إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
إن رؤيتنا هذه تستند إلى قناعة أصيلة بأن قدرتنا على تحقيق تلك النقلة الحضارية التي ننشدها نحو حياة ديمقراطية مزدهرة ومتطورة، سوف تعتمد اعتماداً جوهرياً على مدى إدراكنا لفكرة بالغة الأهمية في هذا السياق هي أن العمل السياسي المنظم هو وحده الكفيل بتجسيد إرادة المواطنين، وتنظيم حركتهم للدفاع عن حقوقهم الأساسية، التي يأتي في مقدمتها حقهم في المشاركة الكاملة والمستمرة في صنع القرار العام.
بيد أن القدرة الفعلية على ممارسة هذا الحق تتوقف في واقع الممارسة العملية على امتلاك رؤية شاملة، فيما يتصل بمختلف حاجات ومتطلبات معالجة مختلف القضايا والمسائل التي يواجه بها واقع الحياة كل من يحرص على المشاركة في صنع القرار والمساهمة في تطبيقه. ومن هنا يكون من البدهي أن أي عمل سياسي منظم، يطمح لأن يكون أعمق وأكبر من مجرد اجتماع “عدد” من الأفراد في إطار تنظيمي معين، ينبغي له أن يستند إلى أرضية صلبة من الفكر والرؤية السياسية، تؤهله للمشاركة الإيجابية والمساهمة الفاعلة في بناء الحياة وتوجيه حركة المجتمع.
وفي هذا الإطار، وإسهاماً أولياً في مساعي بلورة وتأسيس الرؤية التي يمكن أن تكون محور اللقاء والانطلاق نحو بناء القوة السياسية المنظمة المنشودة، تأتي هذه الورقة المطروحة للنظر والحوار على كافة المهتمين بالعمل السياسي في بلادنا.
***
(1)
أهمية العمل السياسي المنظم في البناء الديمقراطي
أولاً– الإنسان عدد أو كائن سياسي
القول بأن الإنسان كائن اجتماعي يعني أنه، بحكم طبيعته وفطرته التي خلق عليها، لم يوجد، ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن غيره من بني جنسه. وقد احتاج الإنسان منذ بداية تكون المجتمعات البشرية لإيجاد سبل ومناهج لتنظيم حياته في الجماعة، بما يحقق له ولغيره من أفرادها الحاجة للمعاش والأمن. ومع تكاثر أفراد الجماعة، وتعقد الحياة، صارت تبرز تلقائياً وتدريجياً الحاجة إلى التعارف على قواعد تضبط انتظام العلاقة بين الفرد والآخرين، على نحو يوفر له حقوقاً، ولكنه في الوقت نفسه يفرض عليه واجبات، ويحول بينه وبين الاعتداء على حقوق غيره. ونشأت من ثم الحاجة إلى وجود سلطة تشرف على إدارة هذه العلاقة، وتطبيق القواعد المتعارف والمتفق عليها لضبطها وتنظيمها.
وقد مرت المجتمعات البشرية بمراحل عديدة، عرفت خلالها أنماطاً مختلفة من السلطة، تستمد قوتها وشرعيتها من مصادر متباينة، كالقوة البدنية أو القوة المادية (المال–العصبية) أو القوة المعنوية (الأصل–المكانة الاجتماعية–المكانة الدينية). ولكن المجتمعات الحديثة انتهت، بعد عصور من الصراع والتنازع، ومن التجريب والممارسة، إلى تبني مفهوم جديد للسلطة، يعتبرها حقاً أصيلاً للجماعة كلها، تفوضه بإرادتها إلى فرد أو مجموعة تفويضاً مؤقتاً ومشروطاً بالالتزام بقواعد وحدود معينة، يرتبط بقاء التفويض ودوامه باحترامها وعدم تجاوزها.
بحسب هذا المفهوم تكون السلطة حقاً للجماعة، وهي من ثم حق لكل فرد من أفرادها، يمارسه من خلال مشاركته في اتخاذ القرارات المهمة التي تمس حياته كفرد، وحياته كعضو في الجماعة، ويأتي على رأس هذه القرارات المهمة قرار تفويض السلطة للفرد أو المجموعة التي تكلف بإدارة الحياة العامة، وتنفيذ القواعد والضوابط المتفق عليها.
إن حق الإنسان في المشاركة في اتخاذ القرارات العامة هو “أبو الحقوق” كلها، فهو الحق الذي، إن تمسك به الإنسان وحرص على أن يمارسه بنفسه، وأدرك بعمق أبعاد وخطورة التنازل عنه، ضَمِن لنفسه التمتع الفعلي بسائر حقوقه الأخرى، كحقه في الحياة وفي الحرية وفي الأمن وفي العدالة، ومن ثم فإن التمسك بهذا الحق والحرص على عدم التنازل عنه هو الضمان الحقيقي والوحيد لئلاً يقع العدوان على حياة الإنسان وسائر حقوقه وحرياته، لأنه بممارسته الفعلية الواعية لهذا الحق، يضمن لنفسه أن يكون له نصيب في تقرير كل الشؤون التي تمسه كفرد أو تمس حياته كعضو في المجتمع، وتمسه كفرد واحد، أو كفرد متزوج ومسؤول عن أسرة وأولاد، ثم تمس حياته في مختلف مراحلها من الشباب إلى الشيخوخة، وتمس حياة أولاده في طفولتهم وصباهم وشبابهم إلى آخر حياتهم.
إن السبيل إلى العدوان على الإنسان وعلى حرياته وحقوقه، والذي يمكن أن يتجسد واقعياً في شتى أشكال التسلط والاستبداد والسيطرة والاستغلال، يبدأ بجهل الإنسان بحقه المتساوي مع حقوق كل الناس في المشاركة في صنع القرار العام، ويمر بحالة عدم وعي الإنسان بأهمية الممارسة الفعلية لهذا الحق، وخطورة التنازل عنه للآخرين. حين يتخلى المرء عن حقه، يدع السبيل مفتوحاً لأن يستولي عليه آخرون، ولا يعود من حقه، كما لا يعود مجدياً، أن يشكو أو يسخط أو يتذمر، حين يتخذ الآخرون الذين مارسوا حقهم في المشاركة في صنع القرار، قرارات ليست في مصلحته أو مضرة به. فأول سبيل حرص الإنسان على مصلحته، وتوقي مختلف الأضرار الممكنة والمحتملة التي قد تلحق بها هو أن يتمسك بحقه في المشاركة في القرار وألا يتنازل عنه.
إلا أن ممارسة هذا الحق يمكن في الواقع العملي أن تكون مجرد فعل ميكانيكي شكلي يقوم به الفرد دون أن يدرك معناه وأهميته وخطورة آثاره، فيوظف عندئذ لتحقيق مصلحة أطراف أخرى. ومثال هذه الحالة استثمار الأفراد أو المجموعات لحق الأفراد الآخرين في المشاركة من خلال مختلف سبل ووسائل التأثير والضغط والإغراء والابتزاز، مستغلين شتى العوامل التي تساعد على وجود هذه الحالة، مثل الجهل، الحاجة المادية، الخضوع المعنوي لسلطة العصبية، التأثر بوسائل الدعاية. وحين توجد هذه الحالة يتحول الإنسان الذي ينبغي أن يكون “كائناً سياسياً” كامل الخلق وكامل الأهلية الإنسانية، من حيث هو جزء أصيل لا يتجزأ من عملية صنع القرار الجماعي، ومن حيث إن له حقاً متساوياً ومتكافئاً مع حق الآخرين، مهما كانت قوتهم أو ثروتهم أو عصبيتهم أو مكانتهم الاجتماعية؛ يتحول هذا الفرد إلى مجرد “عدد” يضاف إلى غيره من “الناس/الأعداد“، ويحتاج إليه لحسابات الفوز والخسارة في مواقف التنافس بين الأفراد أو المجموعات الساعية للحصول على القدر المطلوب من التأييد الشعبي، المحسوب بعدد أصوات المؤيدين، للحصول على التفويض بالوجود في مواقع الحكم والإدارة.
من هنا يصبح الوعي بخطورة وأهمية استخدام الحق في المشاركة هو اللبنة الأولى لوجود الإنسان الذي يتجاوز حالة “الإنسان العدد” إلى حالة “الإنسان السياسي“، أي الإنسان:
1- الواعي بقيمة وجوده الآدمي باعتباره الكائن الذي ميزه الله بالعقل والتكليف ومسؤولية الاختيار الحر.
2- المدرك لحقيقة تساويه في الحقوق الفردية والاجتماعية الأساسية مع غيره من أفراد المجتمع.
3-الحريص على عدم التهاون في ممارسة حقه في المشاركة في تقرير شؤونه، وعدم التخلي عن هذا الحق أو رهنه لشتى عوامل التأثير والضغط.
***
ثانياً – ممارسة السياسة: درسان من التاريخ
أ– العهد الملكي
دخلت جرثومة العلة السياسية في ليبيا في اللحظة التي اتخذ فيها الملك إدريس في السنوات الأولى للاستقلال قرار حل الأحزاب السياسية، ومنعها من العمل المنظم المعلن. فبذلك القرار أغلق الملك “المدرسة السياسية” التي كانت مرشحة مع الأيام لتخريج أجيال متعاقبة من المواطنين “السياسيين“، أي المواطنين الواعين بحقهم في المشاركة في صنع القرار العام، والحريصين على ممارسته بأنفسهم بوعي وإدراك ونضج. وبذلك ظلت الغالبية العظمى من الليبيين “أميين” سياسياً، ومن ثم غير محصّنين ضد مختلف أشكال التأثير عليهم من قبل الأفراد أو المجموعات التي كانت تسعى للوصول إلى مواقع التأثير في البلاد، من خلال السلطتين التنفيذية والتشريعية. وما زالت الأجيال التي عاشت سنوات الحكم الملكي وعايشت الشكل الوحيد الذي بقي من أشكال الممارسة السياسية، وهو شكل الاقتراع العام لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ، ما زالت هذه الأجيال تذكر كيف كانت الغالبية من المواطنين يعاملون من حيث هم “أعداد” تحسب لصالح هذا أو ذاك من المرشحين. وشهدت العملية الانتخابية شتى أشكال التلاعب بأصوات الناخبين، مثل:
– توجيهها لخدمة العصبية القبلية والجهوية.
– شراؤها من أصحابها بشكل مباشر (المال) أو غير مباشر (عن طريق التزلف للناس بموائد الطعام والهدايا والوعود..وغيرها).
– تزوير الانتخابات ونتائجها.
من الحق تاريخياً القول إن كثيراً من العمليات الانتخابية كانت تتم بشكل سليم ونزيه، وأن الحكومة لم تكن في جميع الأحوال قادرة على تزويرها والتلاعب فيها، لأن المواطنين، وبخاصة في المدن الكبرى (طرابلس، بنغازي) كانوا أكثر وعياً، وكانوا قادرين في حالات معروفة على فرض مرشحين حاولت الحكومة بشتى الوسائل عرقلة ومنع انتخابهم، ولكنها أمام تحرك المواطنين الجماعي الحاسم فشلت في ذلك. إلا أن ذلك العدد الضئيل من النقاط المضيئة ليس كافياً لإنارة الصورة العامة التي لم تكن مضيئة بالكامل. فقد ظل خلو الساحة السياسية من العمل السياسي المنظم المعلن عاملاً خطراً يؤدي إلى النتيجة التي لا مفر منها، وهي أن يبقى القسم الأعظم من الشعب فقيراً لدرجة قاتلة إلى الوعي السياسي المطلوب، الذي يضمن بالفعل أن يكون القرار بيد المواطنين الذين يعبرون عن إرادتهم من خلال إبداء الرأي في مختلف أشكال ومستويات إدارة الشؤون العامة.
وقد ظل الذي يحدث في الواقع هو أن المواطن كان يتوقف عملياً عن ممارسة وجوده السياسي فور انتهاء الانتخابات. ويعود ليمارس حياته كإنسان فرد يسعى من أجل معيشة أسرته، ويصرف كل وقته في همومه الخاصة الفردية والاجتماعية، حتى إذا ما جاءت بعد أربع سنوات من الغياب السياسي الكامل عملية انتخابية أخرى شارك فيها باعتباره عدداً/صوتاً يُغرَى بوضعه في صندوق الاقتراع، بتأثير مختلف العوامل التي أشرنا إلى بعضها.
ثم ساهمت عوامل جديدة في إبعاد الناس عن السياسة، منها:
1- بداية اللهث المحموم نحو الرفاهية الاقتصادية مع بداية تصدير النفط وازدياد ثروة البلاد واندفاع أغلبية الناس للسعي من أجل تحسين مستويات معيشتهم، ما جعل الهم السياسي والحديث عن السياسة ينحسر إلى آخر سلم الأولويات، بل يختفي كلياً عند قطاعات عديدة.
2- شيوع وسيطرة المفهوم المتخلف عن السياسة، حتى في أوساط الشباب المتعلم، باعتبارها منطقة احتكار للحكومة وللبرلمانيين المختصين، وأن الانشغال بالهم السياسي هو تدخل في شؤون الحكم، لا يعني المواطن العادي، وأنه يقرب أن يكون خروجاً عن السلوك الطبيعي المقبول للمواطن الصالح، وأنه دخول في باب المشاكسة والشغب والبحث عن المشاكل.
وكان من ثمار ذلك شيوع الموقف السلبي النافر من العمل السياسي، وبخاصة في شكله المنظم، أي في إطار الأحزاب السياسية، والصعوبة البالغة التي واجهتها الدعوات السرية التي قامت ونشطت خلال الستينيات لكسب الأنصار لعدد من التنظيمات الحزبية (الإخوان المسلمون، البعث، القوميون العرب، الشيوعيون)، بحيث لم يزد عدد الأنصار عن بضع مئات في كل أنحاء البلاد.
3- حرص العهد الملكي على مواصلة وتشديد الحرب ضد العمل الحزبي عبر ترسيخ اعتبار الانتماء الحزبي خروجاً عن القانون، وتهمة تجر على مرتكبها الملاحقة والاعتقال والمحاكمة. وقد قام ذلك العهد بالفعل بملاحقة الدعوات السرية للأحزاب، واعتقال واتهام ومعاقبة العديد من المنتمين إليها (محاكمات البعثيين والقوميين العرب).
4- شيوع وغلبة خطاب “الثورة” في كل المنطقة العربية في أعقاب ثورة يوليو 1952، بكل ما احتواه هذا الخطاب من مفاهيم تقنين وتكريس شرعية “التغيير الانقلابي العسكري” للأوضاع السياسية، وإدانة العمل السياسي المنظم في إطار التعددية الحزبية، بسبب ما شاب الممارسة السياسية الحزبية في مصر قبل الثورة من فساد وانحراف أدى إلى تحول العمل السياسي إلى صراع مباشر، وغير شريف في كثير من الأحيان، على مواقع الحكم والسلطة، يتم غالباً في أوساط الطبقات العليا في المجتمع، على حساب جماهير الشعب المهمشة بالكامل والتي تستثمر “أعدادها” لحساب أرصدة المتنافسين.
ب – عهد القذافي
حين وصل القذافي إلى الحكم في ليبيا في الأول من سبتمبر 1969 لم يتمكن من السيطرة على مقاليد الأمور وحسب، بل لقي هو ورفاقه في الحركة التي أعلنت اسمها “الضباط الوحدويون الأحرار“، مستثمرة الخلفية النفسية والعاطفية التي اكتسبتها حركة عبد الناصر “الضباط الأحرار“، ترحيباً وتأييداً من طرف شريحة عريضة من شباب المثقفين، الذين كانوا قد تعرضوا سياسياً لتأثيرات مدرسة “الثورة الناصرية“، وحفظوا عن ظهر قلب مفردات خطابها الثوري: الرجعية، التقدمية، الثورة، القومية، الوحدة..إلخ، دون أن يتمكنوا من فهم معاني هذه المفردات وإدراك مضامينها الحقيقية، وأبعاد تشابكها مع القضايا والظواهر التي يفرزها واقع الشعوب وحركة سعيها للبحث عن ذاتها وسبيلها نحو البناء والتقدم.
وكانت تلك أولى الثمرات المرة لنبتة “التغييب السياسي” التي زرعها الملك إدريس منذ أوائل عهده، ثم رعاها عبر جملة من الممارسات، حتى مدت جذورها في تربة الواقع، وصارت جزءاً بارزاً من مكونات الصورة العامة لا يكاد يثير انتباه أحد.
وفي خضم ذلك التيار الجارف المكون من غياب الجماهير وهشاشة الوعي السياسي لدى الغالبية العظمى من المتعلمين، لم تكن تلك الصرخات الضعيفة التي أطلقتها فئة من المثقفين “المسيسين” تنبه إلى خطر الاندفاع الأعمى لتأييد ودعم عملية الاستيلاء على السلطة والانقلاب على “الشرعية“، وتحذر من مغبة الانزلاق السريع إلى شباك الشعارات الخلابة التي أطلقت لتلاعب النفوس والعقول المستلبة تحت تأثيرات خطاب الثورة والحرية والتقدمية، لم تكن تلك الصرخات لتجد لها آذاناً يمكن أن تسمعها، أو عقولاً قادرة على تقبلها واستيعابها.
ومنذ اللحظة الأولى بادر القذافي إلى تحويل حالة الغياب السياسي من مجرد أمر واقع، ظل برغم سيادته وترسخه في الممارسة العامة مخالفاً للدستور وقابلاً للطعن في شرعيته، إلى اختيار سياسي مقصود، وضع له إطاره المرجعي في الشعارات المعادية للحزبية، ثم لم يلبث أن سن له التشريعات التي تؤطره قانونياً. وأغلق بذلك الطريق نهائياً في وجه أي محاولات قد يفكر أحد أو فئة في تجريبها لمعالجة علة الغياب السياسي والسعي لتنمية وعي الناس بأن السلطة هي ملك لهم، وحق أساسي من حقوقهم الطبيعية، ينبغي ألا يسمحوا لأحد باغتصابه والتصرف فيه.
لكن حقيقة مهمة صارت تتكشف ملامحها بسرعة مذهلة، وهي أن العلة الكبرى لم تكن في غياب الجماهير السياسي وحسب، بل كانت تكمن بدرجة مهمة في غياب “القوة السياسية” حتى في أوساط شريحة المثقفين التي يمكن، ولو نسبياً، افتراض أنها كانت تملك حداً معقولاً من الوعي. فمع بروز أولى ظواهر الاصطدام والمواجهة بين هذه الفئة والسلطة (لقاءات القذافي بطلبة الجامعة، ندوة الفكر الثوري، خطاب زوارة والثورة الثقافية(، تبين تدريجياً إلى أي حد قاتل كانت هذه الفئة غير قادرة ولا مؤهلة للصمود أمام أي مواجهة، فقد خاضت تلك المواجهات وهي مفككة متشرذمة، لا يربط بين أفرادها أي رابط خارج حدود ذلك الانتماء الواقعي إلى شريحة مهنية أو اجتماعية (طلاب، معلمون، محامون..إلخ) وكانت بذلك تفتقد الحد الكافي من الإدراك الشمولي لحقيقة المواجهة وأبعادها السياسية، التي تتجاوز الحدود المهنية أو المعيشية، لتمس جوهر القضية المتصل بإشكالية الاستبداد بالسلطة ومصادرة حق الجماهير في تحديد الخيارات السياسية والمشاركة في صنع القرار.
ولم تجد السلطة أي صعوبة في ضرب تلك الفئة من المثقفين، منفردة بهم واحداً واحداً، ولم تُجْدِ تلك الرابطة المهنية الهشة في حماية من استهدفوا بممارسات القمع والاضطهاد. وتبين أن القدرة على المواجهة كانت تحتاج، إلى جانب الوعي بحقيقتها وأبعادها، إلى القوة المناسبة. ولم تكن تلك القوة شيئاً آخر غير قوة “العمل الجماعي المنظم” المتسلح بالحد المناسب من الوعي السياسي.
ومن هنا فإن الدرس التاريخي الذي بات ينبغي على المثقفين الليبيين، أيا كانت رؤاهم أو اجتهاداتهم أو قناعاتهم الفكرية والسياسية، أن يعوه جيداً هو أن الدرع الوحيد الذي يمكن أن يحمي المواطنين، ولو نسبياً، من الوقوع فريسة سهلة لاستبداد فرد أو مجموعة بالسلطة، ومن ثم سلبهم حقوقهم المقدسة في امتلاك سلطة القرار، وبالتبعية سائر حقوقهم الشرعية، يكمن في تحولهم جميعاً إلى قوة أو قوى واعية ومنظمة، تتحرك بشكل جماعي، وتقود بدورها تحرك جماهير الشعب، لترفض الاستبداد أولاً، ثم لتفرض إرادة الشعب في ممارسة حقه الطبيعي والشرعي في امتلاك القرار الأخير في كل ما يخص شؤون حاضره ومستقبله.
ج – العمل المنظم: المنطلق الصحيح للبناء الديمقراطي
إن غياب القوة السياسية المنظمة هو التربة المناسبة التي تنبت فيها عادة نزعات التفرد بالسلطة والاستبداد والطغيان. وحين لا تجد هذه النبتة الخبيثة من يفطن لخطرها، ثم يكافحها في وقت مبكر، فإنها تجد البنية والوقت الكافي لكي تمد جذورها في العمق، ثم تنمو بسرعة مذهلة، وتبدأ في طرح ثمارها المرة، وتكتسب مع الأيام قوة وترسخاً وانتشاراً، حتى تصبح عملية اقتلاعها والتخلص منها أمراً بالغ الصعوبة.
وللأسف الشديد لا مناص أمامنا من الاعتراف بأن الليبيين ما زالوا في عمومهم يعتبرون في أدنى درجات سلم الثقافة والوعي السياسي، وأنهم يعانون من الأمية السياسية بشكل بالغ الخطورة. ويتبين في الوقت ذاته ما هو أخطر من ذلك، وهو أن غالبية الليبيين ما زالوا لم يصلوا بعد إلى الحد الأدنى من إدراك أهمية العمل السياسي المنظم في تأطير وتطوير حركة الشعب، من أجل بلوغ غاياته وأهدافه في الحصول على حقوقه، والحفاظ على منجزاته ومكتسباته منها. وما زالوا للأسف الشديد أيضاً يراوحون في النقطة ذاتها، يعيش كل منهم حياته الفردية الخاصة به، ولا يربطه بالآخرين أي رابط خارج نطاق الروابط الطبيعية الفطرية، كالروابط الأسرية والقبلية، والرابطة المهنية، ولا يعرف لوجوده ولحياته ولعلاقاته بالآخرين أية معان خارج نطاق معنى الحياة المادية والمصالح المعاشية المباشرة.
وهكذا فينبغي أن يدرك الليبيون أنهم، طالما ظلوا أفراداً لا ينتظمهم ناظم، ولا تربط بينهم رابطة، تجسد الجانب السياسي من وجودهم، فسوف يظلون يفتقدون الحصانة اللازمة ضد مختلف أمراض الاستبداد والتسلط والدكتاتورية، التي يمكن أن يتعرض لها جسدهم السياسي، وسوف يفتقدون أهم وأنجع سبل الدفاع والعلاج، وهي المتمثلة في توفر آليات الحركة الجماعية المنظمة، التي تؤطر وتوظف طاقاتهم وجهودهم للوقوف سدوداً متينة، وجدراً قوية، ضد أية توجهات استبدادية.
ومن هنا فإننا نؤمن بأن المنطلق الصحيح الوحيد نحو تحقيق الأهداف المرحلية والاستراتيجية لشعبنا هو العمل على إشاعة وترسيخ الإيمان بالأهمية الحيوية للعمل السياسي المنظم، لقيادة وتوظيف حركة الشعب، من أجل تحقيق أهدافه، وحماية وجوده ضد مختلف نزعات وتوجهات الطغيان والاستبداد. وفي ضوء ذلك نؤمن بأن الخطوات الأولى في هذا الشأن ينبغي أن تكون في اتجاه السعي لبلورة ونشر وترسيخ مفردات الثقافة السياسية الأساسية، التي نعتبرها ضرورية ولازمة لوجود الإنسان/المواطن الجدير بصفتي الإنسانية والمواطنة؛ أي الإنسان الذي يدرك معاني وأبعاد وجوده الإنساني، ومعاني وأبعاد وجوده الاجتماعي، كفرد في جماعة، هو جزء أساسي في وجودها، وله في إطار التزامه بواجبات محددة تجاهها حقوق لا يجوز لأجد أو لجماعة أن تحرمه منها، ومن ثم فإنه يحرص على أن يتمتع بكل المزايا والحقوق التي يمنحه إياها انتماؤه الإنساني والاجتماعي، ويعي خطورة التفريط في هذه الحقوق، أو الاستهانة والتراخي في حمايتها والدفاع عنها، ويدرك في الوقت نفسه معنى وأهمية وضرورة أن يحمي هذه الحقوق ويدافع عنها، من حيث هي، بمعنى أن يحرص على أن تُكفل وتُضمن لكل المواطنين الذين يشاركونه في الانتماء للوطن، وأن يستعد للتضحية والنضال في سبيل ذلك من واقع إدراكه أن دفاعه عن حقوق أخيه المواطن هو الدفاع الأصيل عن حقوقه هو، وهو الحصن المتين الذي يوفر لها الحماية والوقاية قبل أن تتعرض للخطر أو يصيبها الأذى.
وفي ضوء هذا الفهم فنحن نؤمن بأن آمالنا العريضة في بناء مجتمع مدني له قدر من الجدارة بصفة الحضارة سوف تتوقف على مقدار نجاحنا في بلورة هذه الرؤية الحضارية، ثم في كسب المزيد من أبناء الشعب الليبي إلى صف المواطنين السياسيين الواعين بوجودهم الإنساني وبحقوقهم الأساسية، فسوف يكون هؤلاء المواطنون هم الجنود وهم “القوة” الحقيقية التي تضمن تحقيق الطموحات والحقوق الوطنية، ثم تقف للدفاع عن أية مكتسبات تتحقق في هذا الإطار، وتسعى لتحقيق المزيد منها والمحافظة عليها.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز.
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية