
التحديات القانونية
نجد الإطار القانوني لإدارة النفايات الصلبة في ليبيا مربكا ومتناقضا ويتعارض مع القرارات الحكومية الأخيرة، ما أدى إلى عرقلة محاولات إصلاح متعددة. كانت ليبيا من أوائل الدول التي نظمت إدارة النفايات الصلبة في منطقة الشرق الأوسط عام 1973.
وكان قانون الصحة وشمال إفريقيا رقم 106(1973) أول قانون ليبي يحمّل البلديات مسؤولية إدارة النفايات.
وأصدرت ليبيا بعد عشر سنوات قانونها الأول والوحيد المختص بإدارة النفايات الصلبة، القانون رقم 13(1984) للنظافة العامة، والذي يكلف بدوره البلديات بإدارة النفايات الصلبة. كما يعد قانون حماية البيئة رقم 15 (2003)، الذي يركز على القضايا البيئية بشكل عام، قانونا آخر ذا صلة بالقضية.
يشدد القانون على أن إدارة النفايات الصلبة هي مسؤولية السلطة المحلية المشار إليها في القانون باسم الشعبيات. وأخيرا يكلف قانون الإدارة المحلية لعام 2012 ، القانون 59 ، البلديات بإدارة النفايات الصلبة. لكن هذه القوانين جميعها مبهمة بشأن دور البلديات في إدارة النفايات الصلبة، إذ لا توضح الأدوار والعلاقات بين المؤسسات العاملة في هذا القطاع.
ونجد تلك القوانين قد عفى عليها الزمن وتشير في كثير من الحالات إلى مؤسسات لم تعد موجودة، على سبيل المثال لم يتم تحديث قانون النظافة العامة (1984) منذ 37 عاما. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم هذه القوانين مصطلح »التنظيف« للإشارة إلى إدارة النفايات الصلبة، وهو مصطلح إداري قديم يحصر الهدف النهائي لإدارة النفايات الصلبة في ليبيا بمنع تراكم النفايات في الشوارع، ويهمل الجوانب الأخرى التي تؤثر على جودة خدمات إدارة النفايات الصلبة مثل معالجة النفايات وإعادة التدوير وكذلك الأثر البيئي الأوسع للنفايات الصلبة.
رغم إيلاء جميع القوانين التي تنظم إدارة النفايات الصلبة في ليبيا مسؤولية إدارة النفايات الصلبة للبلديات، أو لكيانات الحكم المحلي بشكل عام، إلا أن الخدمة تخضع حاليا للرقابة المالية والتنفيذية من وزارة الحكم المحلي. ويعد إصدار الحكومة الليبية القرار رقم 434 عام 2010 سببا رئيسيا لذلك، حيث يقضي القرار بقيام الشركات العامة للخدمات بتقديم الخدمة وتكليف وزارة المرافق. ولكن وزارة الحكم المحلي تولت العامة بإدارتها إدارة الخدمة منذ عام 2012.
سعت الحكومة جاهدة إلى تسهيل نقل المسؤوليات، ولكن تلك الجهود لم تثمر عن أي تقدم ملموس بسبب التحديات القانونية. يوضح رد المجلس الأعلى للقضاء في عام 2016 استجابة للاستطلاع القانوني الذي رفعته شركة الخدمات العامة في طرابلس بعض التحديات القانونية التي تواجه نقل المسؤوليات من المستوى المركزي إلى المستوى المحلي.
إستأنفت شركة الخدمات العامة في طرابلس عام 2016 القرار الحكومي رقم 52 (2016) الذي يقضي بعمل شركات الخدمات العامة مع مكتب المرافق العامة في كل بلدية، ما يعد نقلا فعليا للمسؤوليات. وصدر الرد القانوني من المجلس الأعلى للقضاء لصالح شركة الخدمات العامة، ونقضت قرار الحكومة بناء على الأساس القانوني التالي:
وفقا للقانون 59 ، لا يحق للبلديات إدارة المرافق العامة إلا تلك التي أنشأتها المحافظات، وهي طبقة حكومية وسيطة لم يتم إنشاؤها، وليس لها سلطة على شركات الخدمات العامة التي نتجت عن الحكومة المركزية.
علاوة على ذلك، ووفقا للقرار 434 (2010) الذي ينظم عمل شركات الخدمات العامة، تجب إدارة هذه الشركات بواسطة وزارة وليس سلطة محلية. وأضاف الحكم أنه فيما يتعلق بإدارة النفايات الصلبة، وفقا للقانون 59 تلعب البلديات دورا إشرافيا فقط ولا يحق لها إدارة الخدمة بشكل مباشر.
أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ووزارة الحكم المحلي عددا من القرارات في عامي 2018 و2019 ، في مسعى لتمهيد المسار القانوني لتفويض المسؤوليات، ويعد القرار رقم 28 (2019) أساس هذه المراسيم. حيث يوفر القرار إرشادات عامة لإدارة النفايات الصلبة ويحدد دور البلديات في إدارتها.
وينص المرسوم على نقل مسؤولية أعمال النظافة العامة إلى البلديات، وتفويضها بالتعاقد مع أي شركة مرخّصة لخدمات جمع النفايات. كما أنشأت وزارة ً الحكم المحلي نموذجا للتعاقد على جمع النفايات الصلبة وخدمات النقل مع شركات القطاعين العام والخاص بغية استكمال هذا القرار.
واستغل المجلس الرئاسي أزمة تراكم النفايات في طرابلس عام 2019 لإصدار القرار رقم 1011 (2019) والذي خول ست بلديات داخل طرابلس القيام بأعمال التنظيف بميزانية محولة من الميزانية المخصصة لشركات الخدمات العامة في طرابلس. ردا على ذلك، طالبت شركة الخدمات العامة في طرابلس بالرأي القانوني من المجلس الأعلى للقضاء بالخصوص وفازت بالحصول على الرد بعدم قانونية قرارات نقل الاختصاص من الحكومة.
علّل المجلس الأعلى للقضاء قراره بأن القرارات الحكومية تنتهك القانون 59 لعام (2012) والقانون 13(1984)، ولذلك لم تغير هذه القرارات الوضع على أرض الواقع حتى الآن، ولم تؤد إلا إلى تعميق الصدع بين شركات الخدمات العامة والحكومة. يجدر التنويه إلى أن بعض البلديات رفضت القرار أيضا، خشية نقل الحكومة للمسؤوليات فقط دون تخصيص تمويل لها. ولا يوفر التشريع الليبي الوحيد المعمول به للإدارة المحلية القانون 59 لعام(2012) سوى مسارا متعثرا لتفويض المسؤوليات.
يحمّل القانون 59 البلديات مسؤولية إنشاء وإدارة المرافق العامة والحفاظ على النظافة العامة. ورغم مرور ما يقارب العقد من الزمن منذ اعتماد القانون 59 إلا أن أحكامه بشأن دور البلديات في إدارة النفايات الصلبة لم تطبق بعد. ويعود ذلك إلى لائحته التنفيذية، قرار مجلس الوزراء رقم 130( 2013 ،) من بين عوامل أخرى.
حيث يكلف القانون 59 البلديات بإدارة النفايات الصلبة إلا أن لائحته التنفيذية تمنحها دورا إشرافيا فحسب. ويسبب هذا التناقض الجوهري بين القانون 59 ولائحته التنفيذية فيما يتعلق بالدور الذي ينبغي على البلديات لعبه ارتباكا وخالفات قانونية.
باختصار، نجد القوانين الليبية لإدارة النفايات الصلبة متضاربة وتفشل في تشكيل إطار قانوني شامل لإدارة النفايات الصلبة في البلاد. كما نجد تعريفاتها لأدوار مختلف المؤسسات ومزودي الخدمات مبهمة في أحسن الأحوال ومتناقضة في أسوئها، وذلك لأن ليبيا أصدرت العديد من القوانين والقرارات التي تتناول إدارة النفايات الصلبة دون استراتيجية شاملة للقطاع. طالما أن هذه القوانين نشطة وثابتة، سيشكل الإطار القانوني لإدارة النفايات الصلبة تحديا لأي مبادرة تعمل نحو تحسين الخدمات.
التوصيات
تقترح ورقة السياسة هذه مجموعة من التوصيات العملية على المدى القصير والطويل لصانعي السياسات على الصعيدين الوطني والدولي. وترتكز التوصيات قصيرة المدى، والتي تمثل ما يجب القيام به في العام المقبل أو نحو ذلك، على الواقعية حول حدود ما يمكن تحقيقه في ضوء الوضع الحالي في ليبيا.
توصيات على المدى القصير
أولا: بدء المفاوضات والحوار مع 23 شركة خدمات عامة لضمان عدم عرقلة العملية مرة أخرى
ونظرا لأن تلك الشركات تعد أشد الأطراف عرضة للخسارة من هذه العملية، ينبغي على الحكومة معالجة مخاوفها وإيجاد حل وسط معها. يمكن لأحد الحلول أن يكون تكليفها بأعمال تنظيف للأماكن العامة أو المباني الحكومية، بالإضافة إلى السماح لها بتقديم عروض في جميع المناقصات الأخرى.
علاوة على ذلك، يجب على الحكومة تصميم برنامج خاص لمعالجة فائض عدد الموظفين والحد من التأثير السياسي لشركات الخدمات العامة، والذي ينبع جزئيا من عدد موظفيها الكبير.
ثانيا: إلغاء قرار 434(2010) وإصدار نسخة محدثة تراعي القانون 59( 2012)
يعد القرار 434 الوثيقة التنظيمية لجميع شركات الخدمات العامة، وينص على أن شركات الخدمات العامة مسؤولة عن أعمال النظافة العامة وترفع تقاريرها إلى وزارة المرافق العامة. إذا لم تقم الحكومة بتحديث هذا القرار لإجبار شركات الخدمات العامة على تقديم عروض جنبا إلى جنب مع الشركات الخاصة في المناقصات البلدية، وكذلك تحميل تلك الشركات المسؤولية أمام البلديات، يمكن الطعن في جميع الجهود المبذولة لنقل المسؤوليات في المحكمة.
ثالثا: تحديث الالئحة التنفيذية للقانون 59 لتعكس دور البلديات في إدارة النفايات الصلبة كما هو منصوص عليه في القانون 59
في حين يوكل القانون 59 الإدارة المباشرة للنفايات الصلبة إلى البلديات، نجد لائحته التنفيذية تمنحها دورا ً إشرافيا فحسب. وستظل تلك ثغرةً في الإطار القانوني من شأنها عرقلة السيطرة المحلية على القضية إذا لم يتم تصحيح الأمر.
توصيات على المدى الطويل
أولا: إشراك منظمات المجتمع المدني بغية مكافحة الممارسات الضارة وممارسة الضغط على شركات جمع النفايات
لا يوجد تعاون يذكر بين السلطات العامة ومنظمات المجتمع المدني في إدارة النفايات الصلبة. وتلعب منظمات المجتمع المدني دورا حيويا في مكافحة الممارسات الضارة، مثل حرق النفايات، عبر الحملات العامة لتوعية المواطنين. ويمكن لمنظمات المجتمع المدني العمل كمراقبين على الأرض كما يمكن لها مساعدة البلديات في تقييم أداء الشركات.
ثانيا: تحديث القانون رقم 13(1984)والقانون رقم 15(2003) لتعريف دور البلديات في إدارة النفايات الصلبة بوضوح.
هذه القوانين مبهمة وعفى عليها الزمن، وتشير إلى الوحدات الإدارية المحلية القديمة التي لم تعد موجودة في ليبيا، وتفشل في توضيح الأدوار المختلفة للكيانات في إدارة النفايات الصلبة. كما يجب على هذه القوانين الاعتراف رسميا بالدور الذي يمكن لمنظمات المجتمع المدني مع البلديات أن تلعبه في هذا القطاع. لن تتمكن البلديات من تحمل المسؤولية الكاملة لإلارة النفايات الصلبة دون تحديث هذين القانونين.
ثالثا: تجهيز وتدريب مؤسسات الإنفاذ والمساءلة مثل الحرس البلدي ومكاتب الإصحاح البيئي في كل بلدية، والتي قامت حاليا، ولكنها لا تلعب أي دور في العملية
إذ تعد أدوار هذين الكيانين في فرض الممارسات البيئية المستدامة ومراقبة جمع النفايات ومعالجتها عنصرا أساسيا في تحسين الخدمات ولا سيما في المدن الكبرى.
رابعا: تنمية الخبرات التقنية على مستوى الوزارة
يعاني قطاع إدارة النفايات الصلبة في ليبيا من نقص الخبرة التقنية: أي الخبراء المجهزين لمعالجة القضايا المؤسسية والإدارية لإدارة النفايات الصلبة. سيظل قطاع إدارة النفايات الصلبة في ليبيا عاجزا عن تلبية احتياجات ومطالب المواطنين دون تنمية قدرة فنية داخلية لرسم أهداف واستراتيجيات قطاعية طويلة المدى مع تصميم أفضل الحلول.
______________
المصدر: “الدليل الإصلاحي للخدمات العامة في ليبيا“ من تأليف (محمد المجبري، هبة الشيخ، لميس بن عياد، ريما حميدان). الدليل صادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت .