محمد غندور
أسر في تشاد وحكم عليه بالإعدام مرتين هاجر وعاد بعد الثورة ليصبح القائد العام للقوات المسلحة الليبية
ملخص
تحول الرجل العابس دوماً إلى القائد العام للقوات المسلحة الليبية. وبنى علاقات قوية مع روسيا، وبات ملكاً غير متوج بالدعم الخارجي، ولاحق الإسلاميين وهاجم العاصمة، وترشح للرئاسة
تتقاطع سيرة المشير خليفة حفتر في بعض “لقطاتها” مع مشاهد من التحفة الفنية “العراب” للمخرج المبدع فرانسيس فورد كوبولا. ويعرض الفيلم قصة عائلة كورليوني وهي إحدى أقوى عائلات المافيا الإيطالية داخل نيويورك والمتورطة في أعمال إجرامية مختلفة كإدارة نوادي القمار والبغاء.
إلا أن علاقات زعيم العائلة دون فيتو كورليوني (مارلون براندو) بشخصيات سياسية مهمة منحته نفوذاً قوياً، ومنح أعمال عائلته تغطية، إذ يلجأ إليه الناس لحمايتهم ومساعدتهم بمشكلاتهم.
ويظهر الفيلم كيف تحول شخص بسيط إلى زعيم مافيا. الأحداث التي مرت بحياة حفتر، تصلح أيضاً أن تتحول إلى فيلم سينمائي. ثمة كثير من الأحداث في حياة الرجل، بأزمنة ومناخات مختلفة. يريد بعلاقاته الخارجية ونفوذه الداخلي السيطرة على كل شيء، ومنح عائلته القوة للحكم والتربع على مرافق النفط.
كان ضابطاً بسيطاً، وبات ملك الشرق والجنوب. لفت انتباه معمر القذافي في البدايات، فبات من المقربين منه. أيّد إسقاط نظام ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي (1951-1969)، وكان ضمن قيادة القوات الليبية أثناء عبور قناة السويس (حرب أكتوبر 1973)، وحاز نجمة العبور المصرية.
تدرب في الاتحاد السوفياتي، وعاد ليشارك في حرب تشاد، إذ تلقت قواته هناك هزيمة كبيرة. أسر وحكم عليه بالإعدام مرتين. بعد أحداث عدة تحول إلى عدو القذافي الأول، وقاد عام 1993 عملية اغتيال فاشلة ضد “ملك ملوك أفريقيا“.
هاجر إلى الولايات المتحدة وبقي هناك 20 عاماً، تعاون فيها مع وكالة الاستخبارات الأميركية. وبعد اندلاع الثورة في ليبيا 2011، عاد ليجد مكاناً له في البلد الذي غادره.
تحول الرجل العابس دوماً إلى القائد العام للقوات المسلحة الليبية، بنى علاقات مع روسيا ودول عدة، وبات ملكاً غير متوج بالدعم الخارجي ولاحق الإسلاميين وهاجم العاصمة، وترشح للرئاسة وحاول السيطرة على المؤسسات المصرفية في برقة عام 2022، واتهمت منظمة العفو الدولية لواء “طارق بن زياد” التابع لصدام حفتر، وهو أحد أكبر فصائل الجيش الوطني الليبي، بارتكاب جرائم حرب.
ولا يزال حتى الآن الرجل المثير للجدل يسيطر على نحو 70 في المئة من ليبيا، واحتفل أخيراً بالذكرى الـ11 لانطلاق “عملية الكرامة“. ولا ننسى هنا طبعاً محاولاته لبسط نفوذ عائلته على مرافق الدولة خاصة النفط.
إذاً، اكتمل المشهد السينمائي. بطل وسلاح وذخيرة وساحات قتال وجنود كثر وتغطية إعلامية وتحالفات دولية، سنشهد عملاً ملحمياً لتحرير البلاد من الإسلام السياسي كما يقول حفتر. وما ينقصنا فقط إضفاء القليل من الشرعية الدولية على هذا المشهد لنبدأ “التصوير“.
قوة حفتر
يعد الأقوى عسكرياً على الأرض، وبخاصة بعد العرض الأخير الذي قدمه في بنغازي احتفالاً بالذكرى الـ11 لانطلاق “عملية الكرامة“، وتخلله تقديم أسلحة بصورة علنية للمرة الأولى مثل مسيرات بيرقدار التركية، وأسلحة روسية متطورة خاصة المسيرات مثل “أوريون” و“أورلان 10″، ومنظومات دفاع جوي متقدمة.
طرح العرض عدداً من الأسئلة منها مثلاً من سيشغل هذه الأسلحة، علماً أن القوات المسلحة الليبية لا تمتلك هذه الكفاءات، ولا مراكز تدريب، وزادت الأسئلة مع ظهور مقاتلين ملثمين ضمن العرض، بأجساد تبدو غريبة عن السياق الليبي المعتاد، مما أثار الشكوك حول هوياتهم وأصولهم الحقيقية.
حاول القائد العام للقوات المسلحة الليبية من خلال استعراضه توجيه رسائل للداخل والخارج، في حضور رسمي ودولي، إذ أكد أن “القوات المسلحة الليبية ستكون لها الكلمة الفاصلة خلال الوقت الحاسم“، مشدداً على أهمية وحدة الأراضي الليبية وجهود الجيش في مكافحة الإرهاب والتطرف.
وحاول القول إن شرق ليبيا الذي يسيطر عليه يتمتع بالاستقرار، مقارنة بالوضع الأمني المتدهور في الغرب. ويظهر العرض استعداد الجيش الوطني الليبي للعب دور محوري في مستقبل البلاد.
وفي سياق متصل، نجح قائد “الجيش الوطني الليبي” وأبناؤه الذين يلعبون أدواراً سياسية وأمنية متقدمة، في كسر سيطرة الحكومة المركزية في البلاد على تصدير النفط من خلال المؤسسة الوطنية للنفط.
تحول الرجل العابس دوماً إلى القائد العام للقوات المسلحة الليبية، بنى علاقات قوية مع روسيا، وبات ملكاً غير متوج بالدعم الخارجي ولاحق الإسلاميين وهاجم العاصمة، وترشح للرئاسة وحاول السيطرة على المؤسسات المصرفية في برقة عام 2022، واتهمت منظمة العفو الدولية لواء “طارق بن زياد” التابع لصدام حفتر، وهو أحد أكبر فصائل الجيش الوطني الليبي، بارتكاب جرائم حرب.
ويدير ابن حفتر، صدام، بصورة غير مباشرة شركة “أركنو” الخاصة التي قامت بحسب تقرير لخبراء الأمم المتحدة بتصدير شحنات بقيمة 600 مليون دولار، في خطوة تعني أن هذه الشركة ستزاحم مؤسسة النفط حول التصدير.
أسست هذه المؤسسة عام 2023 في مدينة بنغازي شرق البلاد التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، وبحسب لجنة خبراء الأمم المتحدة، فإن بعض إيرادات النفط ستتحول الآن بعيداً من مصرف ليبيا المركزي.
ويسيطر الجيش بقيادة المشير على شرق البلاد وجنوبها، ومعظم حقول النفط تتمركز في هذه المناطق التي شهدت خلال وقت سابق عمليات قفل متقطعة لتلك الحقول بسبب احتجاجات وغير ذلك.
كل ذلك جعل حفتر قبلة لزيارات مسؤولين أوروبيين، إذ يزوره عدد من الدبلوماسيين الغربيين لمحاولة إيجاد حل للأزمة الليبية. إلا أن زيارة حفتر حاملة الطائرات الروسية التي رست قبالة السواحل الليبية، إذ تواصل فيها مع وزير الدفاع الروسي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، كان الحدث الأبرز في خريطة تحالفات الرجل الخارجية، إذ أثار قلقاً أميركياً وأوروبياً، ناهيك بالدعم المصري والإمارتي.
الدعم القبلي
داخلياً يعد الدعم الأكبر لحفتر، هو الدعم القبلي الذي حظي به شرق ليبيا، والذي تجاوز من خلاله حتى سلطات مجلس النواب الذي يفترض أنه خاضع لرقابته، وتابع لحكومته الموقتة، لكن العكس هو الحاصل. بدليل أنه سبق وأن رفض مرتين طلب مجلس النواب المثول أمامه، ورد ببساطة “أنا مشغول“، في إشارة واضحة أن شرعية البرلمان لا تعني له شيئاً لأنه يعتمد على “الشرعية القبلية” في الداخل، و“منطق القوة” في التعامل مع الخارج الذي لا يعترف إلا بالقوي بغض النظر عن شرعيته.
أما ثاني ركائز القوة لدى حفتر داخلياً هي ورقة محاربة الإرهاب التي لوح بها واستخدمها، مما جعل كثيراً من المتضررين من الاغتيالات لا سيما أفراد وضباط الجيش والشرطة ينضمون له بأعداد كبيرة في شرق البلاد.
دعم حفتر وتصفية خصومه
كشف تقرير سري أعده محققون تابعون للأمم المتحدة عن تورط سيدة أعمال بريطانية وعضوين سابقين في مشاة البحرية الملكية البريطانية ومستشار مقرب من دونالد ترمب، في التخطيط لتقديم الدعم العسكري لخليفة حفتر وخطف خصومه من القادة الليبيين وقتلهم.
وأوردت صحيفة “التايمز” البريطانية التي أوردت الخبر، أن الخطة التي كان مصيرها الفشل وضعت لتزويد “المتمردين” الليبيين بقيادة حفتر بطائرات مروحية عسكرية وقوارب ومرتزقة لدعم الهجوم على حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس صيف عام 2019.
وقالت الصحيفة إن الخطة –التي قدرت كلفتها بنحو 80 مليون دولار ودفعها حفتر– تعثرت بسبب عدم وصول عدد من المعدات إلى ليبيا، مما اضطر القيمين عليها لتنفيذ عملية إخلاء ليلي ومغادرة ليبيا عبر البحر المتوسط.
وأوضحت “التايمز” أن تحقيق الأمم المتحدة –الذي قدم إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي– يصف نطاق الخطة والدعم الذي كان القيمون عليها سيقدمونه لفريق حفتر، والذي لم يقتصر على توفير الدعم العسكري، بل قام الفريق بإعداد قائمة بأسماء أعداء حفتر لاختطافهم أو اغتيالهم لتمكينه من السيطرة على طرابلس، وضمت تلك القائمة مواطنين أوروبيين.
واتهم تقرير الأمم المتحدة –المكون من 500 صفحة – سبعة أشخاص بخرق حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، ومن بينهم إريك برنس مستشار ترمب ومؤسس شركة “بلاك ووتر” (Blackwater) التي توفر خدمات أمنية خاصة، وسيدة الأعمال البريطانية المقيمة في دبي أماندا بيري (45 سنة)، وجنديان سابقان في مشاة البحرية الملكية.
ترشحه للرئاسة وإسرائيل
في كلمة بثتها شاشات التلفزيون نهاية عام 2021، قال حفتر “أعلن ترشحي للانتخابات الرئاسية، ليس طلباً للسلطة أو بحثاً عن مكان، بل لقيادة شعبنا في مرحلة مصيرية“. شكل ذلك، سجالاً عقيماً في البلد بين مؤيد ومعارض، وبخاصة من وجهة نظر قانونية حول ترشح العسكريين لمنصب رئاسة الدولة.
ولم يتوقف الأمر على ذلك، إذ خلال الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أوردت صحيفة “إسرائيل اليوم” أن حفتر تعاقد مع شركة إعلانات إسرائيلية لتولي حملته الانتخابية للرئاسة الليبية، وبعد شهر تقريباً قدم أوراق ترشحه رسمياً لمفوضية الانتخابات في بنغازي.
لكن محكمة عسكرية بمصراتة قضت باستبعاده من قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية كونه محكوماً بالإعدام إثر القضية المتعلقة بقصف الكلية الجوية بمصراتة صيف 2019، مما يعد مانعاً قانونياً لترشحه للانتخابات الرئاسية.
يسيطر الجيش بقيادة المشير على شرق البلاد وجنوبها، ومعظم حقول النفط تتمركز في هذه المناطق التي شهدت خلال وقت سابق عمليات قفل متقطعة لتلك الحقول بسبب احتجاجات وغير ذلك.
وخلال عام 2022، شارك خليفة حفتر في عدة جولات من المفاوضات السياسية بهدف توحيد المؤسسات الليبية والتحضير للانتخابات المؤجلة. في الوقت نفسه، واصل تعزيز سيطرته داخل مناطق شرق ليبيا وجنوبها من خلال العمليات العسكرية.
وخلال يناير (كانون الثاني) 2023، تعهد بالانسحاب من الانتخابات الرئاسية الليبية شرط السماح لابنيه صدام وبلقاسم بالترشح. وينظر إلى صدام حفتر على أنه الوريث الظاهر لأبيه.
وفي سياق متصل، نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية تقريراً لمراسلها في الشرق الأوسط ريتشارد سبنسر، يقول فيه إن حفتر يعرض فتح علاقات مع إسرائيل مقابل الحصول على دعمها في الانتخابات المقبلة التي قد تنهي الحرب الأهلية داخل البلاد.
ويضيف الكاتب أن الإشاعات عن محادثات بين حفتر والإسرائيليين، تأكدت عندما شوهدت طائرة خاصة تقل نجله صدام، وهي تهبط في مطار بن غوريون داخل تل أبيب قادمة من دبي.
ورأى الكاتب أن ذلك سيكون بمثابة تغيير جذري لليبيا، إذ كان القذافي شخصية بارزة في مقاومة العالم العربي لإسرائيل ودعم الجماعات الفلسطينية الراديكالية، وخلص إلى أن الرئيس الأميركي سيجد صعوبة أكبر في معارضة حفتر، إذا طرح الأخير احتمال انضمام دولة عربية أخرى إلى الإمارات والبحرين والسودان والمغرب في فتح علاقات مع إسرائيل.
وخلال الصراع اعتمد حفتر بحسب سبنسر على الدعم الخارجي من الإمارات وروسيا وإلى حد ما فرنسا، لكنه يقول إن الدعم من قبل بعض هذه الدول تراجع، وينقل عن محللين قولهم إن النهج الذي يتبعه حفتر تجاه إسرائيل يمكن أن يكون محاولة لتوسيع قاعدة دعمه في مواجهة الضغوط التي يتعرض لها من قبل داعميه الأساسيين.
وعاد ملف التطبيع بين شرق ليبيا وإسرائيل ليتصدر المشهد من جديد، بعد كشف مستشار برلماني وصحافي مقرب من حفتر عن تفاصيل مثيرة تتعلق بلقاءات جرت بين نجله صدام حفتر ومسؤولين من جهاز الموساد الإسرائيلي.
____________
