روعة قاسم

تأمين الحدود
ويرى البعض أنه على تونس أن تقوم بتأمين حدوها البرية من خلال تدعيمها بالخنادق والجدران والأسيجة، ومن خلال تكثيف نقاط المراقبة والكاميرات وعدم انتظار الطرفين الليبي والجزائري لمنع تدفق المهاجرين على الأراضي التونسية.
وعلى إيطاليا وبلدان الناتو التي خلقت الفوضى في ليبيا أن تتحمل مسؤولياتها في تأمين الحدود البرية التونسية من جهة ليبيا حتى لا يتدفق المهاجرون من جنوب الصحراء على القارة العجوز، فيما يبقى اللغز هو الجزائر التي من المفروض أنها تتباهى باستمرار بقدرتها على السيطرة على إقليمها وضبط حدودها.
أما أن تؤمن تونس الحدود البحرية للإيطاليين وبالتالي أوروبا دون أن يقوم الأوروبيون بالمساعدة في تأمين الحدود البرية بين تونس وجيرانها فإن ذلك يؤدي إلى تدفق مهاجري جنوب الصحراء على تونس وبقائهم فيها بسبب عدم قدرتهم على إكمال الرحلة إلى أوروبا.
ويخلق هذا الوضع أزمات عديدة لتونس خاصة وأن القادمين عبر الصحراء الكبرى من بينهم فارون من العدالة وأشخاص كانوا منخرطين في ميليشيات ومدربون على القتال وسلوكهم عدواني وليسوا كلهم طلاب علم أو شغل وعيش كريم، والأمن التونسي في غنى عن صراعاتهم التي برزت مؤخرا في جرجيس وسابقا في مدن أخرى.
غضب شعبي
ورغم أنه لم تبرز على المستوى الرسمي اتهامات مباشرة تونسية للجيران بالتقصير في منع المهاجرين من العبور إلى التراب التونسي، إلا أن هناك غليانا وأصواتا تبرز من هنا وهناك تحمل الجوار المسؤولية على ما يحصل من إغراق لتونس بالمهاجرين. فالعلاقات بين بلدان المنطقة ليست على ما يرام بسبب عديد الملفات ومنها ملف هجرة الأفارقة من جنوب الصحراء.
ورغم الاتفاق بين رؤساء تونس وليبيا والجزائر بمناسبة القمة الثلاثية التي احتضنتها مؤخرا العاصمة التونسية على ضرورة توحيد المواقف وتكثيف التشاور والتنسيق لتعزيز مقومات الأمن والاستقرار بالمنطقة، وعلى تكوين فرق عمل مشتركة يعهد إليها التنسيق لتأمين حماية الحدود المشتركة من مخاطر وتبعات الهجرة غير النظامية وغيرها من مظاهر الجريمة المنظمة، إلا أن شيئا من ذلك لم يتحقق.
وعلى الميدان بقيت دار لقمان على حالها واستمر تدفق المهاجرين من جنوب الصحراء على التراب التونسي من دول الجوار بدون أي تحرك فعلي لإيقاف هذه المعضلة التي تدفع فيها تونس الثمن غاليا على كافة الأصعدة.
أزمة عميقة
رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير قال لـ«القدس العربي» إن «مسألة الهجرة واللجوء أصبحت أزمة عميقة رغم أن تونس ليست بلد إيواء ولجوء بل هي بلد عبور حسب اتفاقية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مع تونس في اذار/مارس2011 التي وقعت بعد أن توافد علينا مئات الآلاف من ليبيا من مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء وعابرين باتجاه مخيم الشوشة نتيجة الحرب التي شنها الناتو على ليبيا».
ويضيف محدثنا: «وتدريجيا في عام 2015 تم غلق المخيم بشكل نهائي لأنه حسب الاتفاقية يعتبر وقتيا وتنتهي مدته بانتهاء أسباب حدوث الحرب في ليبيا.
وبعد مرور السنوات بدأت تتكاثر أعداد المهاجرين واللاجئين من جنسيات عديدة تدريجيا، وتحول الإيواء في المخيمات خارج المدن إلى إيواء حضري في المدن خاصة المدن الجنوبية مثل جرجيس وبن قردان وتطاوين وقابس. ثم تفاقمت مع أزمة كورونا أعداد المهاجرين خاصة في صفاقس التي أصبحت وجهة حقيقية لعديد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء للاعتبارات التالية أولا: لأنها بلد ومدينة فيها مواطن شغل ويطيب فيها العيش، وثانيا لأنها قريبة من المنافذ البحرية لركوب البحر نحو إيطاليا وتحديدا جزيرة لامبيدزا.
اليمين المتطرف
يؤكد عبد الكبير في هذا الحديث أنه بصعود اليمين المتطرف في إيطاليا ووصوله إلى الحكم بقيادة جورجيا ميلوني أمضت تونس اتفاقية متعلقة بالهجرة مع الجانب الإيطالي، وكانت سبقتها أيضا اتفاقية أمضاها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي مع أوروبا.
كما أمضى الرئيس التونسي قيس سعيد في عام 2020 اتفاقية تتضمن حراسة الحدود وتؤمن عودة بعض المرحلين التونسيين من إيطاليا وبعض الدول الأوروبية مقابل بعض المساعدات العينية وتسهيل القروض ومساعدة الأمن التونسي بقوارب الحماية والمحروقات والتدريب وتبادل المعلومات.
ويضيف: «بعد عام 2020 بدأت الأعداد تتضاعف ومباشرة في عام 2022 خرج أكبر عدد المهاجرين من منطقة المتوسط نحو أوروبا من تونس خاصة من سواحل ولاية صفاقس، وسواحل ولاية نابل على غرار الهوارية، وبعض المدن الأخرى في جنوب شرق تونس مثل جرجيس وبن قردان وقابس.
إن المسارات التي يتخذها اللاجئ وطالب اللجوء باتجاه أوروبا متنوعة والخيارات كبيرة على امتداد سواحل البلاد التونسية، ونتيجة لذلك احتلت تونس المرتبة الأولى في أعداد المهاجرين الوافدين منها على أوروبا وذلك لسنوات 22 و 23 فقد بلغ عدد المغادرين للتراب التونسي أكثر من 40 ألفا من بينهم لاجئون وطالبو لجوء وأجانب ومواطنون تونسيون».
حراسة حدود حقيقية
ويضيف عبد الكبير: «في عام 2023 اندلعت حرب الخرطوم التي أثرت تأثيرا كبيرا على الأعداد المتزايدة وصار تقريبا خروج أكثر من خمس ملايين مواطن سوداني من العاصمة ومن السودان ككل باتجاه مصر وليبيا وتونس.
وجاءتنا أعداد كبيرة عن طريق حدودنا البرية مع الجزائر وليبيا الشيء الذي ضاعف الأعداد مع ارتفاع تشكيات المواطنين والصدامات الحاصلة بين بعض متساكني صفاقس المدينة.
أعتقد أن قرار السلطات التونسية المفاجئ بإخراج المهاجرين بالقوة نحو غابات الزياتين من وسط مدينة صفاقس جانب حقوق الإنسان وذلك بعد أن اندلعت مشاكل عديدة تم على إثرها أيضا ترحيل مهاجرين نحو الحدود البرية باتجاه ليبيا والجزائر الشيء الذي تسبب في مشاكل عديدة وقعت للمهاجر واللاجئ وطالب اللجوء.
في المقابل تكثفت زيارات رئيسة الحكومة الإيطالية إلى تونس حيث أنها التقت الرئيس التونسي والمسؤولين أكثر من مرة الشيء الذي جعل تونس مجبرة على إمضاء اتفاقيات تعاون مشترك واتفاقية مقاومة للهجرة غير النظامية في إطار الحد من الهجرة من السواحل التونسية الأمر الذي نعتبره حراسة حدود حقيقية تفاقمت معها أعداد المهاجرين وتحولت تونس من بلد يسهل فيه الانتقال والمغادرة إلى بلد احتجاز للمهاجرين الذين يدخلون من حدودنا البرية مع ليبيا والجزائر ومن الحدود البحرية لذلك تضاعفت الأعداد».
ويعتبر عبد الكبير أن تونس أصبحت اليوم مركزا لتجميع المهاجرين غير النظاميين سواء بالوسط أو بالجنوب التونسي الشيء الذي جعل الأزمة تتفاقم. وأعتبر أن الأوروبيين نجحوا في تصدير أزمة الهجرة إلينا، وأصبحت تونس تعاني مشاكل حقيقية الأمر الذي دفع السلطات المحلية إلى أن تراجع بعض الاتفاقيات وتقوم ببعض المحاولات لاحتواء هذه الأزمة، ولكن للأسف الشديد شاهدنا عديد الكوارث الإنسانية وتجاوزات حقيقية.
في المقابل هناك عدم رضى دولي على تونس باعتبار بعض الممارسات التي تعتبرها بعض الأطراف الخارجية لا تحترم حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية.
وأضاف محدثنا: «الملاحظ ان أعداد المهاجرين التي كانت تنطلق من تونس باتجاه إيطاليا هذا العام هي عشر الأعداد التي وصلت السنة الماضية إلى السواحل الأوروبية وهو يعتبر نجاحا للدبلوماسية الإيطالية التي باتت تعتبر التجربة التونسية نموذجا يقع تسويقه وتطبيقه مع البلدان الأخرى على غرار الجزائر ومصر وليبيا وغيرها.
واليوم العلاقات الدولية تشهد شدا وجذبا فيما يتعلق بملف الهجرة، ومن جانب آخر هناك استحقاقات تونسية نحو الوصول إلى التمويل الدولي، إذ يقع ربطه بمسألة مراقبة الحدود وهذا شيء نرفضه لأننا نعتبر تونس كأي بلد في العالم لها الحق في الوصول للتمويل الدولي من غير شروط ولكن للأسف الشديد السياسة الأوروبية قاسية جدا مع تونس وهناك صعوبات حقيقية».
وتابع محدثنا: «نعتبر أن الاتحاد الأوروبي يعمل على مزيد تحميل تونس ما لا تتحمله، ففي عملية الإنقاذ البحري توكل المهمة إلى الأمن التونسي في التعامل مع كل عملية إنقاذ وكل مهاجرين غير نظاميين ينطلقون من ليبيا يتم توجيههم من قبل الإيطاليين إلى السواحل التونسية للإنقاذ ولتلقي المساعدة وتتم العودة بهم إلى أحد الموانئ التونسية في بن قردان وصفاقس والمهدية ويتم إيواؤهم.
بالتالي أصبح لدينا ثلاثة منافذ للدخول، منافذ برية مع الجزائر وليبيا، ومنفذ بحري في عملية الإنقاذ البحري مقابل بعض المساعدات. واليوم هناك ضبابية في هذا الملف ومشاكل كبيرة بين تونس والمنظمات التي تعنى بالهجرة».
خلاف حقيقي
ويضيف عبد الكبير بأن الخلاف حقيقي بين تونس ودول الجوار وليس فقط ليبيا باعتبار أن هناك تصديرا للأزمة نحو تونس لانها الحلقة الأضعف. فالجانب الجزائري يستقوي بإمكانيات الدولة ويصدّر أعدادا كبيرة من المهاجرين وطالبي اللجوء.
ونرى اليوم الأرقام التي دخلت عبر الحدود الجزائرية تفوق الـ 10 آلاف مهاجر، في المقابل ليبيا في المنطقة الغربية على حدودنا تتنشر فيها الميليشيات وهناك تقاطع بين هذه الميليشيات وشبكات الإتجار بالبشر. فجزء من مصادر تمويل هذه الميليشيات هو الإتجار بالبشر فهي تُجمّع المهاجرين في المنطقة الغربية وتصدّرهم عبر الحدود التونسية ويتراوح سعر نقل الفرد الواحد بين 100 و 500 دولار يختلف بحسب المسافة التي سيجتازونها ومن أي نقطة سواء من الغرب أو الشرق الليبي باتجاه الحدود الغربية عبر تونس.
ورأينا العام الفائت أن أكثر من 8 آلاف مهاجر دخلوا من ليبيا، الأمر الذي أثرّ على العلاقات بين البلدين مع وجود خلافات في عملية التنسيق مع دول الجوار. فهناك لقاءات عديدة حصلت بين وزير الداخلية التونسي الأسبق ووزير الداخلية الليبي في حكومة الوحدة حول ضرورة التوقيع على اتفاق ينصّ على ان تونس تمنع المهاجرين من مغادرة ترابها باتجاه ليبيا والعكس صحيح، أي أن تتصدى ليبيا لكل المهاجرين الذين يريدون التوجه نحو تونس باتجاه أوروبا.
ولكن للأسف الاتفاقية لم تدم طويل فقد التزم الجانب التونسي بحماية الحدود مع ليبيا ولكن في المقابل الداخلية الليبية لم تستطع السيطرة على الميليشيات لانها أقوى من الدولة وبقيت عملية الإتجار بهم نحو تونس متواصلة».
______________
