الحسين الشيخ العلوي

تصاعد الخلافات بين الككلي والدبيبة
بدأ الخلاف بين الرجلين مع نهاية العام 2024 عندما أبدى الككلي عدم رضاه عن محافظ مصرف ليبيا المركزي وسعيه لتنصيب مقربين منه في مراكز حساسة بالدولة؛ الأمر الذي رفضه الدبيبة لأول مرة.
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير حادثة اقتحام قوات الككلي، قبل أسبوع من مقتله، مقرَّ الشركة القابضة للاتصالات وسط طرابلس واختطاف رئيس مجلس إدارتها، صلاح الناجح، وموظفين آخرين.
وهذا الأمر دفع نحو تأزم الوضع بين الجهاز وحكومة الدبيبة، فالشركة القابضة للاتصالات بالنسبة للدبيبة عبارة عن “خزان فلوس“، كما يشيع.
أما غنيوة الككلي فهو شخصية توصف إعلاميًّا بأنها صعبة الإرضاء، وأنه قد تزايد نفوذه في طرابلس وطموحه السياسي حتى أصبحا يشكلان خطرًا على الدبيبة في عقر داره.
في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024، خرج الخلاف المكتوم بين عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة “الوحدة الوطنية“، وعبد الغني الككلي، الشهير بـ“غنِّيوة” إلى العلن، إثر ما وصفته مصادر مقربة منهما برغبة الأخير في توسيع نفوذه داخل الحكومة، فضلًا عن رفضه الخضوع للترتيبات الأمنية بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة.
وفسَّرت وسائل إعلام محلية ليبية لقاءً عقده الدبيبة مع قيادات تشكيلات مسلحة من مصراتة، منتصف الأسبوع الأول من مايو/أيار 2025، بتصاعد الأزمة مع “غنيوة“، العائد من رحلة علاج بالخارج مؤخرًا. وأرجعت مصادر ليبية أصل الخلاف إلى رغبة الأخير في تعيين شخصيْن مقرَّبيْن منه في منصبي وكيلي وزارتي الخارجية والاقتصاد بالحكومة، على غير رغبة الدبيبة.
وكان السعي الحثيث من قبل البعثة الأممية لإطلاق عملية سياسية جديدة وتنفيذ مخرجات اللجنة الاستشارية سببًا في تقديم أربعة سيناريوهات للخروج من حالة الانسداد السياسي الحالي، وهي سيناريوهات يفضي جميعها إلى تشكيل حكومة جديدة. وهذا الأمر جعل الدبيبة يستشعر الخطر الوشيك الذي بات يدق الباب.
الانفجار: اشتباكات طرابلس العنيفة
توحَّد الداخل الليبي مع الخارج في ضرورة تشكيل حكومة جديدة ذات صلاحيات محدودة تُوكَل لها مهمة إنجاز الاستحقاق الانتخابي، وهو ما دفع الدبيبة للسعي إلى ترتيب البيت الداخلي، ويبدو أنه قرر أن يطيح بكل من عبد الغني الككلي وعبد الرؤوف كارة؛ لذا كان شعاره تطهير الدولة من سطوة الميليشيات والتشكيلات العسكرية.
لكن اللافت في الموضوع هو الطريقة التي استدرج بها الككلي إلى معسكر التكبالي في منطقة صلاح الدين جنوب العاصمة (مقر “اللواء 444 قتال” الذي يقوده محمود حمزة).
وطيلة الأيام 9 و10 و11 مايو/أيار 2025، شهدت طرابلس تحركات عسكرية مكثفة، مع دخول أرتال مسلحة من مصراتة والزاوية والزنتان، بالتنسيق مع وزير الداخلية، عماد الطرابلسي؛ مما يشير إلى وجود خطة مسبقة لإضعاف نفوذ الككلي.
وقد تضاربت الروايات حول طريقة استدراج الككلي إلى معسكر التكبالي.
فوفقًا لتقارير إعلامية متعددة، قُتل الككلي مع عدد من حراسه داخل معسكر التكبالي في طرابلس، الذي يُدار من قبل “اللواء 444 قتال” بقيادة محمود حمزة. والملابسات التي أحاطت بمصرعه بعضها يذهب إلى:
الإشارة إلى أنه قُتل خلال اشتباكات مسلحة نشبت أثناء اجتماع مع قيادات من مصراتة وطرابلس، في الوقت الذي تطورت المناقشات إلى تبادل لإطلاق النار.
روايات أخرى تفيد بأنه تم استدراجه إلى المعسكر بحجة إجراء مباحثات، ليُنفذ فيه كمين محكم أدى إلى مقتله ومقتل عدد من مرافقيه.
وخلال ساعتين بعد مقتل الككلي، سيطر أنصار الدبيبة (اللواءان 444 و 111) على كافة مقرات ميليشيا “جهاز دعم الاستقرار” التابعة للككلي، وسط انهيار تام وفقدان للسيطرة والتحكم داخلها.
في اليوم التالي، أصدر رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، قرارًا بحل ما سمَّاها “الأجهزة الأمنية الموازية“، مؤكدًا أنه “سيتم الضرب بيد من حديد” على المخالفين، وذلك خلال اجتماع أمني عالي المستوى مساء الثلاثاء (13 مايو/أيار 2025)، بحضور وزير الداخلية المكلف، اللواء عماد مصطفى الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع، عبد السلام الزوبي، وآمر “اللواء 444 قتال“، محمود حمزة.
هذا مع تعيين رئيس جديد لجهاز الأمن الداخلي بدل لطفي الحراري (المحسوب على الككلي)، وحل مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية. القرارات شملت أيضًا حل هيئة أمن المرافق والمنشآت، والتي كانت تحت قيادة أسامة طليش (رجل الككلي الثاني)، ونقل تبعيتها إلى وزارة الداخلية مباشرة.
أدى مقتل الككلي إلى اندلاع اشتباكات عنيفة في طرابلس، وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، وإغلاق مطار معيتيقة مؤقتًا، وتحويل الرحلات إلى مصراتة. وقد أعلنت الحكومة عن حل جهاز دعم الاستقرار، وإحالة اختصاصاته إلى “اللواء 444 قتال“.
لم يتأخر ردُّ فعل المجلس الرئاسي؛ إذ أصدر رئيسه، محمد المنفي، قرارًا عاجلًا بوقف شامل لإطلاق النار في طرابلس، وتجميد كافة قرارات الدبيبة ذات الطابع العسكري والأمني، وأصدر أوامر واضحة إلى جميع الوحدات العسكرية بالعودة الفورية إلى مقارها دون قيد أو شرط.
كما شكَّل المجلس الرئاسي لجنة الهدنة بشكل مشترك بين الرئاسي والبعثة الأممية برئاسة الحداد.
في يوم الجمعة، 16 مايو/أيار 2025، تجمعت حشود غفيرة قُدِّرت ببضعة آلاف من المتظاهرين في ميدان الشهداء بقلب العاصمة، طرابلس، للمطالبة برحيل الدبيبة وحل حكومته، كما عرف العديد من أنحاء طرابلس مظاهرات مشابهة تخللتها مظاهر عنف نجم عنها مقتل رجل أمن وبضعة متظاهرين وعشرات الجرحى.
ألقى الدبيبة خطابًا متلفزًا أشار فيه إلى أن ما حدث في بوسليم كان ضرورة لإعادة هيبة الدولة والحد من نفوذ الميليشيات التي حاولت حكومته التعايش معها طيلة السنوات الماضية، لكنها تمادت وتغوَّلت حتى تجاوزت الدولة، وأكد أنها خطوة ضرورية لإنهاء التمادي في تجاوز القانون، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، متهمًا قادة التشكيلات الأمنية المستهدفة بارتكاب جرائم الابتزاز والفساد والسرقة والتعذيب والاغتصاب والاحتجاز خارج القانون.
وحمَّلَ كلًّا من حفتر وعقيلة صالح، رئيس برلمان مجلس النواب الليبي، وخالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (برلمان غرب ليبيا)، مسؤولية الاشتباكات والتحركات الأخيرة بطرابلس وشنَّ على الثلاثة هجومًا لاذعًا مؤكدًا أنهم “يريدون أن يبقى الليبيون تحت رحمة الميليشيات لكي يدعموهم ويتحركوا من خلالهم“، وتعهد الدبيبة بالمضي قُدمًا في مشروع “ليبيا خالية من الميليشيات والفساد“.
عوَّل الكثير من الليبيين على الجمعة الثانية بعد مصرع الككلي، وبدؤوا التحضير لمسيرات واسعة الانتشار للمطالبة برحيل الدبيبة وحكومته، إلا أن الحشود التي تظاهرت يوم الجمعة، 23 مايو/أيار 2025، لم تكن بالمستوى الذي كان مظنونًا، كما أنها لم تشهد أي عنف، بل اللافت فيها أن الشرطة والأجهزة الأمنية كانت تحرس وتنظم المظاهرات وتوزع عليهم قناني مياه الشرب.
مستقبل المشهد في غرب ليبيا في ظل الحسابات المعقدة
منذ 2011 وحتى الآن، لا يوجد جيش أو قوات مسلحة بليبيا بالمعنى المتعارف عليه للجيوش النظامية ذات العقيدة القتالية الوطنية، بعد حل المؤسسة العسكرية في ليبيا بحجة تبعيتها للقذافي، فما يوجد راهنًا في ليبيا هي تشكيلات مسلحة حتى وإن انضمَّ لها عسكريون وأصحاب رتب وأرقام عسكرية سابقون، فهي تشكيلات مسلحة تلقَّى أفرادها تدريبات عسكرية، لكنها قطعًا ليست بجيش، بما فيها “قوات الكرامة” أو ما يُعرف بالقيادة العامة بشرق ليبيا التي يقودها خليفة حفتر، أو التشكيلات المسلحة الموجودة في غرب ليبيا. وتذهب التقارير الإعلامية إلى أن معظم هذه التشكيلات المسلحة في شرق وغرب وجنوب البلاد ضالع في الجريمة المنظمة وفي الفساد.
وحاليًّا توجد بطرابلس قرابة خمسين ميليشيا وتشكيلًا مسلحًا، ومن أبرزها ثلاثة تشكيلات:
“قوة الردع الخاصة” التي يقودها السلفي عبد الرؤوف كارة والمتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، المطار الوحيد في طرابلس حاليًّا، وتُشرِف على سجن تقول: إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب، وتتبع المجلس الرئاسي.
“اللواء 444 قتال” الذي يقوده محمود حمزة، ويتبع لرئاسة الأركان بحكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها الدبيبة، ويحظى بدعم تركي كامل.
” اللواء 111 مجحفل” الذي يقوده عبد السلام زوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة.
ويبدو أن محور حفتر وصالح والمشري يراهنون، على ما يبدو، على حراك الشارع الرافض لاستمرار حكومة الدبيبة ولمظاهر الفوضى التي انتشرت في بعض الأحياء عقب المواجهات المسلحة، وعلى التناقضات بين الحكومة والمجلس الرئاسي، إضافة إلى إمكانية تحويل ولاء بعض التشكيلات المسلحة في شرق العاصمة ومدينة الزاوية.
ويبدو أن معسكر حفتر/عقيلة صالح/المشري يسعى للاستفادة، أيضًا، من مشروع اللجنة الاستشارية، التي أنشأتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، واقتراحه خريطة طريق تفضي إلى انتخابات تتضمن تشكيل حكومة جديدة؛ إذ شرعت لجنة مشتركة من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في عقد اجتماعات في بنغازي لفرز ملفات المرشحين لرئاسة الحكومة.
وفي تصريح لافت لعضو مجلس النواب، أسمهان بالعون، لتليفزيون المسار جاء فيه: إن ما قبل 13 مايو/أيار 2025 ليس كما بعده، والملف الليبي بات اليوم تحت الإشراف المباشر لواشنطن، وتصريحات مستشار الرئيس الأميركي التي أكدت ضرورة الحل السلمي، أكبر دليل على ذلك.
وأوضحت أسمهان بالعون أن الخطة الأميركية تتضمن إعادة تشكيل المشهد السياسي بالكامل عبر خارطة طريق جديدة تقود إلى تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة تشرف على الانتخابات، وستبقى حكومة الدبيبة فترة مؤقتة إلى حين الاتفاق على عملية سياسية جديدة لاختيار البديل المناسب خلال الأشهر القادمة.
خاتمة
لا شك أن أحداث 12 مايو/أيار الجاري وما تبعها من تداعيات ستشكِّل نقطة مفصلية في مسار الأزمة الليبية، فرغم أن الدبيبة تعرض خلال سنوات حكمه الخمس لعواصف ضارية كادت تقتلعه إلا أنه عرف كيف يتغلب عليها جميعًا عبر اللعب على متناقضات المشهد الليبي وهشاشة التحالفات القائمة وفاعلية شراء الذمم وقوة المال السياسي واتساع الدعم الخارجي.
والسؤال المطروح هو: هل سيتمكن الدبيبة من البقاء متشبثًا بالسلطة لفترة طويلة؟ إن المؤشرات الحاصلة ترجح أن بقاءه في السلطة لن يطول كثيرًا، وذلك للاعتبارات الثلاثة التالية:
إصرار بعثة الأمم المتحدة على تنفيذ خارطة الطريق الواردة في تقرير اللجنة الاستشارية.
الاهتمام الأميركي بالملف الليبي: قبل فبراير/شباط 2025، لم يكن الملف الليبي ضمن سلم أولويات السياسة الخارجية الأميركية، التي كانت تركز على ملفات أهم كالحرب الأوكرانية والملف النووي الإيراني والحرب التجارية مع الصين.
تنامي السخط العام: منذ سنوات ظهر سخط عام على كافة الأجسام الراهنة وكافة متصدري المشهد السياسي العام بدون استثناء، ويدرك ذلك المتتبعون والمتابعون عن كثب للشأن الليبي.
وليس من المستبعد، والظروف الأمنية في ليبيا في هذه الوضعية، أن نشهد حراكًا يشمل جميع مناطق ليبيا يعد له نخبة من نشطاء المجتمع المدني منذ سنوات بصمت وسرية تامة وفيهم مرشحون رئاسيون وبرلمانيون سابقون وأعيان وواجهات قبلية وأساتذة جامعيون ونقابيون.
والمتتبع للمشهد الليبي يلاحظ تذمرًا من جميع الفاعلين المتصدرين للمشهد في الغرب وفي الشرق وفي الجنوب، وأي حراك من شأنه أن يندلع سيكون ضد جميع متصدري المشهد العام بمن فيهم الدبيبة ومنافسوه.
***
الحسين الشيخ العلوي ـ باحث وجامعي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي وقضايا الساحل
_______________
