حدد المقال أربعة مقومات للمصالحة الوطنية على المستوى النظري، لا يمكن لأيّ مصالحة حقيقيّة (لا شكليّة) ذات نتيجةٍ أن تقومَ دونها. وتناول الجزء الأول بالتحليل مقومات ثلاثة هي: العدل، والحرية، والإرادة العقلية، وفي هذا الجزء نستكمل بطرح المقوم الرابع.
رابعا: مُعالجة خلافات الماضي المُتراكمة، قبل نبذه نهائيّا: الخلافات الاجتماعيّة والسياسيّة
فاجتماعيّا: بعضُ نزاعاتِ المتناحرين اليوم، ليست وليدةَ فبراير، بل هي – كما سبتمبر، ذريعة المُنتصر على المهزوم؛ ليُصفّيَ بها أحقاده، امتداداً لصِراعاتِ أجداده، ويصنع في الوقت نفسه أحقادا أخرى، مع آخرين ستورّثُ بدورها لأبنائهم ومن يأتي بعدهم.
هذا الماضي بأحقاده وخلافاته، سيطغى حتى ولو كانَ المُتناحرونَ تاريخا، في صفّ واحد اليوم مصلحةُ، بل على ضوئه وضوئها، سيتحدّد توجّهات كلّ طرف، واصطباغه الأيدلوجيّ، مخالفة لخصمه، لا معرفة بها، أو اقتناعا بمبادئها، (شكلا لا مضمونا)، مُدُنا وقرى، وأحيانا عائلاتٍ على مستوى المدينة الواحدة بين: [إسلامي، علمانيّ – ليبرالي، وإخواني – سواها]، ولا يزالُ المواطنُ الليبيّ ضحيّة هذه التصنيفات والاستقطابات، يُمارس تعميماتِه النّمطيّة على مُخالفيه ، إقصاءً وجَهلا؛ ولا يزالُ – في الوقت نفسه – سَدَنةُ هذه التوجّهات، يُحاولون مُجاراتِها بغية امتطائها، تحقيقا لأهدافهم، والضحيّةُ الناس والحجارة.
فالأفكارُ والتوجّهات – حسبَ تحليلنا القاصر، لا مكانَ حقيقيّ لها في صِراع اليوم، وما هي إلا بَهَاراتٌ يُزيّنُ بها كلّ فريقٍ موقفه، مهما اختلفت المُبرّرات وتنوّعت المظاهر.
فباستثناء “داعش” ومن شاكلهم من فِرَق التطرّف السّلوكيّ ، فالبقيّةُ مُرتهنون بمثلث [التاريخ – المصلحة – السلطة] لا الأفكار، كما أشرنا في البداية، فالسياسةُ والمبادئُ لا تجْتمعان، وإنِ اجتمعتا فسيفترقان سريعا جدّا.
فمثلا: اليوم، ليست الزنتان قبلة لليبراليّة ولا تمثلها، ولا مصراتة كعبة للإخوان، كما أنّ رمضان السّويحليّ (ت 1920) رحمه الله، لا علاقة له بفبراير أو له عضويّة في المجلس الانتقاليّ، حتى تعلّق صورُه في بني وليد بعد اجتياحها الغاشم ، وفي نفس المدينة التي قتل فيها قبل 92 عاما.
حتى التحالفات الاجتماعيّة، والسياسيّة، كانت صراعات الماضي أحد عوامل تشكّلها، فلم يكن مُسْتغرَبا أن كانت المشاشية في صفّ والزنتان في صفّ آخر، وكاباو في جهة، والصّيعان في الجهة المُقابلة، وقِسْ على ذلك : مصراتة / بني وليد، والنّزاعات الداخليّة في كلّ من سبها والكفرة.
فالماضي، سلسلةٌ متعدّدة الحَلَقات، يصعب تحديد أوّلها، وبتواليها تتجدّدُ نهاياتها، خذ مثالا ما حدثَ بينَ الجارتين تيجي وكاباو سنة 1969 تقريبا، حدث مرّة أخرى بتاريخ 12/2010، وتكرّر بصورة أخرى سنة 2014، لنفس الأسباب باختلاف الذرائع.
وسياسيّا: تشمل التراكمات التي ولّدها النظام السّابق، بأعماله، وسياساته، وانتهاكاته، سجنا وتشريدا ونفيا وقتلا واغتصابا للحقوق، طيلة أربعة عقود ونيّف، إضافة إلى التراكمات والانتهاكات التي ولّدتها فبراير، من نهب وسرقة، واعتداء وتنكيل، وقتل، وتهجير وتشريد.
ولكنْ في رأيي القاصر، تظلّ المصالحة الاجتماعيّة خطوة أولى ضروريّة قبل المُصالحة السياسيّة، وأساسا لها؛ لتبدأ المُصالحة من الماضي وتنتهي إلى السلطة.
فهذا الماضي ما لم تُعالجْ جُذورُه، وتفكّك أحداثُه، وتطرح تراكماته، لتشكيل عقدٍ اجتماعيّ جديد، بدلَ تجاوزه بتجاهله، سيظلّ ماضيا كالسيف، عائقا كالسّيل، أمام المُصالحة الحقيقية الشاملة الكاملة التي نصبو إليها، مصالحةٌ جادّةٌ تسلكُ طريق المصلحة الجماعيّة لا الفرديّة، تقيّم الأمور بغاياتِها لا بأشكالها، إعادةً لتأسيس المُجتمع، وجبرا لبُنيانه، قبلَ أن تأكلَ الحربُ الأهليّة الأخضر واليابس، وتأكلنا معه، فلا تبقي ولا تذر، فلا عَمَاء أشدّ من التعصّب، و“لا مُستقبلَ دون صَفح” كما يقول ديزموند توتو “رئيس لجنة الحقيقة والمصالحة” التاريخيّة، بجنوب أفريقيا.
المراحل العمليّة:
ولو حاولنا تطبيق المقوّمات الأربع، في مراحلَ عمليّة، يكونُ التدرّج منهجها، وترويض عاطفة المواطن طريقها؛ لرسمنا لها – هي الأخرى – أربعة خطوات، وهي:
– الأولى: إنهاء دولة فبراير نهائيّا، وما بُنيَ عليها وطيّ صفحتها ، بما لها وما عليها.
– الثانية: العفو العام، وحقّ العودة للمُهجّرين، توازيا مع مشروع ليبيّ أصيل حول العدالة الانتقاليّة لا الانتقاميّة أو الانتقائيّة..
– الثالثة: توثيق كافّة الانتهاكات والجرائم، عن طريق لجان محليّة كفؤة ونزيهة.
– الرابعة: التسوية السياسية بين الأطراف المتنازعة سابقا وحاضرا، مع ردّ الاعتبار للمُساء إليه معنويّا، واسترجاع حقوقه ماديّا.
إشكاليّة التطبيق:
ولكن إشكاليّة ما طرحناه حول مقوّمات المصالحة الأربعة، رغم زعمنا صوابها ومركزيّتها، تكمُن في تطبيقها على المستوى العمليّ، فهي تظلّ أسيرة التنظير، لاصطدامها بالواقع العنيد ومعوّقاته العديدة، لتصبحّ ضربا من التمنّي.
فبعد مرور 7 سنوات تقريبا على انتفاضة فبراير، وما تبعها من حرب أهليّة متعدّدة الحلقات، إضافة إلى 42 عاما، فإنّ ليبيا لم تخطو خطوة واحدة حقيقيّة باتجاه المُصالحة الوطنية الشاملة، بل يزداد الوضع تأزّما يوما بعد يوم، وتفاقما حَدَثا بعد آخر، خاصّة والاستنتاج المُرّ الذي لا مهربَ منه، أن الوعيَ الجَمعيّ للثقافة الليبيّة اليوم، لا يُعوّلُ عليه كثيرا، فهو وعيٌ تسيّره العاطفة، ويتبعُ الأوهام، ويجري لاهثا خلف الإشاعات.
وعيٌ يزدري العقل، ويفتقر للصّقل، لا يزال يُصدّق إعلاما كذبَ عليه أكثر من مرة، ويتعذّر لشيوخٍ أوردوه المهالك كرّة بعد كرّة، ويُعيد إنتاج الطغاة، وتقديس الرّعاة، ويتبع سماسرة الحرب يقودونه كما تقاد البهائم.
أضفْ إلى ذلك، محدوديّة تأثير مؤسسات المجتمع المدنيّ لصِغَر تجربتها عُمرا وأداء، ممّا يحول دون الاستفادة الكليّة منها وبعظيم دورها، توعية وتثقيفا وتطويرا؛ لتبقى صفحات الفايسبوك أنجع طرق التوعية، وأكثرها انتشارا وأقواها أثرا، بناء أو هدما، ولعلّ فهم ذلك يساعدُ كثيرا على استثماره قناة للتوعية ومنارة للإرشاد.
أمّا العدالة الانتقالية فهي من حيث التسمية : غير متفق عليها، ومضمونا : يصعُبُ تصوّرها وتتفاوت الكتب على تعريفها، فلا صيغة موحّدة لها، وعلاقتها بالعدالة التقليديّة تحتاج مزيدا من التأصيل والتفصيل، ووصلَ الأمر بأن وصفها أحدُ المُختصّين بـ“الغامضة والملتبسة” .
ويبقى هذا المُصْطلح المركّبُ أكثرَ وضوحا عند تفكيكه، فالعدالة كقيمة نقيض الظلم، والانتقاليّة تفيد المرحليّة والتأقيت، استثناء لا طبيعة، انتقالا من حالة إلى أخرى.
ومن التحديّات التي تواجهها المُصالحة أيضا، خطر تسييسها، وغياب الأمن، واستمرار الحرب الأهليّة، وتزايد أعداد النّازحين والمشرّدين في الداخل والخارج، والفرقة السياسيّة، ودولة الميليشيات “دولة داخل دولة“، أمّا أخطرها وأكثرها تهديدا انتشار السّلاح، والتطرّف الدينيّ السلوكيّ، جُذورا وامتدادا وتشعبا.
خاتمة:
ويظلّ السؤال الذي سيحدّد كلّ شيء : هل تريد الأطراف المتصارعة، المُصالحة أصلا، أم أنّها لم ترتوِ بالدم بعد، ولا تزال نشوى بروح الانتصار وعقلية الغلبة وعطش الانتقام ؟!!.
أتمنّى أن يدرك المتناحرون اليوم، أهميّة المُصالحة، ويأتونها اختيارا، لإنقاذ أنقاض الوطن، قبل أن يأتونها إجبارا، وقد خسروا كلّ شيء، أن تقولَ نفس يا حسرتا على ما فرّطتُ، أو تقول جماعة يا ليتنا نُرَدُّ، بعد فوات الأوان.
فإنّ الجروح إذا أُهملتْ تلوّثت، وإذا أصيبتْ تنخّرتْ فأماتتْ.
ويُجبرُني المقامُ على ذكر كلمات نيلسون مانديلا، ذلك المُناضلُ الذي تعلّم درس المُصالحة بالطريقة الصعبة، فعلّمنا درسا أرقى في الأخلاق السياسيّة، في رسالته التي عنونها “إلى الثوار العرب” والتي كان مضمونها أنّ “الإساءة لا تعالج بالإساءة، والكراهية تولّد الكراهية” .
أقتطف منها:
“عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة..”،
“إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير..”.
كم نحن بحاجة لهذه العقليّات، فالطريق طويل، والمُصالحة لا تنتهي بين ليلة وضُحاها، “والسّعيدُ مَن وُعِظَ بغيره“، فالوطنُ لا يُبنى بالشّعارات، والدُولُ لا تتقدّم بالهُتافات، فهي لا تصلح إلا للاستهلاك الإعلاميّ بنفاقه ونفوقه، شعاراتٌ عاطفيّة لا تسمنُ ولا تغني من جوع، يبرّر بها كلّ طرف أفعاله، وكيف نرجو وطنا، وأفراده لا يُجسّدونَ الانتماء إليه؛ في أفعالهم؛ ليبقى وجودُه محصورا على الخريطة.
إنّ الشرخَ الذي أحدثته “فبراير“، في النّسيج الاجتماعيّ الليبيّ ووِحدته الوطنيّة، والخرقَ الذي هَتَكتهُ في منظومته الثقافيّة والأخلاقيّة، والضّررَ الذي ألحقته بكيان الأمّة الليبيّة : سيحتاجُ مُعجزةً إصلاحيّة لتجاوزها، ورقعِ شّرْكها، لضحالة الوعي وكثرة الجهل وتهميش العقل وغلبة العاطفة وثقافة الكراهية؛ ليتأخّر تصالحُ الأمّة مع ذاتها، ويُعرقلَ بناؤها الاجتماعيّ.
وسيتفاقمُ كلّ ذلك إذا استمرّ العاقلون في سُباتهم، والحُكماء في نفاقهم، والشّيوخُ في مُداهنتهم، والمواطنون على سلبيّتهم.
***
المكي أحمد المستجير ـ كاتب ليبي