حافظ الغويل 

بعد أربعة عشر عامًا من الثورة، شهد الإطار المؤسسي الليبي تفككًا شبه كامل، كما يتضح من تنازل الدولة الفعلي عن مسؤولية الوظائف السيادية الأساسية لجهات فاعلة غير حكومية.

أسفرت الاشتباكات التي شهدتها طرابلس الشهر الماضي، والتي اندلعت على خلفية اغتيال قائد ميليشيا في ظروفٍ تحت ستار المفاوضات، عن تسعة قتلى مدنيين موثقين و47 إصابة، جميعهم في ظل إفلات مطلق من العقاب للجناة، مما يعكس نمطًا منهجيًا استغلت فيه النخب الحاكمة العنف لكسب المال.

لم يكن هذا الحادث استثناءً، بل كان نتيجةً حتميةً لاقتصاد سياسي ريعي تهيمن عليه شبكات ليبية فاسدة ورعاة أجانب.

على الرغم من أن طرابلس تُدرّ 50 مليون دولار يوميًا من تصدير 1.2 مليون برميل من النفط، إلا أنها لا تزال مُمزّقة، مُقسّمة إلى إقطاعيات ميليشياوية تعتمد فيها أي سلطة اسمية للدولة كليًا على أكثر من 120 جماعة مسلحة.

تسيطر هذه الفصائل على اقتصادات غير رسمية وغير مشروعة، بما في ذلك ممرات الاتجار بالبشر التي تنقل آلاف المهاجرين سنويًا إلى أوروبا، وعمليات ابتزاز البلديات، وعمليات الجماركالموازية في موانئ مثل مصراتة.

تُستخدم عائدات النفط والغاز لدعم رواتب الميليشيات وأنظمة المحسوبية بدلًا من تمويل الخدمات العامة، مما يخلق اقتصاد حرب مستدام لا يُعدّ فيه انهيار المؤسسات فشلًا، بل سمة تصميمية تُمكّن النخبة من الاستيلاء عليه.

شكّلت حملة التطهيرالفاشلة التي شنّتها حكومة طرابلس الشهر الماضي إعادة تنظيم استغلالية، وليست تغييرًا أو إصلاحًا مؤسسيًا مطلوبًا بشدة.

عندما قضت القوات الموالية للدولة على قائد ميليشيا منافسة خلال مفاوضات مزعومة، سيطرت على أبو سليم، وهي منطقة تسيطر على نقاط وصول حيوية للبنك المركزي مسؤولة عن معالجة ما يُقدّر بـ 1.8 مليار دولار شهريًا من عائدات النفط والغاز.

كشفت هذه المناورة عن المفارقة الوجودية لحكومة الوحدة الوطنية: فهي تقضي على الفصائل المتنافسة بينما تعتمد كليًا على ميليشيات متحالفة، مثل اللواء 444 القتالي، الذي يتلقى ما بين 15_20 مليون دولار شهريًا من خزائن الدولة لـالأجهزة الأمنية“.

أظهرت حرب المدن الحتمية الشهر الماضي كيف يخدم العنف الصراع بين النخب على الموارد المتناقصة.

لا تزال عائدات النفط الليبية الفصلية، البالغة 6 مليارات دولار، أسيرة هذه الدورة من النهب، حيث تقوم الميليشيات بتحويل أكثر من ثلث العائدات بشكل منهجي من خلال عصابات تهريب الوقود التي تنقل أكثر من 100 ألف برميل يوميًافي الوقت نفسه، تفرض عمليات الجماركالموازية في ميناء طرابلس رسومًا إضافية بنسبة 25%.

أدى السيطرة على أبو سليم وحده إلى تأمين عائدات غير مشروعة بقيمة 300 مليون دولار شهريًا، مما يؤكد أن توحيد الميليشيات هو آلية للاستيلاء على الموارد، يُمكّن انهيار الدولة من خلالها إثراء النخبة.

في هذه الأثناء، يُدار التدخل الأجنبي في ليبيا كسوق معاملات، تتبادل فيه القوى الخارجية رأس المال العسكري مقابل الوصول إلى الموارد، دون أي اعتبار للسيادة الليبية أو استقرارها.

تشرف حامية تركيا، التي يبلغ قوامها 5000 جندي، وقواعد الطائرات المسيرة قرب طرابلس، على مناطق بحرية غنية بالهيدروكربونات، بينما تحرس قوات المرتزقة الروس في قاعدة القرضابية الجوية موانئ النفط الشرقية التابعة لقائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، وتتلقى مخصصات من النفط الخام تبلغ قيمتها حوالي 80 ألف برميل يوميًا.

يُغذي هذا التدخل التشرذم، وهي استراتيجية تبنتها واشنطن أيضًا كجزء من سياستها المُحيّرة تجاه ليبيا.

فمن جهة، تُعرب الولايات المتحدة عن دعمها الصريح للسلطة الموازية في طرابلس. ومن جهة أخرى، تُقدم في الوقت نفسه مبادرات دبلوماسية تجاه الحكومة المُنافسة في الشرق التي تُحشد قواتها بنشاط نحو سرت، مُهيّئةً إياها للاستيلاء على 50 مليون دولار يوميًا من عائدات النفط وتُجري مناورات عسكرية مشتركة تُضفي عليها الشرعية.

مع وجود أكثر من ١٢ قاعدة عسكرية أجنبية، فإن تفكك ليبيا ليس مجرد أضرار جانبية، بل هو النتيجة المرجوة لاستغلال الموارد المتخفي وراء ستار الدبلوماسية.

وراء هذه الحسابات العبثية لأمراء الحرب، يلوح في الأفق احتمال انهيار مجتمعي نتيجة ندرة مُصممة عمدًا؛ إذ يُضعف التضخم بنسبة ٢٠٠٪ القدرة الشرائية للأسر، على الرغم من تدفق مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز سنويًا.

هذا الحرمان الممنهج يُغذي المعارضة الشعبية، كما يتضح من هتاف ٤٠٠٠ مواطن لا شرق ولا غربخلال الاحتجاجات الشهر الماضي، مُمثلين بذلك إدانة مباشرة لجميع الفصائل الحاكمة بعد ١٤٠٠ يوم من عدم الوفاء بالوعود الانتخابية.

في هذه الأثناء، يبلغ معدل البطالة بين الشباب 40%، مما يعكس تخلي الأجيال، ويفاقم من ذلك احتكار النخب للموارد مثل اختلاس ملايين الدولارات من أموال صيانة السدود، والتي كانت نتيجتها المباشرة انهيار سد درنة في سبتمبر 2023، والذي أسفر عن 5000 حالة وفاة كان من الممكن تجنبها، وهو رقم يتجاوز عدد وفيات المعارك في الخطوط الأمامية.

ونتيجة لذلك، يتصاعد الغضب الشعبي، كما يتضح من حرق الإطارات ليلاً واحتلال مباني الوزارات، والاحتجاجات التي غالبًا ما تُواجَه بنيران الميليشيات الحية.

وخارج حدود ليبيا، يتحول تفكك البلاد بنشاط إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، حيث تُرسل شبكات ساحلية تسيطر عليها الميليشيات آلاف المهاجرين كل عام عبر البحر الأبيض المتوسط.

يتقاطع سوق السلع البشرية هذا مع انهيار السودان، حيث فرّ 9 ملايين نازح من مناطق الصراع، إلى جانب تهريب الأسلحة الصغيرة من وإلى ليبيا عبر الحدود الجنوبية التي يسهل اختراقها.

لذا، يكمن القلق في أن تجدد الحرب الأهلية بين طرابلس وبنغازي قد يُفضي إلى عواقب فورية وخطيرة للغاية، قد تتجاوز حتى احتمال انزلاق السودان المجاور إلى صراع.

ولن يقتصر الأمر على حجم المعاناة الإنسانية غير المسبوق الذي قد تُسببه، بل سيمتد إلى تأثير الدومينو على الاقتصاد العالمي نتيجةً لتعطيل صادرات النفط في بلدٍ يمتلك حوالي 41% من إجمالي احتياطيات أفريقيا المؤكدة، مع تسارع تدفقات اللاجئين.

يظل تعيين مبعوثين للأمم المتحدة واتفاقيات وقف إطلاق النار مجرد إجراءات تمثيلية في ظلّ انخراط القوى العالمية في تأجيج الصراع. ويُثبت انهيار حكومة الوحدة الوطنية وصعود حفتر أن قادةليبيا يُعطون الأولوية للإثراء الشخصي على حساب إرساء عقد اجتماعي موثوق ومستدام.

مع فرار البعثات الدبلوماسية الدولية من طرابلس إلى تونس، وتكديس الميليشيات للأسلحة، فإن السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كان العنف سيتصاعد، بل متى سيُجبر امتداده المجتمع الدولي على إعادة تقييم التراخي وإعادة النظر في النهج.

في غضون ذلك، لا يزال هناك فراغ في المساءلة. فبدون محاكمة المتهمين بالاختلاس أو جرائم الحرب، ونزع السلاح من المدن، ووقف تدفق الأسلحة الأجنبية، سيتحول الصراع الليبي المتجمد إلى صراع إقليمي.

يجب البدء بعملية تدقيق جنائي قبل انهيار السد التالي، فكل 3.6 ثانية، يُضيف برميل نفط جديد المزيد من الأموال إلى هذه الفوضى المُدبّرة، بينما تقترب شرارة الاشتعال الإقليمي أكثر فأكثر.
***
حافظ الغويل زميل أول ومدير تنفيذي لمبادرة شمال أفريقيا في معهد السياسة الخارجية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن العاصمة.
_____________

مواد ذات علاقة