام في المجتمع الديمقراطي هو “السلطة الرابعة” يعني في منظور الممارسة العملية الواقعية أن الشعب لا يمارس سلطته فقط من خلال ممثليه في الهيئة التشريعية، ولكنه يملك ممارسة هذه السلطة بشكل مستمر ومباشر وبالغ التأثير من خلال إتاحة الفرصة لكافة أفراده للتعبير عن آرائهم والقيام بمسؤولياتهم في الرقابة والنقد والتوجيه والمشورة، عبر وسائل الإعلام المملوكة للمجتمع أو المملوكة للأفراد والجماعات السياسية والاجتماعية.
وإن هذه النظرة لموقع الإعلام وملكية وسائله المختلفة في منظور الطموح لإعادة بناء المجتمع الديمقراطي المزدهر في بلادنا تنبني على القناعة بأن الاستثمار والتوظيف المنهجي المدروس للإعلام يمكن، بل ينبغي، أن يكون المدرسة السياسية التي يتعلم من خلالها الناس، وعبر الممارسة العملية، كيف يختلفون في الرأي، وكيف يتحاورون ويعبرون عن قناعاتهم وأفكارهم، وكيف يسهمون في تناول ومعالجة القضايا العامة، دون أن يخل ذلك بالعلاقات بينهم، باعتبارهم مواطنين متساوين جميعاً في الجدارة بالانتماء للوطن، ودون أن يخشوا إرهاباً أو عقاباً من قبل السلطة الحاكمة أو من قبل من يخالفونهم في الرأي والاجتهاد.
الثالث: حق الإنسان في العمل السياسي المنظم. وهذا أمر يبرز كنتيجة منطقية للاعتراف للإنسان بحقه في امتلاك رأيه الخاص، ثم بحقه في إعلان ذلك الرأي والتعبير عنه والسعي لإقناع الآخرين به. ذلك أن طبيعة التعايش في أي مجتمع بشري تؤدي بطريقة تلقائية، لا مفر منها، إلى تجاذب وتلاقي الأفراد ذوي الآراء والتصورات أو المصالح المتقاربة، حتى يجد كل فرد في مجموعة الأفراد الذين يتفق معهم في الرأي والاجتهاد الدعم والسند المعنوي والمادي، ويجد بينهم ومعهم قوة وحماية، وإطاراً عملياً منظماً ومسؤولاً يمارس من خلاله حقه الشرعي والدستوري والإنساني في التعبير عن الرأي.
وإن هذه الظاهرة، أي ظاهرة تلاقي الناس ذوي الرأي والتوجه المتشابه، وممارستهم الجماعية المنظمة للعمل السياسي هي في جوهرها ما يطلق عليه ظاهرة “التحزب” أو “الحزبية“.
وبالرغم من أن الاستخدام السيئ لهذه الكلمة قد أدى إلى جعلها تكتسب، وبخاصة في البيئات المتخلفة حضارياً، أو التي خضعت لمختلف أنماط الحكم الفردي، مفاهيم معينة، وتصطبغ بأوصاف تضفي عليها سمات خاصة، وتحملها مضامين في أغلب الأحيان مرفوضة ومكروهة، أو في الأقل سلبية وغير إيجابية، من قبيل الربط بينها وبين مفاهيم الخيانة الوطنية أو العصبية القطرية أو الفساد السياسي، إلا أن النظر العلمي الموضوعي لها يؤدي إلى القول بأن “التحزب” هو في مفهومه المجرد حقيقة بشرية واجتماعية قائمة. وهي قائمة بحكم فطرة البشر وضرورات تعايشهم في المجتمع الواحد. وهي قائمة سواء اعترفنا بها أم لم نعترف.
إن الذي يحدث في الواقع هو أحد أمرين:
الأول: ألا يعترف النظام السياسي أو المجتمع بظاهرة التحزب، أي حاجة الناس ذوي الرأي المتقارب للاجتماع والالتقاء المشترك، ومن ثم يضطر الناس إلى ممارسة هذه الحاجة في السر، وخارج ضوابط ورقابة المجتمع وسلطة القانون.
الثاني: أن يعترف المجتمع بأن هذه الظاهرة هي ظاهرة طبيعية ومشروعة ولازمة، ومن ثم يعمد إلى ضبطها وتنظيمها ووضع قواعد تجسدها في إطار العلن والشرعية، حتى يتجنب مخاطر التنازع والتصارع العنيف بين الأطراف، وسلبيات اللجوء إلى العمل السري، الذي يجر بالضرورة إلى حلقة مفرغة من التجاذب العنيف بين مجتمعات الرأي وسلطة القانون التي تجرمها وتحاول منعها من الوجود.
وعلى ضوء هذا الفهم فإننا نؤمن بأن ظاهرة “التحزب” في حد ذاتها وبمفهومها المجرد عن أي مضامين أو ظلال معينة، هي ظاهرة طبيعية ولازمة للتعايش البشري السلمي، وأنه من الأسلم لأي مجتمع أن يعترف بها ويضبطها ويضع لها القواعد المناسبة لتحققها في أرض الواقع، على نحو يضمن السلام الاجتماعي ويثري الحياة السياسية، بإتاحة الفرصة لكل الآراء والاجتهادات لأن تنمو في جو صحي، وتتنفس هواء الحرية النقي، وتمد غصونها وأوراقها في ضوء الشمس.
وبهذا لعلنا نرد على مقولة من قال إن “الحزبية خيانة” أو أنها “إجهاض للديمقراطية” بالتأكيد على الحزبية في رأينا إنما هي “حق تجمع الناس ذوي الرأي والتوجه الواحد للعمل في شكل جماعي منظم“، وأن كل صاحب رأي أو اجتهاد له نصيبه المتساوي مع أنصبة الآخرين في الانتماء إلى الوطن أو إلى الأمة، وأن الانتماء إلى الرأي أو الاجتهاد الخاص لا يمس نقاوة الانتماء إلى الوطن ولا ينقص منها. بل إنه في مفهومنا هو الدليل على ارتقاء المواطن درجة أو درجات في سلم الرقي الحضاري والنضج الديمقراطي.
من ناحية أخرى ثمة من يميل إلى الاعتراض على الحزبية أو النفور منها لأنها في نظره قرينة للتعصب. ومع أنه يحدث في الواقع كثيراً أن الملتقين حول رأي واحد تتحول الرابطة بينهم إلى نوع من العصبية العمياء، ونوع من الولاء للكيان الذي هو الحزب أو التنظيم أكثر من كونها انحيازاً للرأي أو الاجتهاد السياسي. وهذه الحالة تنعكس سلباً على الممارسة السياسية، وربما تقود إلى تأجيج الصراعات واحتدامها، بدل الإسهام في التخفيف منها. إلا أن هذا الاعتراض ليس لازماً بالضرورة وفي جميع الأحوال، وينبغي ألا يؤدي التخوف من وقوع هذه النتائج السلبية إلى رفض الفكرة من حيث المبدأ، لأن الفكرة هي ضرورية ولازمة للحياة الاجتماعية المستقرة. ومن ثم فلا يبقى أمام المجتمع إلا أن يبذل الجهد، ويضع ما يمكن من الضوابط، حتى يتجنب أكبر قدر من هذه السلبية، ويمكن تجمعات الرأي (أي الأحزاب) من أن تربي أعضاءها على وضع رابطة الفكر والرأي قبل رابطة الهيكل التنظيمي، وعلى اعتبار الولاء للرأي هو لب وروح الولاء للحزب، الذي هو بدوره جزء من الولاء للمصلحة العامة، مصلحة الوطن والأمة.
ز – التعددية الحزبية: حدود وضوابط
ومما يتصل اتصالاً وثيقاً بهذه المسألة، أي مسألة حرية العمل السياسي المنظم، التساؤل عن هذه الحرية: هل هي مطلقة لا قيود ولا حدود ولا ضوابط لها؟ أم أنها ينبغي أن تكون مضبوطة بضوابط وقواعد يحددها المجتمع، ويلزم بها جميع أفراده، بمختلف آرائهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم الحزبية.
والإجابة عن هذا السؤال تنبني أساساً على التسليم بفكرة استحالة وجود مجتمع بشري، مهما ارتفعت درجته من الرقي والتحضر، يطلق للفرد أو للمجموعة من أفراده حري الحركة والتصرف دون أي حدود أو ضوابط أو معايير. ومهما كانت المصادر التي تستمد منها هذه الضوابط، والمناهج التي يتبعها المجتمع لإقرارها، فإن لكل مجتمع الحق في إبراز جملة من المبادئ والقيم الكبرى التي يتفق كل أبناء المجتمع على أنها أسس لازمة لقيام البنيان الاجتماعي والثقافي للجماعة، وأنها مقومات جوهرية لهويتها، وشروط حيوية لاستمرار وجودها، بحيث إن تجاوزها أو عدم الالتزام بها أو العدوان عليها يمكن أن يمثل خطراً على هذا الوجود، وإضراراً بالمصلحة العليا للجماعة، فتعتبر هذه المبادئ عندئذ هي المصدر الذي تنبني عليه وتستمد منه جملة الضوابط أو المجددات التي يضعها المجتمع على حرية الأفراد أو الجماعات فيه، في التحرك والعمل السياسي.
وواضح بالطبع أن المقصود بالحرية في هذا المجال ليس حرية الفرد في ذاته وفي الشؤون التي تخصه وحده، ففي هذه الدائرة لا جدال حول أن له مطلق الحرية في أن يفعل ما يشاء، وأنه لا رقيب ولا حسيب عليه إلا ضميره وخالقه، لكن المقصود بالحرية في هذا الصدد هي حرية الفرد أو المجموعة “الحزب” في تداول الرأي والدعوة إليه في العلن، والسعي لنشره بين الناس، فالفرد ليس حراً في أن يؤذي الآخرين أو يعتدي عليهم مادياً أو معنوياً. وكذلك المجموعة “الحزب” ليست حرة في أن تؤذي المجتمع أو تعتدي على ما يرى المجتمع أنه ثوابت ينبغي أن تكون ملزمة للجميع بمختلف آرائهم وتوجهاتهم.
غير أن التعامل الواقعي مع هذه المسألة، وبخاصة ما نراه يتجسد في لجوء العديد من الأنظمة والقوى السياسية في بعض مجتمعات العالم النامي إلى الاستناد على فكرة الثوابت في وضع الكثير من الحدود والقيود على حرية العمل السياسي، واستثمارها في منع أو قمع بعض التوجهات أو التجمعات السياسية وحرمانها من الوجود السياسي الشرعي، يجعل من الحيوي جداً لسلامة الممارسة الديمقراطية السعي لتقليل هذه الثوابت وإحسان تعريفها وتحديدها، بما يضمن عدم الوقوع في دائرة الظلم أو التصادم مع مبدأ الحرية نفسه، من خلال تحول هذه الثوابت إلى سلاح في يد حاكم فرد أو فئة حاكمة لضرب الديمقراطية عبر الالتفاف على أهم مبدأ من مبادئها وهو مبدأ حرية الرأي والعمل السياسي، تحت شعار الدفاع عن ثوابت المجتمع، من قبيل حماية الاستقلال والوحدة الوطنية أو حماية العقيدة والأعراف والتقاليد.
وهكذا فإننا ينبغي أن نقاوم أي توجه، مهما كان مصدره، لقمع أو تحديد حرية العمل السياسي أمام الأحزاب والتنظيمات السياسية، استناداً إلى مفاهيم أو مواقف أو تصنيفات مسبقة، أو حسابات خاصة لدى فئة أو فئات معينة في المجتمع، وأن نؤيد اتخاذ معيار موضوعي ثابت لشرعية الوجود السياسي للتنظيمات والأحزاب، لا ينظر إلى أسمائها أو شعاراتها، بقدر ما ينظر إلى تكوينها وبرامجها ومناهجها، ومدى اتساقها وعدم تعارضها مع ثوابت المجتمع ومبادئه العامة المنصوص عليها في الدستور. ومن هنا فإنه لا يكون ثمة حظر من حيث المبدأ على أي حزب أو تنظيم سياسي يتسمى بأي تسمية شاء، ويرفع أي شعار يريد، شرط أن يلتزم بثوابت المجتمع، وألا يكون في تكوينه أو مبادئه أو أهدافه أو مناهجه ما يتعارض مع هذه الثوابت أو يصطدم مع مبادئ الدستور
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز.
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية