بهي الدين حسن

يلاحظ الأكاديمي المصري شريف يونس في تحليله المرجعي عن الأيديولوجية الناصرية الصلة التي لا تنفصم بين تخليد الزعيم في مقعد الحكم والتمحور حول مواجهات خارجية دائمة.

الأمر الذي يساعد على إزاحة المسئولية عن الكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد عن عاتق الحكام، وبالتالي لا تستدعي المحكومين لمحاسبتهم، بل للاصطفاف الوطني الأبدي معهم في مواجهة أعداء متربصين لا يرحلون أبدًا.

لذا تحولت المهمة العملية لملاحقة ما يُسمي بعملاء الاستعمار، والموقوتة برحيله، لركيزة أيديولوجية دائمة. فـ«التمحور حول العداء للخارج كان مبرر تصفية القوي الداخلية، بصفتها أعوان الاستعمار. وكان الحفاظ على هذه التصفية مرتبطًا بالزعامة المتحورة حول المواجهات الخارجية»؛

لذا «كرست الانتصارات الأولي أيديولوجيا الهوية المتحورة حول العداء للغرب»، الأمر الذي ساعد على تيسير الاستئصال المنهجي للسياسة وللفاعلين السياسيين والمدنيين من كافة الاتجاهات السياسية والأيديولوجية (إسلاميين وقوميين وماركسيين وليبراليين).

وحصر جدول أعمال المجتمع بمواجهة الاستعمار و«أعوانه» في الداخل، وبث ثقافة الخوف، وإحكام عزل الشعوب عن النداءات العالمية والمحلية للتحول للديمقراطية (خاصة أنها لا تصدر إلا من دول الغرب)، وتسهيل قمع الأفراد والجماعات التي تنادي بالديمقراطية.

لقد تحول الإقصاء العنيف لشركاء الكفاح من أجل التحرر الوطني من اليمين واليسار إلى عنوان دامي لعدة عقود تالية، من مغرب «سنوات الرصاص» إلى قمع الأغلبية الشيعية في البحرين التي كانت تشكل بتنوع رموزها السياسية العمود الفقري لحركة الاستقلال الوطني.

ساعد علي تيسير مهمة هذا التوجه الاستئصالي ضعف التوجه الديمقراطي بين بعض الجماعات المكافحة من أجل التحرر الوطني قبل الاستقلال.

فباستثناء التيار الليبرالي الذي اعتنق «الوطنية الدستورية»، وجد التوجه الاستبدادي الصاعد أرضية مشتركة مع جماعات قومية ويسارية ودينية.

يقرب بين هذه الأطراف «ميول سلطوية» مختلفة المنابع، يجمع بينها الترويج «لمستبد عادل» ما. قد يكون عمر بن الخطاب في مخيلة بعضها، وجوزيف ستالين أو هتلر في مخيلة جماعات أخرى.

جدير بالملاحظة أنه في عدة دول عربية تولت «الجيوش كأقليات مهنية وتآمرية إنفاذ الجانب الاستبدادي من أفكار المثقفين القوميين» وتقديم نموذج حي للمستبد العادل.

إلا أن إدمان الحكام الجدد لمنطق إقصاء واستئصال المعارضين كان يتطلب تجسيم ذلك «العدو» في أذهان الشعوب بصورة دائمة، رغم رحيل الاحتلال الاستعماري (باستثناء فلسطين)، ورغم علاقات التبعية السياسية والأمنية التي نسجها بعضهم مع الدولة المستعمرة السابقة و/أو مع بعض كبريات دول الغرب.

لذا جرى التعامل مع الاستعمار بوصفه «خطيئة أصلية» وفقًا للكاتب اللبناني حازم صاغية.

والخطيئة الأصلية بطبيعتها لا تنمحي أبدًا، خاصة وأن استمرار هيمنة شبح «الاستعمار» على المشهد السياسي والثقافي والديني في العالم العربي قد يكون العلة الوحيدة لوجود أطراف بعينها في هذا المشهد.

هذه الأطراف لا تقتصر على النخب الحاكمة، بل تتضمن أيضًا جماعات مؤثرة ونخبًا سياسية وثقافية ودينية وميلشيات، بينها خلافات حول قضايا أساسية أيدولوجية وسياسية وهوياتية، لكنها تتوافق على أولوية جدول أعمال خارجي، تتواجد «كراهية الغرب» في بؤرته، باعتبارها تجسيد لقبح الاستعمار (الذي رحل) ولامتداده المتواطئ مع الاستعمار الاستيطاني لفلسطين وغزو العراق.

ورغم أن خطاب «نحن أو الغرب» قد لعب دورًا حيويًا في تجذير التوجه الأصولي الإسلامي في المجتمعات العربية؛ إلا أننا سنلاحظ في المقابل أن أعمال الاضطهاد الديني والجرائم ضد الإنسانية التي تُرتكب منذ سنوات ضد ملايين المسلمين في الصين وميانمار والهند لا تستوقف الحكام ولا النخب السياسية والدينية في العالم العربي.

صار الخطاب الهجائي للغرب الذي يصدر عن حكام وبعض رموز النخب السياسية بمثابة ترويج لوطنية هوياتية معلقة في الفراغ، بعدما فشلت في التجسيد الاقتصادي للاستقلال الذي حصلت عليه قبل نصف قرن.

«ظل الدليل الأبرز على الاستقلال هجاء الاستعمار الذي انقضي والتهديد بنزعه وهو منزوع»، حتى صار أشبه بطقوس تعويض نفسي جماعي عن الفشل.

بل يحذر صاغية من أن «المجتمعات العربية تفقد، ليس قدرتها على تنظيم نفسها فحسب، بل وقدرتها على إنتاج ثقافة ومعرفة وعلى النظر إلى نفسها ونقد نفسها….

فالشوفينية تريح العقل وتجنبه التفكير والنقد».

قبل حرب الإبادة في غزة التي اندلعت في أكتوبر الماضي، كان ارتكاب إسرائيل أعمال قمع وحشي أو جرائم حرب في الضفة وغزة مناسبة لانطلاق أعمال الاحتجاج الشعبي في العالم العربي.

«لطالما اعتبرت الأنظمة السلطوية أن الاحتجاجات المؤيّدة لفلسطين في مصلحتها؛ إذ وفّرت لها صمّام أمان فعّال لتوجيه استياء السكّان حيال الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام الحرّيات نحو التهديدات الخارجية مثل التدخّل الغربي والإمبريالية والصهيونية، وسمحت لها كذلك بتصوير نفسها على أنّها قومية عربية مناهضة لما أطّرته كهيمنة غربية».

لكن الهشاشة المتزايدة للدولة في العالم العربي لم تعد تسمح بتلك الاحتجاجات، خشية أن تنقلب ضدها، ولا تقتصر على إدانة المعايير المزدوجة للغرب.

الملاحظ أن الخطاب التعبوي يتجاوز إدانة التواطؤ ليستهدف الغرب ذاته تحت عناوين أخرى، كمنارة للديمقراطية، الأمر الذي يقود الكاتب التونسي زياد كريشان للتساؤل مستنكرًا؛ هل نلقي الديمقراطية الليبرالية في «مزبلة التاريخ» باعتبارها «إرثًا استعماريًا» لأنها وليدة الحضارة الغربية؟

لا تقتصر بالطبع هذه الرسالة السلبية على الإعلام الرسمي، بل تمتد إلى مجالات التعليم والثقافة والمؤسسات الدينية والمساجد ومنابر لمعارضات سياسية ودينية.

عندما كشفت الشهور الأولى للربيع العربي بشكل ملموس عن انحياز الإدارة الأمريكية وعدة دول غربية أخرى لجانب تلك الانتفاضات، واستعدادها للتضحية بتحالفات مع بعض النظم الحاكمة التسلطية العربية، فإن ذلك لم يؤد للانتقاص من الغربفوبيا السائدة.

بينما أدرك على الفور المجلس الأعلى للقوات المسلحة –الذي تولي الحكم في مصر بعد تنحي الرئيس حسني مبارك عقب انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011– التحول الكبير في الموقف الأمريكي، لذا بادر باقتحام مقار مؤسسات أمريكية معنية بالديمقراطية بقوات عسكرية للمرة الأولي في تاريخ البلاد.

وأجرت النيابة تحقيقات مع المسئولين فيها في اتهامات ملفقة في قضية لم تغلق إلا بعد عدة سنوات. لكن ذلك لم يغير من نظرة الرأي العام السلبية لأمريكا، بل أضاف للبعض مبررات سلبية جديدة.

يظن مايكل لينش الأكاديمي المتخصص في شئون العالم العربي أن العداء لأمريكا في أوساط الرأي العام العربي يستند لتحيز ذهني مترسخ، حتى أنه صار من الصعوبة بمكان للبعض أن يروا غير ما يريدوا رؤيته، أي ما يتسق مع تحيزهم الذهني المسبق.

بالطبع لا يقصد لينش ومحللين آخرين عرب وغربيين أن الحكومة الأمريكية لم ترتكب جرائم سياسية كبري تدينها (وما تزال)، خاصة مع فلسطين والعراق وعدة دول أخري غير عربية، لكن هناك فارق كبير بين إدانة مواقف بعينها (كان الشعب الأمريكي أقوى من أدانها)، وبين الكراهية، مقابل إدمان التسامح الضمني مع العجز والفشل الشامل المتواصل لعقود ومع المسئولين المباشرين عنه منذ رحيل الاحتلال الأجنبي.

رحل الاستعمار منذ أكثر من نصف قرن، لكنه لم يرحل أبدًا من الذهنية الاعتذارية الجماعية التي سهر على تنميتها الخطاب الأيديولوجي للديكتاتور المؤسس في كل دولة وإعلاميوه.

ولم يتراجع موقعه المركزي في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي (الرسمي وغير الرسمي) السائد في العالم العربي.

ظل الاستعمار شبحًا فاعلًا يمكن استحضاره كل يوم من خلال مترادفات متنوعة (الاستعمار الجديد، الإمبريالية، الغرب، النيوليبرالية، الرأسمالية المتوحشة، العولمة المتوحشة، التبعية، التطور اللامتكافئ، حروب الجيل الرابع، تخليق الإرهاب، كراهية الإسلام والإسلاموفوبيا، الاستشراق، الإباحية، الشذوذ الجنسي، العنصرية، الرجل الأبيض،…الخ) مما ييسر تواصل التجييش لحماية مجتمعات مما يجري تصويره كاستهداف قيمي وديني من خارجها.

الأمر الذي يعفي المجتمع من أعباء محاسبة من «يحموا قيمه ودينه» وييسر انتهاك حقوق الإنسان، ومطاردة المدافعين عنها أفرادًا وجماعات، باعتبارهم خونة وعملاء لهذا «الوحش» الغربي.

فـ«النظم التسلطية التي تدعي مناهضة الهيمنة الغربية تعتبر أن الحريات الفردية معاول هدم لمجتمعاتها لاختراقها وتكريس التبعية الثقافية للغرب. هكذا تعتبر هذه النظم أن حرية الضمير والتعبير وحرمة الحياة الخاصة وحق اختيار شريك الحياة والاختيارات الجنسية.. إنما هي استراتيجيات غربية لمواصلة التحكم في المجتمعات المهيمن عليها».

منذ الاستقلال الوطني في خمسينيات القرن الماضي، شكّل التخوين سلاحًا فعالًا معنويًا وأمنيًا وقضائيًا. مازال هذا السلاح الاستئصالي للخصوم السياسيين أداة فعالة في أيدي الحكام المتعاقبين في العالم العربي، مثلما تلاحظ الباحثة التونسية ملاك الأكحل: من الرئيس المحرر الحبيب بورقيبة إلى آخرهم: الرئيس قيس سعيد.

الأسوأ؛ أن هذا الخطاب الكارثي يشكل مرتكزًا لتيار سياسي متعدد الجذور الأيديولوجية، هو أفضل سند للطغاة في العالم العربي.

فهو داعم لمجازر بشار الأسد ضد الشعب السوري، باعتباره يواجه مؤامرة استعمارية غربية. علي أكوام من هذا الخطاب المتهافت ومئات آلاف الجثث شيد عدد آخر من زعماء التحرر الوطني مجد عارهم القومي، بصب نيران مدافع جيوشهم الثقيلة وقنابل طائراتهم والغازات الكيمائية السامة على شعوبهم.

أبرز هؤلاء الزعماء الرئيس السوري حافظ الأسد (الأب) والرئيس العراقي صدام حسين. الضحايا المستهدفين لم يكونوا إسرائيليين أو غربيين، وإنما سوريين وعراقيين: مسلمين سنة وشيعة وأكراد.

لا يقل إيلامًا للنفس والعقل أن تضم قائمة التواطؤ على هذه الجرائم، وتمجيد مرتكبها الأعظم صدام حسين علنًا، عددًا من أبرز المفكرين والشعراء والكتاب والصحفيين –بل وحقوقيين بارزين– في العالم العربي من المحيط للخليج.

ما يعد مؤشرًا إضافيًا على مدى جسامة المهمة التي تنتظر الحركة الحقوقية، وأيضًا استحالة اقتصارها علي مخاطبة الحكومات، عربية أم غير عربية.

يتبع

***

بهي الدين حسن ـ مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

_____________

مواد ذات علاقة