تزامنت التحديات والتوترات داخل أرض المملكة السعودية، والسيطرة الاجتماعية لتيار الصحوة مع حرب الخليج الثانية واستقدام قوات أجنبية إلى بلاد الحرمين ادَّعى الملك فهد أن وجودها سيكون مؤقتًا للحفاظ على موارد الدولة وأرضها من الاجتياح العراقي الذي هدد أرض الكويت. ولكن سرعان ما كذَّب الواقع تصريحات العائلة المالكة.
فبعد انتهاء الحرب ظلَّت القوات الأمريكية في قواعدها، ما شكَّل تحدِّيًا جديدًا للنظام في مواجهة التأثير المتنامي لتيار الصحوة والذي استغل هذه الحادثة للتنديد بشرعية النظام الحاكم لمعارضته صريح الأمر النبوي بإخراج المشركين من جزيرة العرب.
وفي ظل هذا المأزق الذي وضعت الحكومة السعودية نفسها فيه، ظهرت بوادر انفراجة للسلطة. ففي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث كان يدرس محمد أمان الجامي، ويقيم عددٌ من طلاب العلم الشرعي يطلبون العلم ويعلِّمونه، ويشتهرون بفتواهم التي تُحرِّم الخروج على الحاكم مهما فعل، أُصدرت الفتاوى بأن الجنود الأمريكان مستأمنين شرعًا، ويُحرَّم أي اعتداء عليهم ووصفه بأنه اعتداء على ذمة المسلمين، كذلك تصدَّر ربيع المدخلي للردّ على رَفْض الاستعانة بالقوات الأجنبية .
وهنا وجدت الحكومة ضالتها في تيار جديد يتهيّأ للظهور وينتسب روَّاده إلى السلفية، مُكتسبين وصف «سلفية المدينة». وكان لهذه النشأة أثرٌ في تباين فتاوى العلماء في حق هذا التيار ورموزه.
فقُدِّمت المخابرات السعودية العطايا ووضعت الموارد تحت تصرف هذا التيار، وأُطلقت يده في التصدي لتيار الصحوة وسطوته على المجتمع.
ثوابت التيار المدخلي وقيمه
إن إحداث التصورات في مشهد فكري يرتكز على أصول وثوابت تكاد تكون محل اتفاق بين حاملي راية الاجتهاد والتجديد ليس بالأمر الهين، إذ كيف يستطيع الإنسان في ظل النص القرآني والسنة وما أُجمع عليه من مصادر التلقي الشرعي أن يرتب أولويات المشروع الإسلامي ويُحدث من الأقوال ما يتعارض مع مقاصد هذا الدين الذي عُني علماؤه بوضع الأسس والقواعد التي يجب أن يسير عليها كل مجتهد ليُحقق صحة النظر والاستدلال؟
إلا أنه وفي ظل هذا الإحكام الذي وضعه علماء المسلمين ظهر من يقول في الدين برأيه، ويعمد إلى النصوص فيُفكِّكها تِبعًا لمآربه، ويتأول النص بُغية موافقة هواه، فيحيد عمّا يعلمه هو من شروط الاجتهاد والتأويل، وأن يرسم حدودًا جديدة تحكم علاقة الحاكم بالمحكومين، ويحجب التساؤلات المتعلقة بالفضاء السياسي الفكري التي يستطيع الإنسان أن يستجلب جواباتها من النص القرآني وسائر مصادر التشريع المُعتبرة.
أماكن تمركزه
يتمركز هذا التيار بشكل مؤثر في السعودية ويُغدق عليه الحكامُ المننَ والعطايا، كما تشهد مصر وجود عدد لا يُستهان به من أنصار هذا المذهب.
كما أن ليبيا أصبحت أكثر البؤر التي شهدت على مآلات هذا التيار ومذهبه، حيث انضموا إلى قوات حفتر ونفذوا العديد من المذابح والاغتيالات.
كما انتشروا في بعض دول أوروبا مثل بلجيكا والنمسا وغيرهما. وفي أمريكا وبعض الجمهوريات الإسلامية وإندونيسيا وباكستان وأفغانستان.
قيادات التيار المدخلي في ليبيا
قيادات وافراد كتيبة التوحيد التابعة لقوات حفتر ، عبد الرؤوف كاره، غنيوة الكللي، قجة الفاخري، أحمد عبد الرزاق غرور الحاسي، أشرف الميار
النشاط الإعلامي للتيار في ليبيا
فُتِحت المنابر الإعلامية أمام هذا التيار كما لم تُفتح أمام أي تيار إسلامي من قبل، ففي ليبيا حيث السيطرة الكبيرة للتيار والدعم السخي من قبل حفتر، يمتلك التيار الوسائل الإعلامية التالية:
ـ عدد كبير من الإذاعات المحلية، مثل المرج السلفية، واجدابيا السلفية، والمشكاة، والسلام، والإسلام، وسبيل السلف، والفتوى، والزاد النبوي، وأهل الحديث والأثر، والزنتان السلفية، وميراث الأنبياء.
ـ عدد من المواقع والمنتديات كما هو الحال مع شبكة البينة السلفية، وشبكة الورقات السلفية، ومنبر الدعوة السلفية.
، ـ قنوات تبث على فيسبوك كقناة سبها، ومصراتة السلفية، وبنغازي السلفية، وصبراتة السلفية.
ـ لهم الكثير من المواقع الشخصية بأسماء رموزهم
أبرز الإشكاليات التي تتعلق بهذا الفكر
أولا: جميع مخالفيهم خوارج
في تهاون فجّ بإطلاق الألفاظ التي ينبني عليها أحكامًا داخل الإطار الديني تصل إلى إحلال الدماء والأموال، يرمي المداخلة كل مخالفيهم بالخوارج في ظاهرة تعكس سطحية في التعامل مع ما حصَّلوه هم من العلم الشرعي، فهم في الأصل لا يُحرِّرون معنى الخوارج تحريرًا كاملًا.
فالخوارج في الأصل هم طائفة خرجت على عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه بعد قبوله الصلح مع معاوية رضي الله عنهما بإخراج حَكَمين يحكمان بين القوم بالكتاب والسنّة.
وقد حدد ابن حزم أصولًا ينبني عليها حكم إطلاق لفظ الخوارج، فحددها بـ (1) إنكار التحكيم، (2) وتكفير أصحاب الكبائر، (3) والقول بالخروج على أئمة الجَوْر، (4) وأن أصحاب الكبائر مخلَّدون في النار، (5) وأن الإمامة جائزة في غير قريش.
فيقف المداخلة على وصف وحيد من أوصاف الخوارج، فمن تحقق فيه هذا الوصف–والذي يطبقونه حسب هواهم أو فهمهم له–فهو عندهم خارجي.
ولعل من أبرز ما خالف فيه الخوارجُ أهل السنة هو التكفير بكبائر الذنوب التي هي دون الكفر: فهم يكفّرون شاربي الخمر، والسُّرّاق، وكلّ مَن يرتكب ما دون الكفر والشرك؛ ذلك لأنهم يرون أن الإيمان كلٌّ لا يتبعّض، وأنّ آحاد الأعمال من الإيمان، وأنّ ترْكَها تركٌ لبعض الإيمان، ومن ترك بعض الإيمان فقد ترك كلّ الإيمان.
ثم هم ينكرون الشفاعة، وكذلك رؤية الله تعالى في الآخرة: يقولون بأن الله لا يراه أحد من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ثانيا: الولاء المطلق والسمع والطاعة للحاكم
إذا ما تعلق الأمر بالحكام فلن تجد لدى التيار المدخلي سوى الولاء المطلق والسمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج عليه وتحريم الثورات والمظاهرات والعمل السياسي العام ضد النظام الحاكم، حتى وإن كان هذا الحاكم كافرًا كفرًا بواحًا يوجد لديهم في هذا الكفر برهان.
فهذه ترهات زعيم المدخلية في مصر محمد سعيد رسلان يُصرِّح بأن الحاكم وإن كان كافرًا لا يجوز الخروج علي ، ثم يقول بعدم جواز منافسة السيسي في الانتخابات. وهذا محمد بن هادي المدخلي ينظم هذه الأبيات مادحًا وزير الداخلية السعودي وآل سعود قائلًا:
أما الملوك فهم آل السعود لهم … سمع وطاعتهم حتم بقرآن
ولا يحل لشخص خلع بيعتهم … ومن يخن فعليه إثم خوان
يا حارس الأمن بعد الله في وطني … الله يحميك في سر وإعلان
أبا سعود أطال الله عمركم … في نصرة الدين والملهوف والعان
واستنادًا لهذا الأصل الثابت لديهم يعتبرون النصيحة للنظام الحاكم خروجًا على ولي الأمر. فيُفتون بحرمة الخروج عليه، بل ووجوب قتل الخارجين على الحاكم حفاظًا على النظام العام.
ويعطون الأنظمة الحاكمة الصلاحيات المطلقة في التصرف في الأموال والقرارات دون أن يجوز للرعية حتى مجرد النصح، بل ولها–أي الأنظمة–الحق في التصرف في الدماء تبعًا لما تراه مصلحة.
بالطبع هذا ما إذا تعلق الأمر بولاة الأمر السعودي ومن يُقرِّبون، أمّا الحكام المنتمين إلى الجماعات الاسلامية وبخاصة الإخوان المسلمين، أو الجماعات الجهادية فهؤلاء لا يجوز سمعًا لهم ولا طاعة، وفي أفضل حال، يدَّعون اعتزال السياسة في فترة حكمهم.
ثالثا: تحريم الاعتصامات والمظاهرات
يحرِّمون التظاهرات والاعتصامات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية مهما كان الحاكم، ومهما كان الظلم، ومهما كانت المخالفات، ويعتبرون الدخول في المظاهرات عمل يهودي ماسوني، ليس من عمل المسلمين ولا يقرّه الإسلام وليس عليه دليل من الشرع.
لا نلتفت إلى من يفتي به من الذين يتسرعون ويبنون قولهم على تحريم المظاهرات ضد من ثبت للعيان طُغيانه بدعوى ما يترتب على تلك الثورات من قتل واعتقال، دون الالتفات إلى ما يترتب من المفاسد على بقاء هؤلاء الحكّام في سُدّة الحكم، بل بدون الالتفات أنّ من يقوم بالقتل والاعتقال والقمع الذي يتحدّثون عنه هم هؤلاء الحكام الذين يُدافع المداخلة عن بقائهم في الحكم ويمنعون الخروج عليهم!
رابعا: تعطيل الجهاد وزعم أنه لا بد أن يكون بعد إذن الحاكم
لا يقولون صراحة بمنع الجهاد، ولكن يُعطِّلونه تحت ذريعة أن المسلمين اليوم ضعفاء بالنسبة للعدو من جهة العدة والعتاد، فيقولون إن العدو هو من يصنع الأسلحة والمحتكر لها. ويرون شرعية الجهاد الصحيح وبشروطه المعتبرة، وهي أن يكون المرء على قدرة وبإذن ولي الأمر.
وهذا المنهج الذي يدعي عدم القدرة على مواجهة العدوان وصد الحكام الكافرين، هو عين ما يقول به المداخلة إلى الآن.
خامسا: التشنيع على مخالفيهم
امتاز رموز التيار المدخلي بدراستهم للحديث وتدريسه، فأعملوا منهج الجرح والتعديل الخاص بمعرفة رجالات السند في الحديث، أعملوه على كل مخالف، ويا ليتهم أعملوه بأصله بل زادوا عليه قيدهم المتين “موقف المخالف من الحكام” فامتازوا بالشدة على المخالف والتحذير منه وتضخيم ما يجدون لديه من أخطاء.
ولم يكتفوا بهذا فأصبحت المرتكزات الاجتماعية للتيارات الصحوية في مرمى تشنيعاتهم، من جمعيات تحفيظ القرآن والمكتبات والمخيمات الصيفية، والأناشيد الإسلامية.
وبالطبع كانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس قائمة التشنيعات، وفي مقدمتها سيد قطب، لكلماته التي أنارت الطريق لكثير من الشباب الذين التحقوا بالجماعات الجهادية، فلم يقدموا على نقد ما تبيَّن من أخطاء قطب باعتباره بشر يصيب ويخطئ، ولم يزنوها نسبة إلى ما أصاب من كلماته، ولكن زادوا على ذلك فتأولوها.
خاتمة
لم تنتهِ قصتنا مع التيار المدخلي بعدُ، فما زالت القصة في بدايتها، وفصلها القادم هو أهمّ فصول القصة حيث تناول مآلات توظيف التيار المدخلي وما يُنذِر به التمدد المتصاعد للفكر السلفي المدخلي في المشهد السياسي والأمني والاجتماعي في الدول الإسلامية والعربية، في تخطٍ واضح لدور التيار في المجال الديني إلى ما هو دونه من الأدوار الأمنية والمخابراتية! ويتبعها قراءة في توصيات مراكز الأبحاث الغربية باستخدام التيار المدخلي وكيفية الاستفادة منه.
***
مصدر الخلاصات: مقال نشر في موقع “تبيان” الإلكتروني للكاتبة مي محمد وهي طالبة علم من مصر
ــــــــــــ