بقلم مروان الطشاني و علي أبوراس

إزاء ما سقناه من حجج (في الجزء الأول) يمكن لنا أن نقول بكل وضوح أننا نميل إلى الرأي القائل بأن المحاكم العسكرية وضعها الحالي هي محاكم استثنائية.

الجزء الثاني

ولاية القضاء العسكري:

وإذا ما أشحنا بوجهنا عن طبيعة واستثنائية القضاء العسكري والتفتنا صوب حدود ولاية هذا القضاء، فسنجد أنه طبقا للمادة 45 منه، يختص القضاء العسكري بنظر الجرائم التي يرتكبها الخاضعو لأحكام القانون العسكري. وهم تباعا العسكريون والنظاميون المتطوعون والمدنيون العاملون بالجيش والأسرى العسكريون.

وتكون الولاية منعقدة في حالات الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والجرائم ذات الطابع السياسي ( المنصوص عليها في الباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو المنصوص عليها في قانون تجريم الحزبية أو الواردة في قرار مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة) والجرائم المرتبطة بها، والجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين المكملة له التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري داخل مقرات الجيش أو إذا كانت تنفيذ الواجب.

واستبعد المشرع في ذات المادة من اختصاص المحاكم العسكرية الجرائم المشار إليها إذا أسهم فيها أشخاص لا يخضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري. وبموجب القانون رقم 8 لسنة 2007 أضاف المشرع إلى اختصاصات المحاكم العسكرية الجرائم المنصوص عليها في قانون التطهير التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري والجرائم التي تقع اعتداء على ممتلكات وأموال ومستندات الجيش والجرائم التي تقع داخل المعسكرات أو المقرات العسكرية باستثناء المؤسسات التعليمية.

التطور التشريعي بعد ثورة فبراير 2011

وبعد التغيير السياسي في فبراير 2011، نستطيع القول أنه طرأ تطور نسبي في مسألة الاختصاص والأفراد الخاضعين للقضاء العسكري. فقد صدر القانون رقم 11 لسنة 2013 في شأن تعديل قانوني العقوبات والإجراءات العسكرية. وعدل بموجبه قانون العقوبات العسكري بحيث قصر شريحة الخاضعين لأحكامه على العسكريين النظاميين الذين لهم رتبة منصوص عليها في قانون الخدمة العسكرية والأسرى العسكريين النظاميين مما يعني استبعاد المدنيين العاملين بالجيش وكذلك المتطوعين بالجيش.

وتبعا لذلك أيضا، عدل قانون الإجراءات الجنائية العسكري بحيث أصبح اختصاص المحاكم العسكرية قاصرا على الجرائم التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري (العسكريون، الأسرى العسكريون) متى نص عليها هذا القانون. إلا أن المؤتمر الوطني العام عاد لتعديل هذا الاختصاص بموجب القانون 5 لسنة 2015 ليشمل اختصاص المحاكم العسكرية والجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وقانون العقوبات العام.

حكم قضائي مميز

لسنا بصدد سرد النصوص المنظمة لاختصاص المحاكم العسكرية، لكن تجدر الإشارة إلى حكم متفرد لدائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس بتاريخ 30\6\2013 وقفت فيه عند نفس المادة 20 من قانون نظام القضاء رقم 6 لسنة 2006 التي نصت على أن: “تختص المحاكم بالفصل في كافة المنازعات والجرائم وليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة“.

وانتبهت إلى أن هذا النص جاء على غير العادة التي ألفها المشرع في قوانين نظام القضاء المتعاقبة فلم يذيل بعبارة إلا ما استتثني بنص خاص“. ورأت بحق أن إسقاط هذه العبارة لا يمكن أن تعدّ سهوا أو وليد نسيان ولا يمكن أن يكون مقصودا لأن يفترض أن يكون المشرع حكيما ورتبت على ذلك نتيجة منطقية مؤداها أن المشروع قد أعاد تنظيم ولاية القضاء بكاملها.

وعلى هدي هذا الفهم وتطبيقا لقاعدة اللاحق يلغي السابق، لا مناصَ من القول بأن قانون نظام القضاء قد نسخت أحكامه أحكام قانون الإجراءات الجنائية العسكري بمعنى أن المشرع قد سحب الإختصاص الذي كان قد منحه للقضاء العسكري وأعاده لصاحب الولاية العامة والاختصاص الأصيل (القضاء العادي) ولازم ذلك أن قانون الإجراءات الجنائية العسكري قد ألغيت نصوصه بالكامل لأن المحاكم والنيابات التي نظمتها لن يكون لها وجود بدون اختصاص.

ويبنى على ما قلناه أن التعديلات اللاحقة لصدور قانون نظام القضاء والتي أجريت على قانون الإجراءات الجنائية العسكري، وقد وردت على غير محل مما يفقدها أية قيمة. لا ريب في أن هذه النتيجة قد لا يرتضيها الكثيرون لكنها على الأقل وجهة نظر قابلة للنقاش.

قضاء المحكمة العليا: الإختصاص المانع

ومهما يكن من أمر، فاننا لا نملك إلا أن نتعجب من مسلك المشرع. وما يزيد من تعجبنا هو المنحى الذي ذهبت إليه المحكمة العليا في صدد اختصاص المحاكم العسكرية. هذا المسلك الذي يتمثل في التنازل والتخلي عن مساحات شاسعة ـ إن صح التعبير ـ من الولاية العامة للقضاء العادي الذي تقف هي على رأسه لصالح المحاكم العسكرية ذات الاختصاص الاستثنائي.

فالمحكمة العليا ذهبت في مواضيع أخرى إلى التفرقة بين الإختصاص المانع والإختصاص غير المانع. لكنها حين تصدت لمسألة اختصاصات المحاكم العسكرية خالفت هذا المنهج.

فقضت بتاريخ 24\2\2014 أن القانون 11 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانوني العقوبات والإجراءات العسكريين نص في مادته الثالثة على أن تختص المحاكم العسكرية بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكرية التي يرتكبها الخاضعون لأحكامه … ولما الثابت أن المشكو ضدهم من العسكريين النظاميين من لهم رتب منصوص عليها في القانون 11 لسنة 2013 وكانت الجريمة المنسوبة إليهم تحت طائلة المادة 111 من قانون العقوبات العسكرية. فإنهم يخضعونه لأحكامه وتختص المحاكم العسكرية دون غيرها (بمعنى أن اختصاصها يكون مانعا) بالفصل في الجريمة المنسوبة إليهم (الحكم 1\61 ق).

من جهة اخرى، يشار إلى أن المحكمة العليا تنازلت لصالح القضاء العسكري عن اختصاص آخر.

فقد قضت الدائرة الإدارية بتاريخ 6\7\2008 بأن القانون رقم 46 لسنة 1974 بشأن الخدمة في القوات المسلحة ينظم أسباب انتهاء الخدمة العسكرية والإستغناء عن خدمة العسكري وإجراءات إنهاء الخدمة وما يترتب عليها من آثار وأنه لم ينص على وجهة أخرى غير الإدارة العسكرية أو القضاء العسكري للفصل فيما يثار بشأنها من نزاعات.

وقد خلصت الدائرة إلى القول بأن القضاء الإداري غير مختص ولا سيما بالفصل في النزاعات. ولا شك أن هذه الحجة التي استندت عليها المحكمة واهية. فقانون الخدمة قانون موضوعي ولا شأن له بإجراءات التقاضي.

خاتمة:

كل القوانين المنظمة للقضاء العسكري تحتاج إلى مراجعة كاملة بشكل يجعلها متماشية مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء. فحتى القوانين التي صدرت بعد الثورة وتقعنا أنها ستتماشى مع التغيير الديمقراطي. لكن السنة الغالبة أنها لم تبن على استراتيجية واضحة محددة المعالم والأهداف إنما كانت عبارة عن ردود أفعال عكسية فضلا عن كونها في الكثير الغالب متناقضة مع المنظومة التشريعية.

***

نشر هذا المقال في العدد الخاص المحاكم العسكرية وأخواتها في دول المنطقة العربية: رواسب ماضٍ أم ثوابت للمستقبل؟ـ يناير 2018

***

مروان الطشاني ـ قاضي ليبي

____________

مواد ذات علاقة