بقلم إسلام أبو العز
“أي معسكرت هيتم التدريب فيها لتوجيه ضربات لينا في مصر احنا هنقوم بضربها داخل مصر طبعًا وخارج مصر. وأرجو إن الرسالة دي تكون واضحة للجميع. نحن لن نتردد في حماية شعبنا من الشر وأهله وبقول للمجتمع الدولي مرة تانية. بقول للمجتمع الدولي مرة تانية. احنا اتكلمنا في استراتيجية لمكافحة الإرهاب والتطرف في العالم وأطلقناها في مؤتمر القمة العربي الإسلامي الأمريكي” (..)
“أنا بوجه ندائي للرئيس الأمريكي. الرئيس ترامب، وأقوله فخامة الرئيس إني أثق فيك وفي كلامك وفي قدرتك على إن أنت ستكون مهمتك الأولى هي مواجهة الإرهاب في العالم”.
“أنا متأكد يا فخامة الرئيس إنك قادر على تنفيذه هذا الأمر بالتعاون مع كل دول العالم المحبة للإنسانية وللسلام وللأمن والاستقرار”.
*****
بهذه الكلمات، أفصح الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ملامح بلورة الرؤية المصرية لمحاربة الإرهاب في عهد إدارة ترامب، وخاصة فيما يتعلق بليبيا في هذا الإطار؛ وذلك بعد حوالي ثلاثة أعوام من مبادرات فردية لم تحظى بدعم إقليمي ودولي، بدأت بالغارة المشتركة مع الإمارات في أغسطس 2014 ، مروراً بغارات فبراير 2015 التي أتت كرد على حادثة ذبح 21 مصري على يد تنظيم “داعش”، وصولاً إلى غارة أمس التي استهدفت مواقع “مجلس شورى مجاهدي درنة” والذي يوصف بكونه فرع تنظيم القاعدة في ليبيا(!!).
وما بين 2014 و2017 متغيرات هامة على الساحة الدولية والإقليمية، وكذلك على مستوى المتغيرات التي طرأت على إستراتيجية الجماعات الإرهابية في استهدافها لمصر في الوادي والدلتا والمدن الرئيسية كالقاهرة والإسكندرية وليس فقط سيناء والصحراء الغربية.
يمكن القول أن غارة أمس تأتي كخطوة أولى في تحول القاهرة من إستراتيجية دفاعية تهتم بتأمين الحدود وتقليص تواجد الجماعات الإرهابية على أراضيها والتضييق عليها وحصر التدخل في ليبيا في دعم أحد أطراف الصراع، إلى مرحلة تجفيف المنابع والتدخل المباشر بعدما تغيرت الظروف على المستويات السابق ذكرها لتسمح لمصر بأن يكون هناك شكل من الشرعية الدولية والإقليمية لأعمال عسكرية غير محددة بأفق مكاني أو زمني على عكس ما حدث في السنوات الثلاثة الماضية.
والسؤال البديهي هنا، ماذا سيقدم ترامب لمصر ضمن الإطار السابق بخلاف الود والمجاملات والكيمياء الشخصية بين ترامب والسيسي أمام الكاميرات؟..
في الواقع فإن ليبيا وعلاقة مصر بها وحرب مصر على الإرهاب بشكل عام مسألة تشغل الباحثين ودوائر التفكير واتخاذ القرار في الولايات المتحدة، وتتراوح جُل وجهات نظرهم تجاه السابق بين اتجاهيين رئيسيين:
الأول: عدم تشجيع القاهرة على الاشتباك في ليبيا والعمل على كبح مساعداتها لقوات خليفة حفتر بزعم أن ذلك سيقلص من معدل العنف بين المليشيات وسيوحد الجهود ضد تنظيم داعش وسيؤهل مناخ لعملية سياسية، وهذا الاتجاه كان صاحب الصوت الأعلى إبان عهد الإدارة الأميركية السابقة.
الثاني: دعم مساعي القاهرة بشكل يضمن عدم تدخل واشنطن بشكل مباشر في ليبيا، سواء كان ذلك بالتوافق مع روسيا أو –وهو الأفضل أميركياً– بالتنسيق المباشر مع القاهرة وأبو ظبي وتوفير الدعم السياسي لخطواتهم هناك بمعزل عن موسكو، مقابل إنهاء تحالف القاهرة التكتيكي مع الأخيرة، وهو الأمر الذي فيما يبدو مالت إليه الإدارة الأميركية الجديدة، حتى قبل قمم الرياض الأخيرة، لتناسبها مع أولويات سياسات ترامب الخارجية، وتلافياً لتعقيدات قد تضر بها وبمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية؛
فمثلاً لجوء القاهرة وأبو ظبي –حلفاء الولايات المتحدة– لهذه التحالفات التكتيكية مع روسيا قد يخلق فرص للمناورة قد تتطور إلى محاولات بعض من هذه الدول لتغليب رؤيتها حسب أولوياتها المُلحة لا أولويات واشنطن؛ وأبرز الحالات التي من المحتمل إذا ما استمرت الإدارة الأمريكية الجديدة بسياسة سحب يدها من حل خلافات حلفائها هي توافق القاهرة وأبوظبي على دعم أحد أطراف الصراع الليبي وبوادر توافق بينهما وبين موسكو في هذا الشأن بعيداً عما تريده واشنطن في ليبيا في هذا الشأن.
السابق سواء من حيث إذا تناقض مع المصلحة الأمريكية أو من جهة إجهاض محاولة للتنسيق بين واشنطن وموسكو على غرار التفاهم المشترك في سوريا –بغض النظر في سياقنا هنا عن مآلاته– حول ليبيا، والذي من شبه المؤكد أنه سيفشل وسيؤدي للمزيد من التداعيات السلبية للولايات المتحدة في حالة تعزز التوافق بين حلفاء واشنطن –مصر والإمارات– وأطراف معنية بالشأن الليبي مثل الجزائر وموسكو حول ليبيا بعيداً عن الإطار التوافقي المرجح بحثه بين الكرملين والبيت الأبيض في نفس الأمر.
في هذا السياق، نشرت الباحثة المتخصصة في السياسات الروسية في الشرق الأوسط، آنا بورشفسكيا، مقالاً لها في صحيفة “زا هيل” الأمريكية، تناولت فيه أفق الدور الروسي في ليبيا، ومدى صحة إيجاد مساحات من التعاون بين موسكو وواشنطن حسب تلاقى أو تنافر أولويات القوتين العظمتين هناك، وعلاقة هذا الأمر بالإدارة الأمريكية الجديدة التي صرح رئيسها أكثر من مرة عن فرص تعاون إيجابية بين بلاده وبين روسيا في مختلف الملفات والقضايا وعلى رأسها مجابهة تمدد تنظيم داعش في المنطقة بعد هزيمته المزمعة في سوريا والعراق.
وعلاقة السابق بتلافي استقطاب إقليمي جديد مدعوم كل طرف فيه من أحدى الدولتين حول ليبيا على غرار ما حدث ويحدث حتى كتابة هذه السطور في سوريا.
فرأت الباحثة أن “ترامب اعتاد ترديد أنه من الممكن أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليفاً قوياً في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا، ولكن في حين تتركز معظم الأنظار على سوريا في هذا السياق، إلا أن ليبيا هي مكان آخر يجب متابعته عن كثب في الأسابيع المقبلة.
فيزداد دعم الرئيس بوتين شيئاً فشيئاً لحفتر الذي يتحكم بشرق البلاد الغني بالنفط ولكن يسعى للمزيد وهنا يمكن لترامب وبوتين التوصل إلى اتفاق (..) من جهتها تدعم مصر جهود بوتين في ليبيا، ولطالما كانت الجزائر في المعسكر المؤيد للكرملين.
ويعتقد السيسي أن حفتر سيمنع جماعة الإخوان المسلمين من الحصول على موطئ قدم في ليبيا كما ويتفق عموماً في الرأي مع بوتين عندما يتعلق الأمر بتدابير مكافحة الإرهاب”.
وسواء ما إذا كانت تنوي إدارة ترامب التنسيق مع موسكو –وهو أمر مستبعد نظراً لموقف ترامب الداخلي المتعلق بشبهات علاقاته مع روسيا– أو فرض رؤيتها وأولوياتها بالتوافق مع أولويات القاهرة تجاه ليبيا على أرضية عدم تورط الإدارة الجديدة بشكل مباشر هناك، فإن المؤكد أن ليبيا ستكون مسرحاً لحراك سياسي إقليمي ودولي لمرحلة ما بعد داعش في سوريا والعراق، وفي هذه الحالة سيتوفر لمصر دعماً أميركياً وإقليمياً لأي خطوات عسكرية في المستقبل كانت لا تحظى به في عهد الإدارة السابقة، ولكنه سيبقى في الوقت نفسه عند حدود الالتزام الأميركي بعدم التورط المباشر.
***
إسلام أبو العز ـ باحث متخصص في الشأن السعودي وشئون الشرق الأوسط وكاتب في مواقع مختلفة مصرية وأجنبية
_____________