علي اللافي

تبين لكل المتابعين للملف الليبي منذ سنوات أنه ملف مُعقد ومُتشابك وأن خيوطه تُحيل لمربعات كثيرة التعقيد والتكوين لا في ليبيا وفي محيطها الإقليمي المتنوع فقط بل في كل الإقليم وعلى المستوى الدولي وحواشيه الظاهرة والخفية (شركات البترول العالمية – الشركات العابرة لقارات – المحافل العالمية سواء كانت ثقافية أو خفية الأهداف والمرامي).

كما أن ترتيب الملف الليبي وفي ظل المعادلات الدولية والإقليمية الجديدة سيفرض على واشنطن وحُلفائها سواء الدوليين أو الوظيفيين دوليا واقليميا المسارعة لترتيب الحد الأدنى خاصة في ظل حقيقة أن المطلوب على المدى المتوسط وفقا للرؤية الأوروبية والأمريكية ليس حلولا بل مُسكنات، ويظهر أن تلك المُسكنات جاهزة ويجب ان تُفعل في أفق يونيو 2023 وفقا للاستراتيجية الغربية.

اليوم وبعد وصول المبعوث الأممي الجديد لطرابلس وبدء أعماله واتصالاته ومشاوراته ووفقا لإشارات الأمين العام للأمم المتحدة منذ يومين، السؤال المطروح هو:

لماذا أصبحت هندسة الحل في بلد عمر المختار ثلاثية بين الجزائر وبريطانيا وألمانيا؟خاصة وان الملف ومنذ 2014 توجد ضمنه تأثيرات روما وباريس والقاهرة وانقرة وابوظبي.

فماهي أسس المتغيرات الجارية، وما هي آفاق الحلول/المسكنات في افق يونيو 2023؟

أولا، لا يختلف اثنان أن عقد مؤتمري برلين1 وبرلين 2 قد تقدما بالملف الليبي ويَسَّرَا عديد الخطوات وخاصة في إيجاد مسكنات مرحلية للبحث عن توافق دولي وخاصة في ظل تداخل أطراف إقليمية عديدة، والتي عقدت كثير من الأمور بين صائفة 2014 وخريف 2021 .

بل أن التقدم في مساري الملف (الاجتماعي/الاقتصادي – العسكري/الأمني) المحسوبين عمليا على البعثة الأممية في حقبة “وليامز” ولكنهما أيضا محسوبين على ترتيب اجرائي لنتائج مؤتمري برلين بينما كان مؤتمر أو لقاء برلين 3 لوضع مسار تمهيدي للمبعوث الأممي الجديد.

المطلوب الجديد مطلوب منه أولا وأخيرا اكمال المسارين الثالث والرابع للأزمة (أي “الدستوري” و”السياسي/التنفيذي”)، وكل ذلك يعني ان ألمانيا هي احد مربعات الحل في ليبيا أو بالأحرى مطلوب منها هندسة مُسكنات الحلول للازمة.

ذلك لأنه لا حل في ليبيا ما لم تنتهي مربعات صراع النفوذ في افريقيا وهي لن تنتهي قبل نهاية رسم أولي للنظام الدولي الجديد وتلك الهندسة ستتم بناء على نتائج الحرب الروسية الأوكرانية ومسار العلاقات بين بكين وواشنطن.

إن ما يُوضّح الدور الألماني أنه أولا وأخيرا مربع خلفي للسياسات الأمريكية في كثير من الملفات وخاصة ملفات غرب وشمال افريقيا (وأساسا الملفين التونسي والليبي)، ولعل زيارة المبعوث الألماني الأخيرة والتي قابل فيها كل الفاعلين الرئيسيين في ليبيا عبر جولة مكوكية قادته لطرابلس وبنغازي وتونس، وفيها التقى “فتحي بشاغا” وشخصيات تونسية وازنة سياسيا ولها تأثيراتها غير المباشرة في الملف الليبي.

ثانيا، سياسيا يُمكن تفهم زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي “محمد المنفي” الأخيرة للجزائر وخاصة في هذه الفترة تحديدا على أنه يُمثّل الدولة الليبية في علاقاتها الدولية خاصة وأن الجزائر بصدد التحضيرات النهائية للقمة العربية، كما أن الجزائر دولة محورية في الإقليم بل وعادت دبلوماسيتها للفاعلية والنجاعة منذ بداية 2021 (بعد أن كانت مشلولة بين 2014 و2020) ومن الطبيعي بل من الواجب التشاور معها في جزئيات الحل المقبل للازمة الممتدة منذ 2014.

الا أن الزيارة لم تكن عادية لأنها تمت في ظرفية تتسارع فيها الأحداث والتطورات لا في الملف الليبي فقط بل في كل الإقليم ومربعاته المختلفة (المتوسطالمغرب العربي – الشرق الأوسط – افريقيا) وخاصة بعد نسقية الأحداث شرق المتوسط (الاتفاق الليبي – التركي الأخير مع حكومة الوحدة الوطنية– التحركات المصرية اليونانية ضد ذلك الاتفاق – ما يجري في دول الساحل والصحراء وخاصة في مالي والنيجر والتشاد وبوركينافاسو).

وبالتالي فالزيارة مركبة الأهداف والخاصيات ولها تداعيات لا على الملف الليبي فقط بل على كل الملفات في المنطقة وهي إعادة ترتيب وتركيب الحل السياسي في ليبيا لا على مساراته الأربع فقط بل أيضا زمنيا واجرائيا خاصة وأن تصريحات الرئيس الجزائري قد تلخّصت في القول أن الحل في ليبيا بَيّن وواضح وأنه يجب أن يتم في 2023.

ثالثا، من حيث مخرجات الزيارة الأخيرة للمنفي يمكن التركيز على تعبير الرئيس الجزائر عن أمله في أن “تكون السنة المقبلة 2023 سنة الحل بالنسبة للأزمة الليبية وعبر التوصل إلى أرضية توافقية تؤدي إلى إجراء انتخابات”.

وأكد تبّون أن هذا الخيار بات الوحيد لحل الأزمة، مشدداً على تمسّك الجزائر بدعمه، وهو الذي قال في تصريح مشترك مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، عقب محادثات جمعتهما بمقر الرئاسة الجزائرية الأربعاء، “نأمل في أن تكون 2023 هي سنة الحل بالنسبة للأزمة الليبية ونهاية المأساة بالنسبة للشعب الليبي، بما يمكّن ليبيا الشقيقة من استرجاع استقرارها واستغلال ثرواتها والمضي نحو التقدم والازدهار” .

وأضاف بقوله “نحن متفائلون، لأن كل الأصدقاء في أوروبا وكل الدول الصديقة والشقيقة أيقنت بأن الحل الوحيد يمر حتماً عبر الانتخابات، ووفقاً لما يقرره الليبيون أنفسهم ودون تدخل من أي طرف، بهدف السماح للشعب الليبي بالتعبير عن اختياراته الحرة، في انتخابات تنبثق عنها حكومة ومجلس نيابي، ما يسمح بإعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية”.

ومعلوم أن الزيارة تمت للجزائر لأنها أولا وأخيرا طرف إقليمي رئيسي في رؤية الفاعل الدولي وأيضا في رؤية الأطراف المحلية الرئيسية ومعلوم أيضا أن العقيدة الدبلوماسية الجزائرية ترتكز على قناعة “بومدين” المتوارثة والقائلة انه “لا يُمكن حل ملفات المنطقة الا بالتشاور مع الجزائريين وأهل المنطقة…” وهو أمر تَوضّح في باقي تأكيدات “تبّون” وتصريحاته حيث جَدّد حرصَ واستعداد الجزائر لدعم خطوات استقرار ليبيا.

وقال: “نحن مجندون كل التجنيد من أجل راحة الشعب الليبي واستقرار ليبيا، وذلك في نمط التسيير وفي المرحلة الجديدة التي يختارها الشعب الليبي وحده”.

رابعا، ما قد يجعل هندسة الحل مُتعددة الأطراف دوليا وإقليميا هو أن هناك ما سمّيناه سابقا بتوازن الضعف (أو بتوازن القوى) محليا وإقليميا ودوليا، وهو مسألة واضحة ميدانيا منذ نهاية 2014 (وأراد “حفتر” وحلفائه في الإقليم كسرها في أبريل 2019 ولكنهم فشلوا وقبلوا بتلك المعادلة ومن ثم توجهوا للّعب على كسر التحالفات في المنطقة الغربية ولا يزالون يحاولون حتى اللحظة).

ولعل وصول المبعوث الأممي الايام الماضية وطبيعة التحديات أمامه ستجعل العواصم الثلاث مربّعا لكثير من الحلول التي ستدعمه وتساعده في هندستها (أي الحلول/المسكنات) وهو ما استوعبه ويعيه الأمين العام للأمم المتحدة والذي قال أول أمس الجمعة 14 أكتوبر أنه “من الصعب معرفة التحدي الأكبر الذي سيواجه باتيلي في ليبيا“.

بل أنه أضاف مؤكدا أهمية استمرار اتفاق وقف إطلاق النار والمحافظة على الاستقرار بأي ثمن”، وأوضح غوتيريش أيضا في مؤتمر صحفي بمدينة نيويورك أن ذلك “يعني الحفاظ على السلام بين الشرق والغرب، مشددا على ضرورة إنهاء تجدد الاشتباكات المسلحة كالتي حدثت مؤخرا في العاصمة طرابلس، إضافة إلى التوصل سريعا لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة؛ للسماح بإجراء التغييرات القانونية اللازمة لإجراء الانتخابات”.

ولفت الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن “مسألة الشرعية في ليبيا يصعب التغلب عليها في الوقت الحالي”، وأشار غوتيريش إلى أن “خارجية ألمانيا تفكر جديا في إحياء مؤتمر برلين، لكونه الأداة الدولية الأكثر فائدة لتجنب السيناريو الأسواء في ليبيا والوصول إلى حل ممكن للأزمة”.

كما أن لقاء سفير الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا ريتشارد نورلاند (صحبة مساعدة وزير الخارجية الأمريكية “باربارا أ. ليف”)أول أمس الجمعة في القاهرة مع رئيس مجلس النواب “عقيلة صالح” له معاني عديدة حيث تم بحث عدد من الملفات من بينها القاعدة الدستورية للانتخابات والإدارة الشفافة لعائدات النفط.

وفي نفس اللقاء كانا الأمريكيين واضحين في تبيان خطوطهم الحمراء، وخلاصة اللقاء تمثلت في نقطتين: الأولى هي هندسة خطوط كبرى للحل، والثانية هي التمهيد الفعلي لمنح بريطانيا مهمة هندسة تفاصيل تلك الحلول. ومباشرة بعد تلك المقابلة تم تسريب خبر عن زيارة عقيلة صالح لندن بالتزامن مع ظهور مؤشرات لرغبة البريطانيين احتضان مؤتمر دولي غير معلن حول ليبيا وهو ما يعني أن الحكومة البريطانية ستعزز تدخلها في الملف وبضوء اخضر أمريكي.

الخلاصة أن زيارة “المنفي” للجزائر متعددة الأبعاد وفيها البعد التمثيلي لليبيا وفيها العاجل وانه كان لابد من غلق مواضيع يعينها مع “تبّون” ووزير خارجيته وفيها وضع الجزائريين في الصورة لخطوات قد تُتَّخذ في المستقبل وربما المنظور منها تحديدا، وفيها مربعات التشاور والتوافق مع المسؤولين الجزائريين كما فيها من الأبعاد الاقتصادية الكثير وخاصة مربعات الغاز والنفط والحدود.

كما فيها أهمية حضور الرجل في القمة العربية والتشاور معه في بعض تفاصيلها وطلب دعمه في أجندات ومخرجات القمة (خاصة أن “المنفي” زار والمصالحة الفلسطينية قيد الترتيب والمعالجة). أما بخصوص تفصيلات الحل المستقبلي في ليبيا فإضافة الى التأكيد على الانتخابات والمسارات الأربع للأزمة، فانه تم الحديث عن خيارات استثنائية بعينها ولم تكشف تفاصيلها ومن بينها الذهاب للخيار الثالث ومناقشة أسماء بعينها على غرار “جحا” و”المنتصر” والكيخياوربما مرشحين آخرين أيضا.

ولا يُمكن تغييب أنه في نفس الوقت الذي كان المنفي في الجزائر كان رئيس المخابرات العامة المصرية يجلس لساعات مع العسكري المتقاعد خليفة حفتر والذي لا يزال يملك هو وأبناؤه جزء من معادلة المنطقة الشرقية ذلك أن نهاية حفتر الشخص قد أصبحت واقعا بينما سيبقى حفتر المشروع قائما حتى هندسة حل ولو مؤقت في ليبيا في أفق يونيو 2023.

وفي الأخير لا خلاف في أن الحلول ـ المُسكنات سيكون لكل من بريطانيا وألمانيا والجزائر مربعات كثيرة لسلكها واداراتها بينما ستوضع عواصم مثل الرباط والقاهرة وأنقرة وابوظبي في الصورة وفقا لمنطق القدرة على التكيّف مع تفاصيل الحلول وملفات تلك العواصم المحلية وقدرتها على التفرّغ للملفات الإقليمية المعقدة، ومن ثم التوقي من تداعيات الحرب الروسية/الأوكرانية لا سياسيا فقط بل أيضا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

***

علي اللافي كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة