بقلم خليفة حداد

حال استكمال الأهداف المعلنة لعملية عاصفة السلامبالسيطرة على كامل المنطقة الغربية وتأمين العاصمة طرابلس وشل خطوط إمداد قوات حفتر، أطلقت حكومة الوفاق الوطني الليبية عملية دروب النصر، وأصدرت الأوامر إلى قواتها بالتقدم نحو مدينة سرت.

.الجزء الأول

بعد مضي أسبوع على وصول الأرتال الأولى إلى مسافات قريبة من المدينة، لازالت مآلات المعركة غامضة في ظل استبعاد استنساخ سيناريو الدخول السريع الذي شهدته مدن؛ ترهونة وبني وليد والساحل الغربي.

غير أن جل المؤشرات الميدانية تنبئ بأن استرجاع سرت لن يتأجل طويلا، وأن امتدادها الجغرافي في الجفرة والهلال النفطي من الأهداف ذات الأولوية لمعسكر الوفاق لتثبيت مكاسبه الميدانية الأخيرة وحيازة أوراق ضغط ذات قيمة في أي حلحلة سياسية قد تستجد مستقبلا.

مقدمة

أطلقت حكومة الوفاق الوطني في ليبيا عملية عسكرية جديدة تحت مسمى دروب النصربهدف بسط سيطرتها على المدن والمناطق الواقعة بعد سرت وبني وليد شرقا.

وتأتي عملية دروب النصربعد استيفاء عملية عاصفة السلام، التي أطلقت أواخر أذار/ مارس المنقضي، أغراضها بطرد قوات خليفة حفتر والمرتزقة الأجانب الذين يقاتلون إلى جانبها من جميع مدن الشريط الساحلي الغربي وقاعدة الوطية الجوية والتخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس ومدينتي؛ ترهونة وبني وليد.

ورغم اختلاف تفاصيل الواقع الميداني فإن السياق العام للعمليتين يتميز بمراكمة قوات الوفاق مكاسبها العسكرية مقابل انحسار متواصل وسريع لحواضن حفتر.

سرت: حسابات ميدانية مخصوصة

أطلقت حكومة الوفاق الوطني عملية دروب النصرمباشرة بعد استيفاء عملية عاصفة السلامأهدافها ببسط السيطرة على كامل المنطقة الغربية وجزء من المنطقة الوسطى وتأمين العاصمة طرابلس من القصف الذي طالها على امتداد سنة كاملة.

ورغم أن المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي حسب مقتضيات اتفاق الصخيرات، والمتحدثين العسكريين باسم قواته، لم يكشفوا عن تفاصيل كثيرة عن العملية الجديدة وأهدافها وحدودها>

هناك مؤشرات عدة تذهب إلى أن استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية والهلال النفطي ستكون من بين الأهداف العسكرية الضرورية لتأمين المناطق المسترجعة، وتثبيت الانتصارات التي حققتها عملية عاصفة السلام، وكسب أوراق ضغط ثمينة في أي حراك سياسي وتفاوضي قد يجري مستقبلا، واستعادة السيادة على المورد الاقتصادي الرئيس بالبلاد ممثلا في قطاع النفط الذي تدر صادراته أكثر من 90 بالمائة من عائدات البلاد من العملة الصعبة.

حال إطلاق عملية دروب النصرتحركت التشكيلات العسكرية المرابطة بمنطقة الوشكة، شرقا، وسيطرت، بسرعة، على منطقة أبوقرين، وواصلت تقدمها داخل الحدود الإدارية الغربية لمدينة سرت، على ثلاثة محاور؛ الساحلي والأوسط والجنوبي، ووصلت، حتى الآن، إلى تخوم المدينة، وبسطت سيطرتها على المحطة البخارية ووادي جارف ومعظم التمركزات التي تؤدي إلى المدينة.

واعتبارا من اليوم الثاني من الهجوم، تبين أن تفاصيل كثيرة تحول دون استنساخ سيناريو السقوط السريع الذي حدث في ترهونة وبني وليد، حيث تعرضت القوات المتقدمة لضربات جوية بالطيران؛ الحربي والمسير، عرقلت تقدمها وكبدتها خسائر بشرية معتبرة.

وتتشكل المجموعات المسلحة المتحصنة بالمدينة، منذ سيطرة قوات حفتر عليها، مطلع شهر يناير/ كانون الثاني المنقضي، من أفراد الكتيبة 604؛ السلفية المدخلية، التي انشقت عن قوة حماية سرت التابعة لحكومة الوفاق، وانضمت إلى معسكر حفتر، ومن مسلحين قبليين عملوا في الأجهزة الأمنية والعسكرية لنظام القذافي، إضافة إلى مرتزقة فاغنرالروس، حسب أكثر من مصدر.

يطرح الموقف العسكري الحالي أكثر من احتمال عن مآلات المعركة على مستوى محاور سرت.

ففي حال مضت المجموعات المسلحة المتحصنة فيها في خيار القتال ومواجهة قوات الوفاق قد تتطلب المعركة حيزا زمنيا لحسمها، ما يرفع كلفتها البشرية، على الجانبين، ويؤدي إلى إلحاق دمار بالبنى التحتية للمدينة ومنشآتها الخدمية وأحيائها السكنية.

وفي السياق ذاته، لا يستبعد الكثير من متابعي تطورات المشهد العسكري في ليبيا حدوث ترتيبات تؤدي إلى ضمان انسحاب آمن للمسلحين المتحصنين داخل المدينة إلى الجفرة أو الجنوب أو المنطقة الشرقية، مقابل دخول قوات الوفاق إليها، على غرار ما جرى، من قبل، في قاعدة الوطية.

وتضاعف الخلفيات الاجتماعية للمسلحين من حظوظ هذا الاحتمال. فمعظم منتسبي الكتيبة 604؛ السلفية المدخلية، وبقايا الأجهزة الأمنية والعسكرية لنظام القذافي، ينحدرون من قبائل ذات امتداد في المنطقتين؛ الجنوبية والشرقية، خصوصا، ما ييسّر انسحابهم إلى حواضنهم الاجتماعية هناك.

وزيادة على ذلك، قد تعمد قوات الوفاق إلى تكثيف الضغط العسكري؛ بفرض حصار على المدينة وضرب خطوط الإمداد التي تربطها بقاعدة الجفرة والهلال النفطي، ما يحوّل أي مقاومة إلى عمل لا طائل من ورائه غير مراكمة الخسائر؛ البشرية والمادية، واستنزاف المخزون اللوجستي؛ وهو التمشي الذي آتى أكله، من قبل، في قاعدة الوطية الجوية وفي محاور جنوب طرابلس ومدينة ترهونة.

وفي السياق ذاته، لا يبدو قطع الإمدادات عن المدينة وفرض حصار كامل عليها أمرا يسيرا في ظل الوضع الميداني الحالي.

فالتمركزات المتقدمة لقوات الوفاق لازالت، حتى الآن، هدفا للطيران؛ الحربي والمسير، الداعم لقوات حفتر.

وإذا كان نشاط الطيران المسير الإماراتي قد أصبح أمرا متكررا ومعتادا منذ انطلاق الهجوم على طرابلس والمنطقة الغربية، شهر أبريل/ نيسان من العام المنقضي، فإن دخول الطيران الحربي؛ من طراز ميغ، يطرح تساؤلات عن هويته، بعد الجدل الذي رافق وصول 14 طائرة حربية روسية؛ من طراز ميغ وسوخوي، إلى قاعدة الجفرة قبل أسبوعين.

ورغم الصمت الذي تلتزمه القيادة الروسية حول الموضوع فإن دخول الطيران الروسي، بشكل مباشر في الصراع الليبي، في حال تأكده، قد يضيف تفاصيل وتعقيدات جديدة إلى مشهد معقد أصلا بالحسابات الداخلية والإقليمية والدولية.

وفي الأثناء بدأت تظهر أصوات تنادي بضرورة توفير منظومة دفاع جوي لحماية المقاتلين المتقدمين على الأرض، واستهداف التمركزات الخلفية التي ينطلق منها الطيران في قاعدة الجفرة الجوية ومهبط رأس لانوف في الهلال النفطي.

البقية في الجزء الثاني

***

خليفة علي حداد ـ كاتب وصحفي وخبير في الشأنين التونسي والليبي

(وحدة ليبيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية بتونس)

__________________

مواد ذات علاقة