هناك تصعيد إعلامي عنيف من قبل خليفة حفتر والناطق الرسمي باسم جيشه المسماري واتهامات للسودان بدعم ما يسميها حفتر بالمليشيات في ليبيا، وهذا التصعيد يأتي في هذه الأيام استغلالاً للأزمة الخليجية وبتغطية إعلامية موسعة من قبل الإعلام المصري.
يدرك الساسة السودانيون أن اتهامات “أدوات المخابرات المصرية في ليبيا” هي محاولة منهم للتخفيف من وطأة الفضيحة المصرية عندما استطاع الجيش والأمن السودانيان الاستيلاء على مدرعات مصرية كانت مع متمردي دارفور في خرق واضح لقواعد القانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن والتي تحظر تسليح الأطراف في إقليم دارفور.
الحكومة المصرية تستغل الأزمة الخليجية وحياد السودان في هذا النزاع ودعمه للمبادرة الكويتية لإفساد علاقات السودان مع السعودية والإمارات، فالدولة المصرية تعتقد أن مصالحها الاستراتيجية تقتضي أن تكون علاقات السودان مع هذه الدول متوترة وتستخدم النزاع الليبي من أجل توتير العلاقات.
قبل عامين قامت حكومة حفتر بالقيام بسابقة دبلوماسية وهي احتجاز القنصل السوداني في بنغازي عبد الحليم عمر في أحد السجون عندما جاء يتفقد بعض السودانيين المحتجزين في مخالفة لاتفاقية جنيف ولأبجديات العلاقات الدبلوماسية بين الدول.
والآن يكرر حفتر تصرفاته المستفزة بطرده للبعثة القنصلية السودانية في الكفرة بحجة أن هذه البعثة تقوم بما يهدد الأمن القومي الليبي، وهذه الحجة هي في غاية المسخرة، فعن أي أمن قومي يتحدث حفتر وهو في بلد فيها أربع حكومات واحدة في الشرق واثنان في طرابلس ومعهم حكومة داعش في صحراء سرت وبني وليد، وأعقب هذا التصرف غير المؤدب من حفتر تصريحات في غاية الوقاحة يحذر فيها العالم من أن السودان تؤوي الإرهابيين وأنها خطر على الأمن الدولي وأنها مهدد للعالم.
خليفة حفتر لا ينطق عن الهوى وعن ذاته بل إنه يتكلم بلسان من يشغلونه في القاهرة والذين هم غاية القهر من انفتاح السودان في علاقاته مع العالم وتحسن علاقات السودان مع دول الخليج وانفكاك السودان من السير خلف المحور الحنجوري الإيراني إلى المضي خلف المحور العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية.
أتساءل دائما لماذا لا تبحث الحكومة السودانية بشكل واضح مع أبو ظبي قضية خليفة حفتر والمسألة الليبية والإمارات قادرة لجم حفتر ما دامت الإمارات تستثمر فيه كزعيم مستقبلي لليبيا؟
أنا أرى وأعتقد أن السودان غير معني بمن يحكم ليبيا وما يهمه هو مصالحه السياسية والأمنية وأن لا يتعرض أمنه لهجمات من قبل حركات دارفور المسلحة انطلاقا من الأراضي الليبية، وأما مسألة دعم السودان لفصائل (ميلشياوية) فهذا الأمر لا يعني الخرطوم كثيرا فهي لا تطمح للعب أي دور إقليمي منافس للقاهرة والجزائر اللتان تتصراعان على النفوذ في ليبيا.
حفتر الجنرال المهزوم في حرب تشاد قد رضي أن يكون لعبة في يد القاهرة تستخدمه للنباح ضد من تراهم أعدائهم وضد كل من اختلفت مصالحهم معها والسودان الآن ومن قبله كانت تركيا ومن قبل كانت قطر .
وما يؤكد أن الحملة مصرية بلسان ليبي هو احتفاء الإعلام المصري باتهامات حفتر للسودان واستضافة االمتحدث باسم حفتر في كل برامج التوك شو المصرية ليكرر اتهاماته للسودان باعتبار ما تكرر تقرر وتجاهل الإعلام العالمي لهذه الاتهامات الكاذبة.
حتى تقرير الخارجية الأمريكية الذي تحدث عن مسألة الإرهاب عن السودان لم يتطرق للمسألة الليبية، وكان الكلام يتركز عن جيش الرب الأوغندي وحركة حماس الفلسطينية مما يعطي انطباعا أن الأمريكان أكثر من يهتم بمسألة مكافحة الإرهاب لا يصدقون أكاذيب حفتر.
والتقرير الأخير لمجلس الخبراء التابع لمجلس الأمن لم يشر إلى أي دور سوداني في دعم الحركات المسلحة في ليبيا، بل إنه أثبت أن قوات فجر ليبيا تحصل على سلاحها من دول أوروبا الشرقية بينما يحصل حفتر على سلاحه من قبل الإمارات ومصر ومافيات أوروبا الشرقية، كذلك دون أن يتطرق التقرير لأي دعم سوداني لقوات طرابلس.
عندما كانت الثورة الليبية السودان قدم سلاح للثوار ودعما لوجستيا ولكنه كان تحت إشراف مصطفى عبد الجليل ومحمد جبريل وكلاهما اليوم في صف خليفة حفتر وهم قد سلحوا بهما قوات الزنتان والرجبان في غرب ليبيا وهذه القوات هي في صف خليفة حفتر.
الآن وحتى يستعيد حفتر وعيه ويفيق من تأثير حبوب الهلوسة المصرية أطالب الدولة السودانية بطرد جميع الدبلوماسيين الليبيين الموالين لحكومة حفتر في الخرطوم باعتبارهم ممثلين عن حكومة غير شرعية وغير معترف بها.
أطالب الجيش السوداني بعمل ما يلزم لتأمين حدود السودان من خطر حفتر بإنشاء منطقة عازلة على الحدود بين ليبيا والسودان تمنع تسلسل أي عناصر مسلحة من ليبيا إلى السودان ما دامت الحكومة الليبية الشرعية غير متمكنة من السيطرة على حدودها مع السودان. وهذه الإجراءات والتلويح بها كاف تماما ليصمت حفتر عن النباح.
***
وائل علي ـ كاتب سوداني
_________