بقلم عبدالرزاق العرادي

في عالم السياسة هناك مجموعة من القواعد تحكم كل أزمة، وكل قضية، ويكون القفز عليها، ضربا لقواعد المنطق، وافتياتا على سنن التاريخ.

تتعلق هذه القواعد أساسا بحقائق الجغرافيا السياسية والعوامل التاريخية المستمرة في التأثير في سلوك وخلفيات الشعوب، والفاعلين السياسيين والعسكريين، والاقتصاديين.

هذا إضافة إلى ما يعرف بحقائق الواقع وقواعد القانون، ومكونات الأطراف وغيرها من نقاط جوهرية كانت أو ثانوية.

دول الجوار..جزء من الحل

ليست القضية الليبية وأزمتها الحالية الممتدة منذ سنوات استثناء من هذه القاعدة، ولها بالتالي قواعدها الحاكمة المستمدة من هذه العناصر المشار إليها.

وما يهمني منها في هذا المقام هو المتعلق بالحقائق الجغرافية؛ فالمعروف أن دول جوار ليبيا ظلت جزءً من القضية الليبية على مدار التاريخ، ولأسباب واضحة جدا، فهذه الدول تتأثر بما يحدث في ليبيا سلبا وإيجابا، وأغلبها مؤثر أيضا في كثير من أطراف الصراع، والحديث عن إخراجها بجرة قلم، وكأن الأمر يتعلق بعزومة يقال لأصحابها، مرحبا بكم، ثم يقال لهم شكر الله سعيكم، أظن أن فيه مجانبة للصواب.

إن علاقة دول الجوار بليبيا يتداخل فيها السياسي والأمني، والاجتماعي، حتى بات وجود أغلبها حاضرا في الملف الليبي مصدر تطمين، ليس فقط لمجموعات من النخبة المرتبطة بها، وإنما أيضا لتيار عريض من الشعب الليبي، وهو ما يجعل من الدعوة إلى إقصائها، دعوة إلى هز ثقة الليبيين في منتجات ما سيسفر عنه أي تفاهم، فهناك من يرى أهمية وجود مصر في أي تفاهم، وبالذات في شرق البلاد، وهناك من يصر على وجود تونس والجزائر، بالذات في غرب البلاد.

ليست هذه دعوة لاستدامة التدخل الإقليمي والدولي في الشأن الليبي، بل اعتراف بواقع الأزمة الليبية، وبالحالة الاجتماعية التي تعيشها ليبيا؛ فهناك تداخل اجتماعي تاريخي مع دول الجوار تراكمت معه عبر التاريخ مجموعة مصالح اقتصادية، وسياسية، وأمنية أحيانا، تحولت معها دول الجوار إلى عامل موضوعي في ملفات الأزمة الليبية.

إن إهمال هذا العامل هو قفز على منطق الجغرافيا السياسية وتأثيرها، وبالتالي فهو قضاء بالفشل على المسعى قبل الانطلاق؛

فما معنى اتفاق لا يثق فيه أغلبية أطراف المشهد؟

وما معنى اتفاق لا تطمئن إليه الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الليبي؟ 

إن الحديث عن انفراد طرف دولي، مهما كان كبيرا، بإدارة الملف الليبي مجازفة غير مضمونة العواقب، وقد يكون أمنية كبرى مثل تحقيق السلام عبر الحوار الليبيالليبي، ولكنه لا ينفع في ميدان الترتيب الواقعي لإنهاء الانقسام، والاقتتال.

الاتفاق نص على كيفية تعديله

إن الحديث عن جعل الاتفاق السياسي إطارا لكل حل حديث في محله، وهو محل قبول من لدن أغلب الفاعلين الليبيين، والدوليين والإقليميين، لكن هذه المرجعية لا ينبغي أن تجزأ، فإذا كان الاتفاق السياسي هو المرجع فإن نصوصه قد حددت طريقة تعديله، وذلك بتشكيل فريق حوار من المجلس الأعلى للدولة وآخر من مجلس النواب، وبالتالي فالاعتماد على الاتفاق، وصيغته الكاملة الضامنة للتوازن، ومشاركة الجميع، أولى من الذهاب إلى صيغة هجينة، تحترم الاتفاق السياسي ظاهريا، وتضربه في صميمه.

هذا إضافة إلى أن تعريف الطرف في أي عملية تفاوضية يجب أن يكون له شروط واضحة ومنطقية؛ فإذا كان شخصان يحملان نفس المطالب، ويتخذان نفس القرارات، ويتحكمانفي نفس الرقعة الجغرافية، ويقدمان نفس الخطاب؛ فاعتبارهما طرفين أمر في غاية الغرابة.

وجهان لعملة واحدة

لفت نظري أن الدعوة إلى تجاوز دول الجوار تزامنت مع محاولة حصر جديدة لأطراف الصراع، لاستحداث أطراف جديدة على طاولة التفاوض، مثل دولة الرئيس فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر، وذلك باعتبار خليفة حفتر وعقيلة صالح طرفين مختلفين؛ مع اختزال الطرف المقابل في رئاسة المجلس الأعلى للدولة، ممثل في الدكتور عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس، ولا أدري على ماذا كان الإستناد في تسمية رئيس المجلس الرئاسي؟!!.

وإذا أخذنا بهذا المنطق؛ فإن الطرف المقابل لحفتر وعقيلة صالح، هو المجلس الأعلى للدولة من الناحية السياسية، والقوى العسكرية في المنطقة الجغرافية التي تقع في دائرة نفوذ المجلس، وبالتالي فإحضار حفتر، لأنه عسكري، يستلزم إحضار العسكري المقابل له في طرف النزاع الآخر.

لست بحاجة إلى التذكير بأني مع نقل الصراع الليبي من ساحات المعارك إلى منابر السياسة، وإحلال منطق الحوار، والتوافق محل صوت قعقعة السلاح، ومنطق العقل بدل منطقة القوة، ومع ذلك أصر على أن أي عملية حوار غير متوازنة وغير محسوبة مآلها الفشل، حتى ولو حملت عنوانا عريضا وشعارا براقا، مثل: “الحوار الليبيالليبيأو انفراد الأمم المتحدة برعاية الحوار الليبي“.. أو غيرها، فتلك شعارات وحقائق الواقع على الأرض تقول شيئا آخر.

بوصلة الحل.. الدستور

وبالرغم من أنني من المؤيدين للضرب صفحا عن الاتفاق السياسي ومفاوضات تعديله، بعد أن حقق أهداف المرحلة الأولى، إلا أنه وكما ينص الاتفاق ذاته، يجب التوجه مباشرة إلى مسودة مشروع الدستور والإستفتاء عليها وإقرار قوانين الإنتخابات العامة وخوضها.

أما في حالة إصرار الأطراف على السير في عبث التعديلات ومشقة التفاوض، فإن الاتفاق السياسي مازال يمثل إطار صالح للحل، حيث تحصل على دعم غالبية الشعب الليبي، أدخلوا عليه بعض التعديلات الطفيفة، ونفذوا الجوانب المتعلقة منه بإقرار الدستور في أسرع وقت، وسلموا السلطة لمن يرضاه الليبيون.

***

عبدالرزاق العرادي ـ كاتب وناشط سياسي وعضو سابق في المجلس الوطني الانتقالي

____

(*) ملاحظة: كتب الصديق الدكتور فضيل الأمين وجهة نظر بعنوان خارطة الطريق المقبلةوهذا رد على بعض النقاط الواردة في مقاله.

_______________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *