لم يهنأ الشعب الليبي بثمار ثورته التي أطاحت بنظام القذافي، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها في سبيل مستقبل جديد يحقق تطلعات الليبيين جميعا في دولة العدل والحرية،
إذ جاء تدخل النظام الإماراتي ليجعل من حلم الليبيين بدولة تعكس إرادتهم الحرة وتعود خيراتها لكل الشعب، كابوسا مفزعا، ويدخل بلادهم في أتون حرب أهلية قضت على أي أمل بالاستقرار والرخاء والحرية.
وبحسب تقارير لجنة العقوبات الدولية الخاصة بليبيا، فإن الإمارات لم تدخر جهدًا من أجل إجهاض الثورة الليبية في 2011، بدعم الانفصاليين والقيادات العسكرية المتمرّدة وأخرى بإغراق البلاد بالسلاح رغم الحظر الأممي، وهو ما أسهم في مزيد من الإرباك للوضع في هذه الدولة العربية. وكشفت لجنة العقوبات عن خرق دولة الإمارات وبصورة متكررة نظام العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا من خلال تجاوز حظر التسليح المفروض عليها.
تمثل الإمارات، منذ سنوات رأس الرمح في قيادة مخطط الثورة المضادة لثورات الربيع العربي، من مصر إلى تونس واليمن وسوريا وإلى ليبيا، يبدو الدور الإماراتي المشبوه سافرا وهو يقدم الدعم للرموز الانقلابية، بل ويشارك بطائراته وسلاحه الجوي في مساندة الانقلابيين والمتمردين والمارقين ضد إرادة الشعوب.
وتكشف ورقة بحثية نشرها مركز الإمارات للدراسات والإعلام “ايماسك” عمق تورط الإمارات في ليبيا وكيفية تدخلها في الشأن الليبي الداخلي، حيث صدرت تقارير دولية موثقة تثبت تورط الإمارات بالتعاون مع مصر في دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائد ما يُطلق عليه “عملية الكرامة” ضمن الاتجاه العام للسلطات الإماراتية بدعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي، في مسعى منها لإجهاض الثورة الليبية.
وتبرز ليبيا كنموذج للتدخل الإماراتي الهائل في ليبيا، والذي تعود جذوره عقب سقوط حكم الدكتاتور القذافي، وانتصار ثورة الشعب. حيث كانت الإمارات وراء إطلاق حفتر لعملية الكرامة وبرلمان طبرق، واستطاعت المخابرات الإماراتية والمصرية شراء المرتزقة من تشاد ودارفور والانقلابيين الليبيين وبعض الميليشيات القبلية ورجالات العهد البائد للانقلاب على مؤسسات الدولة القائمة.
وأدى الدعم الإماراتي وفق الأمم المتحدة إلى زيادة قدرات قوات حفتر الجوية بصورة كبيرة، واعتبرت اللجنة أن المساعدات الإماراتية قد أدت ومن دون شك إلى تزايد أعداد الضحايا في النزاع الدائر في ليبيا، وسبق أن كشف تقرير أممي في مارس 2015، عن عمليات تهريب سلاح إلى ليبيا لا تشمل نقل الذخائر والسلاح فقط، بل بتحويل طائرات مقاتلة، قامت بها الإمارات بمعية مصر.
وكانت مجلة التايم الأمريكية قد قالت في تحقيق لها نشر في التاسع من مايو الماضي، إن دولة الإمارات نشرت 6 طائرات توربينية في قاعدة جوية شرق ليبيا، في انتهاك لحظر إرسال الأسلحة إلى هناك، الذي فرضته الأمم المتحدة بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بالقذافي في العام 2011، لدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
وفي أكتوبر 2016، نشرت مؤسسة البحوث العسكرية “جاينز“، ومقرها لندن تقريرا يؤكد أن الإمارات أنشأت قاعدة عسكرية شرقي ليبيا خلال الفترة من مارس إلى يونيو 2016، تنطلق منها طائرات هجومية من طراز 802-AT وأخرى من دون طيار من طراز وينق– لوونق لدعم قوات ما يسمى بعملية الكرامة التي يقودها حفتر، ونشرت صورا ملتقطة بالأقمار الاصطناعية للقاعدة في 23 يوليو من نفس السنة يظهر فيها تمركز طائرات حربية.
ولفت التقرير، آنذاك، إلى أن القاعدة الإماراتية أنشئت في مطار الخادم على بعد نحو 100 كلم من مدينة بنغازي، مشيراً إلى أن هذا المطار كان قبل إنشاء القاعدة الإماراتية مطارا بسيطا ببنية تحتية متواضعة.
ولم يقتصر التدخل الإماراتي في ليبيا، على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى احتضان قيادات نظام القذافي وداعمي الثورة المضادة، فضلا عن شراء “شراء الذمم والضمائر” والتي باتت إحدى محددات السياسة الخارجية الإماراتية.
وفي هذا السياق تبرز فضيحة شراء وسيط الأمم المتحدة إلى ليبيا بيرناردينو ليون حيث عينته الإمارات رئيسًا للأكاديمية الإماراتية الدبلوماسية التي تهدف إلى تطوير علاقات الإمارات مع العالم، والترويج لسياساتها الخارجية، إضافة إلى تدريب الكادر العامل في السلك الدبلوماسي، مقابل 35 ألف جنيه إسترليني شهريا (53 ألف دولار)، لتنفيذ أجندتها داخل ليبيا، وهو ما حصل بالفعل.
وقد فضحت تسريبات نشرتها وسائل إعلامية، تحالف ليون مع الإمارات، حيث جاء في أحد التسريبات للمبعوث الأممي:”لا أعمل على خطة سياسية من شأنها أن تشمل الجميع وتعامل كل الأطراف بشكل متساوٍ، وأعمل وفق خطة إستراتيجية لـنزع الشرعية تمامًا عن المؤتمر الوطني العام“، الأمر الذي يؤكد انحياز ليون لأحد أطراف الصراع وفقًا لما يتسق مع الرغبات الإماراتية.
كما يلتقي المسؤولون الإماراتيون على أعلى المستويات بحفتر ومساعديه أو المسؤولين الموالين للقذافي، ففي 29 يناير 2014، زار أحمد قذاف الدم منسق العلاقات الخارجية إبان حكم القذافي الإمارات، والتقى الشيخ محمد بن زايد، كما ظهر كثيرا في مقابلات حصرية في الصحافة الإماراتية، فيما عقد تلفزيون العربية لقاءً أثار جدلًا مع “قذاف الدم“.
وكانت الحكومة الليبية أوقفت ضابط إماراتي بتهمة التجسس في طرابلس في العاشر من نوفمبر 2015، وقال صادق السور، المدعي العام، إن الضابط الذي عرفه باسم يوسف صقر أحمد مبارك، اعتقل في طرابلس بعد أن كشفت معلومات مخابراتية عن أنشطته.
وحاول قائد عام شرطة دبي اللواء خمس المزينة أن ينفي كون “الجاسوس” يعمل للإمارات، وزعم المزينة أنه جرى تسريحة من الخدمة في 2010م، بسبب ما قال إنها قضايا أخلاقية، لكن “فجر ليبيا” ردت بشكل سريع على ادعاءات المزينة بنشر “شهادة حسن سيرة وسلوك” من شرطة دبي، كانت موجودة على جهاز “يوسف صقر” تشير إلى التأكيد على حسن سلوكه وإلى تاريخ 14 يونيو 2014م. ونشرت صورة لذات الشخص وهو بجوار ولي عهد أبو ظبي كصداقة قريبة بينهما، ما جعل نشطاء الإمارات وليبيا يتساءلون عن التقارب بين الشيخ محمد بن زايد بمنصبه وأحد جنود شرطة دبي.
وفي أغسطس 2014 نشرت فورين بوليسي أسماء رجالات الإمارات في ليبيا وأبرزهم محمود جبريل وزير التخطيط في عهد القذافي، ورئيس الحكومة أثناء الثورة، وعبد المجيد مليقطة أحد الرموز المهمة في التحالف القوى الوطنية الذي يتزعمه جبريل وهو شقيق عثمان مليقطة، قائد كتائب القعقاع، وهي ميليشيا تابعة لقبائل الزنتان وقامت بدور بارز في إشعال الحرب في الدولة، وبعد بدء حفتر حملته في بنغازي أعلنت دعمها له وهاجمت مقر النواب الليبيين مستخدمة قنابل مضادة للطائرات وهاون ومقذوفات صاروخية.
علي النايض سفير ليبيا في الإمارات، ورجل الأعمال حسن طاطاناكي والذي عمل مع سيف القذافي قبل عام 2011 يعتبر الشخص الأكثر تأثيرا في شبكة الرموز الداعمة لمصر والإمارات بسبب ثروته الكبيرة، ويملك قناة تلفزيونية “أولا“.
ويأتي الدور الإماراتي في ليبيا كجزء من أدوارها المشبوهة في تونس وفي مصر واليمن، وهو الدور الذي يمتد اليوم ليفجر الأزمة الخليجية ويزرع الفتنة بين الشعوب الخليجية الشقيقة.
_____________________