جازية جبريل محمد شعيتر

تقييم جودة الأداء الحالي
تقتصر المحاماة العامة على تيسير العدالة القضائية دون غيرها، فلا تقدم استشارات قبل النزاع القضائي، رغم توجيه القانون بذلك، وقد عمل فرع بنغازي على استحداث مجلس لفض المنازعات وتسجل له بعض النجاحات.
أغلب العملاء من ذوي الدخل المحدود، بيد أن بعض ميسوري الحال لجأوا للمحاماة العامة لقدرتها على التأثير في القضاة.
المحاماة العامة وظيفة عامة لا يؤثر كسب القضية أو خسارتها في مردود المحامي العام، والمحامي لا يختار قضيته، والعميل لا يختار محاميه، ولكنهما يجدان في كثير من الأحيان أدوات تواصل اجتماعي ويصنعان معا فريقا متضامنا.
يحتاج المحامي العامّ لدورات مكثفة بشأن علم النفس التنظيمي وعلم نفس العمل، وذلك لضمان تعامل أفضل مع الموكلين، ولتلافي الأضرار النفسية للمحامين جراء التفاعل مع وقائع القضايا.
الغالب الأعم من المحامين العموميين يعانون من غياب الكفاءة المهنية والاحترافية المهنية وغياب التطوير والتدريب المستمر، مع وجود نخبة من الأكفّاء يتميزون باحترافية عالية.
مكانة المحامي العمومي في “المجال الاجتماعي” للنظام القضائي الليبي، تتأرجح بين الاحترام من القضاة والازدراء من الشرطة والنيابة، مما ينقص شعوره بالفخر التنظيمي. أما التنافس مع القطاع الخاص فيؤثر في رضاه الوظيفي. والرؤية التشريعية الضبابية بشأن المحاماة العامة ما بين إلغاء وإبقاء تهدد شعوره بالأمن الوظيفي.
المحامون العموميون أقل مالا وشهرة من المحامون الخواص، وأقل جاها وسلطة من أعضاء السلطة القضائية، وهذا الوضع من المعوقات الخطيرة لعمل المحاماة العامة لأنها قد تفتح الباب لنوعين من الفساد الإداري لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر: الكسب غير المشروع والإهمال الجسيم.
ثمة خلل ما في نظام المحاماة العامة من خلال الرقابة اللاحقة وليست السابقة، واهتمام المحاميين بعدد القضايا للترقية أكثر من اهتمامهم بنوعها، وما تحتويه من دفوع حقوقية مستندة على أحدث الآراء الفقهية وعلى الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من الدولة الليبية. فالترقية كحافز يربطها التفتيش القضائي عمليا بمعدل الأداء وليس بكفاءة الأداء، وبربطها بما أنجز وليس بأسباب ما لم ينجز، وبما يختاره العضو من قضايا لتقديمه وليس بما يطلبه المفتش وفقا لمعايير معينة.
يوجد عرف عملي غير رسمي في الإدارة العدلية بأن تخصص المحاماة العامة للنساء من العاملات في الهيئات القضائية، إلا إنه استثناء يحدث أن تكافأ المميزة منهن بالنقل للقضاء، ويحدث أن يعاقب الرجال من أعضاء السلطة القضائية بالنقل للمحاماة العامة.
مقترحات تعزز من جدوى المآل
من أهمّ المسائل التي يجدر التفكير فيها، الآتية:
-
تحسين القوانين المنظمة للمؤسسة العدلية بالتركيز على إلغاء النقل ذي الطابع العقابي المستتر لأعضاء النيابة والقضاة إلى مؤسسة المحاماة العامة
-
تعديل قانون الإجراءات الجنائية الليبي لمعالجة عدم توازن القوة بين سلطة الاتهام من جهة ومحامي الدفاع من جهة أخرى.
-
إدراج الإدارة العليا للمحاماة العامة في خططها الإصلاحية القادمة للنظام القانوني بأكمله، وبخاصة من خلال التركيز على التدريب وهيكلة عمل المؤسسة، وتعزيز استقلالها المهني.
-
العمل على تبني مدونة سلوكيات” أخلاقيات” خاصة بمهنة المحاماة العامة يعمل على إعداداها المحامون أنفسهم، تعمل على تعزيز الضمير المهني لهم باعتبارهم من ركائز مرفق العدالة.
-
الدعوة لمبادرات محلية أو دولية لتقليل الصعوبات وتعزيز الفرص لنجاح المحاماة العامة شرط أن تكون مبادرات منسق لها وذات رؤية واستراتيجية ومنسقة، تتضافر الجهود لأجلها.
-
العمل الأكاديمي على تقويم دقيق للآراء المتعارضة “الناقدة والمؤيدة” بخصوص المحاماة العامة من خلال الأبحاث ذات الطابع الاجتماعي القانوني.
-
تحسين السياسات العامة بشأن المحاماة العامة من خلال التركيز على موضوعين:
- الأنسنة؛ وبالتالي الدعوة لتبني سياسات تضمن معاملة حقوقية يراعى فيها الجانب النفسي والاجتماعي لطرفي العلاقة الإدارية العدلية: الساعي للعدالة والمحامي العمومي، ولعل أهم مظاهر تلك السياسات المثلى؛ الاهتمام الكافي بعلم النفس التنظيمي “علم نفس العمل” في هيكلية المؤسسة وفي خططها التأهيلية، كما أن الاهتمام بالمنظومة القانونية الحقوقية العالمية والوطنية يجب أن يعد سياسة أولية.
- الفاعلية؛ وبالتالي الدعوة لتبني سياسات تركز على ضمان الجودة ولعل أهم مظاهرها تبني الحوكمة الرشيدة والرقابة الشاملة، بما يقلل من بطء العدالة القضائية ويضمن نجاعة الزمن القضائي للرحلة العدلية.
***
جازية جبريل محمد شعيتر ـ استاذ القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي، .وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية، نائب رئيس مركز دراسات القانون والمجتمع
________________
