بقلم ليو كابوتشي
ساهمت الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها منطقة الهلال النفطي الليبي، التي تمتد على طول الساحل من سرت مرورا براس لانوف وصولا إلى منطقة الجفرة، في احتدام المنافسة من أجل السيطرة على إيرادات النفط،
خاصة مع تكثيف الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر جهوده للاستيلاء على المؤسسات الوطنية الرئيسية قبل الانتخابات الرئاسية، التي ستقام في شهر كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2018.
الجزء الاول
بعد سبع سنوات من سقوط نظام القذافي، لا تزال ليبيا تمر عبر سلسلة من الهجمات المضادة بين الميليشيات الموالية للجماعات السياسية المتنافسة. وعلى الرغم من أن إنتاج النفط قد شهد ارتفاعا كبيرا خلال سنة 2017، إلا أن استمرار انعدام الأمن وتعرض البنية التحتية النفطية للهجمات من قبل الجماعات المسلحة والمتظاهرين المحليين يحد من إمكانات ليبيا النفطية إلى حد كبير.
مشهد سياسي مقسم
وفقا للاستعراض الإحصائي للطاقة العالمية لسنة 2018 الذي أجرته شركة “بريتيش بتروليوم”، تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات من النفط في إفريقيا بطاقة إنتاج بلغت 48.4 مليار برميل.
ويشكل قطاع الهيدروكربونات العمود الفقري لاقتصاد ليبيا؛ فعادة ما توفر صادرات النفط أكثر من 90 بالمائة من الإيرادات الحكومية وأكثر من 95 بالمائة من عائدات التصدير.
وتجدر الإشارة إلى أن المعركة من أجل السيطرة على الموارد النفطية تشكل محور النزاع بين الحكومتين المتنافستين في البلاد، حيث تقاتل الجماعات المسلحة لتعزيز قبضتها على المشهد السياسي المنقسم.
ومن بين جميع الجهات الفاعلة، يعد الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر أبرز لاعب على الساحة السياسية الليبية. ومن بين الجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى نذكر:
حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة برئاسة فايز السراج، التي تتخذ من طرابلس مقرا لها منذ آذار/ مارس من سنة 2016. لقد تأسست حكومة الوفاق الوطني بعد توقيع الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، في كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2015. وعلى الرغم من الاعتراف به دوليًا ككيان سياسي شرعي في ليبيا، إلا أن الحكومة فشلت في بسط سيطرتها خارج حدود طرابلس.
مجلس النواب الليبي في طبرق، أو السلطة التشريعية في ليبيا التي تعمل تحت قيادة الجيش الليبي، التي رفضت إجراء تصويت على منح الثقة لحكومة السراج. وعوضا عن ذلك، صادق مجلس النواب الليبي على إدارة عبد الله الثني، التي تعمل من مدينة البيضاء شرقا.
الجيش الوطني الليبي، وهي جماعة مسلحة مناهضة للإسلاميين تشكلت في أيار/ مايو من سنة 2014، وتتألف من عشرات الميليشيات المحلية المتمركزة شرق ليبيا (بما في ذلك المجلس العسكري لثوار الزنتان، وكتيبة ثوار طرابلس، وقوات اللواء القعقاع، وقوات اللواء المدني، وكتيبة الصواعق). يقود الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وهو جنرال متقاعد في عهد القذافي أطلق حملة عسكرية باسم “معركة عملية الكرامة” استهدفت ميليشيات إسلامية تنشط شرقيّ ليبيا.
في بعض الأحيان يُوصف الجيش الوطني الليبي بأنه الذراع المسلح لإدارة الثني، على الرغم من أن حفتر لديه أجندة سياسية خاصة به؛ فهو يشبّه نفسه بعبد الفتاح السيسي في مصر ويرغب دائما في لعب دور رئيسي في أي تسوية بين الأحزاب السياسية الرئيسية في ليبيا.
خلال شهر حزيران/ يونيو من سنة 2018، أعلن الجيش الوطني الليبي عن استيلائه على مدينة درنة، بعد التغلب على المقاتلين المتبقين من تنظيم القاعدة الذين أصبحوا تابعين الآن لقوة حماية درنة. ومع السيطرة على درنة، أصبح الجيش الوطني الليبي يسيطر على كل المنطقة الشرقية في ليبيا بالإضافة إلى مناطق في الجنوب.
سرايا الدفاع عن بنغازي، وهو تحالف من المقاتلين المناهضين لحفتر، يصفون أنفسهم بأنهم مجموعة من المقاتلين الثوريين (الثوار) الذين يعارضون الجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا. وتضم سرايا الدفاع عن بنغازي فصائل مسلّحة لها صلات مع أنصار الشريعة، وهي ميليشيات إسلامية تطالب بتطبيق الشريعة في جميع أنحاء ليبيا، وقد تشكلت في الأصل لدعم مجلس الشورى الإسلامي في بنغازي، وهي مظلة للمليشيات الإسلامية. تتمتع المجموعات داخل مجلس شورى ثوار بنغازي بدرجات متفاوتة من الانتماء لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلا أن هدفها الأساسي كان مقاومة حفتر.
المنافسة المتفاقمة من أجل السيطرة على عائدات النفط
تعرض إنتاج ليبيا من النفط لعدة تقلبات بسبب العلاقة المتقلبة بين السلطات المتنافسة في طبرق وطرابلس، حيث تم فصل البنية التحتية النفطية في البلاد بعد تمكن مختلف الفصائل الحكومية والميليشيات المسلحة من السيطرة على محطات النفط.
من جهتها، عبّرت المؤسسة الوطنية للنفط، وهي مؤسسة حكومية تتخذ من طرابلس مقراً لها، وتتمتع بالسيطرة القانونية على معظم موارد النفط الليبية، عن حيادها في هذا النزاع. لكن تراجعت قدرة هذه المؤسسة على التحكم في تدفق الصادرات بعد أن قامت السلطات الشرقية بإنشاء شركة منافسة سنة 2014 تحمل نفس الاسم بدأت العمل من مدينة بنغازي.
وعلى الرغم من أن الشركة الثانية لا تحظى باعتراف دولي، إلا أنها قامت بعدة محاولات للتوقيع على عقود استغلال مع شركات أجنبية. وفي شهر آب/ أغسطس من سنة 2015، أرسلت المؤسسة المنافسة مجموعة من الدعوات إلى العديد من شركات النفط الكبرى لحضور مؤتمر في دبي بهدف “مناقشة الاتفاقيات والعقود الموقعة قانونيا”.
وخلال كتابة هذا التقرير، لم يكن هناك أي أمثلة موثقة لمبيعات النفط من المؤسسة الوطنية للنفط في المنطقة الشرقية في سوق النفط الدولي. وفي شهر نيسان/ أبريل من سنة 2016، أدى الخلاف بين الشركات الوطنية المتنافسة لإنتاج النفط إلى فرض حصار دام لمدة ثلاثة أسابيع في ميناء مرسى الحريقة، وقد كلف هذا الحصار البلاد خسائر قدرت بنحو 10 ملايين دولار يوميا.
بعد الاضطرابات الحادة التي شهدتها البلاد بشكل خاص في أعقاب حصار ميناء مرسى الحريقة، تم توحيد الفروع الشرقية والغربية المتنافسة للمؤسسة الوطنية للنفط خلال شهر تموز/ يوليو من سنة 2016، في محاولة لتجنب حصول أزمة مالية، حيث أن احتياطي النقد الأجنبي لليبيا بدأ يُستنزف.
ووفقاً للبنك الدولي، تراجعت احتياطيات ليبيا من العملة الأجنبية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2013 و2016 من 109 مليار دولار إلى حوالي 70 مليار دولار، وهو ما أثّر بشكل كبير على الوضع المالي لحكومة الوفاق الوطني، وهدد قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفي الدولة.
***
ليو كابوتشي ـ خريج الشؤون الدولية والعلوم السياسية من ذوي الخبرة في إدارة المخاطر وتطوير الأعمال.
_____________