محمد صالح تنتوش
لم يسبق لليبيين حسب قراءتي المتواضعة للتاريخ أن عاشوا قدرا مماثلا لما يحدث اليوم من الاختلاف والخلاف منذ احداث الصراعات القبلية ابان الحقبة الايطالية. فالشعب كان يعيش في ظل مسار واحد طيلة 42 عاما والصدمة التي حدثت له اثناء 2011 اخرجته من دوامة هذا المسار من خطاب الرجل الأوحد والفكر الواحد الى مرحلة تقول فيها فئة من الشعب بصوت عال “لا لاستمرار هذا النظام ” وفئة تعارض الثورة.
وسجلت في ذاك الوقت أول عملية انقسام كبيرة ، لكن الأمر لم يتوقف هناك حيث بدأ الخلاف ما بين القبائل والجهات المختلفة وكذلك ما بين الجماعات والاحزاب المختلفة حتى بلغت حدتها خلال سنة 2014 لتصبح نزاعا مسلحا شاملا دخلت فيه مناطق مختلفة من أقصى شرق البلاد الى غربها ومن شمالها الى جنوبها.
وظهر على السطح السؤال الرئيسي “مالذي يحدث ؟ ولماذا كل هذا الخلاف؟” ، وبعيدا عن كيل الاتهامات و الاعلام والاعلام المضاد الذي تتصدره القنوات والمواقع المختلفة للطرف الآخر كل حسب توجهه ، يجب أن نحلل أسباب النزاع دون الخوض في تفاصيل كثيرة تضيع معها الاسباب الحقيقية من هذا التحليل نحو الحديث حول هذه التفاصيل وكأنها لب الموضوع وأصله .
والأصل في الأمر أن هذا الخلاف بني على نقطتين رئيسيتين هما:
ـ عدم القدرة على ادارة الاختلاف بالطرق السليمة حتى أصبح خلافا،
ـ وتقديم المصلحة الشخصية (القبلية أو الجهوية أو حتى الحزبية ) على المصلحة العامة وبالتالي قمع كل فكر ورأي مخالف.
والصورة الأصل في هذا الأمر هي ما حصل مع معارضي ثورة فبراير اذ تم التعامل معهم وقتها على اساس من القمع والتهميش الممنهج ، أي أن أنصار الثورة وتحت تخدير ونشوة اسقاط النظام لم يفكروا جليا لا قبل سقوط النظام بشكل نهائي ولا حتى بعده فيما سيكون عليه مصير المختلفين معهم في الموقف من الثورة.
خاصة وأننا نتحدث هنا عن فئة ليست قليلة من الشعب ان لم يكن نصفه أو اكثر من ذلك قليلا ، وان الكثيرين انتظروا خطاب التحرير المخيب للامل الذي ألقاه رئيس المجلس الوطني الانتقالي والذي كان من المفترض أن يتطرق الى هذا الموضوع الخطير لكن الأمر لم يكن كذلك.
وبالتالي انعكس الأمر على سلوك واضح ترجم من خلال مجموعة من الظواهر أبرزها ظاهرة المدينة أو القبيلة المنتصرة والأخرى المهزومة ، وظاهرة الغنيمة التي لم تشمل أسلحة ومعدات جيش القذافي فحسب بل شملت منازل وأملاك انصاره ورجال النظام من الدرجتين الأولى والثانية.
كانت النتيجة تهجير بعض المناطق داخليا و هروب وتهجير الكثيرين الى خارج البلد ، وغياب فكرة من هو الآخر الذي اختلفنا معه ولماذا اختلفنا معه وكيف سنتعامل معه هو ما شرعن مثل هذه الافعال الظالمة لقطاع واسع من الليبيين عانى الكثير منهم في أقل الحالات من تعميم الصفات والقبض على الهوية نتيجة أصوله التي تعود الى المناطق المهزومة في الثورة .
والحقيقة أن الآخر لم يكن فقط عبارة عن طبقة المستفيدين من النظام او رجاله بل انه كان يشمل طبقات مختلفة وبالتالي كانت طريقة التعميم ظالمة في حق هؤلاء خاصة وأن الدولة لم تبنى بشكل صحيح يضمن العدالة للجميع بل أن تحالفات الحرب فرضت علينا حكما ثوريا بامتياز انعكس على التشكيلات الحكومية و المناصب السياسية والادارية و فرض الآراء.
وبالتالي تأخر مشروع المصالحة الوطنية الشاملة وتطبيق العدالة على الجميع وبناء الدولة بالشكل السليم .
لكن الأمر كان قابلا للعلاج فالمشاركة الواسعة لليبيين في انتخابات المؤتمر الوطني أوضحت أن قطاعا كبيرا منهم تجاوز مرحلة النظام السابق بشكل واقعي نحو الاعتراف بنظام جديد وبالتالي المشاركة في الانتخابات التشريعية واختيار الممثلين عنهم بغض النظر عن من هم هؤلاء لكنهم اتبعوا طريقا سلميا في التعامل مع هذا التغيير (عدا عن حالات نادرة ).
لكن ثلاثة أسباب رئيسية أفشلت استمرار هذه التهدئة وأضاعت ثمار المشاركة الواسعة في الانتخابات التشريعية:
أولى هذه الأسباب تتمثل في قانون العزل السياسي (ولو أنني شخصيا كنت من مؤيديه لكن اتضح فيما بعد انه كان احد اسباب الأزمة التي نعيشها اليوم وكان يمكن اصدار قانون انتخابي يضمن وصول الأشخاص المناسبين من خلال شروط معينة دون الحاجة الى اصدار قانون خاص باقصاء فئة واسعة من الليبيين).
أما السبب الثاني فتمثل في عدم القدرة على ادارة الاختلاف مابين المناطق والجهات وحتى الاحزاب والجماعات المختلفة بالطرق السليمة والتي تم تطبيقها شكلا لا مضمونا.
والمقصود هنا ان نواب هذه المناطق والاحزاب لم يستطيعوا حصر هذا الاختلاف داخل قاعة المؤتمر الوطني بالطرق السليمة والقانونية بل ان طريقة تعاملهم مع هذا الاختلاف كانت صبيانية وبالتالي اعطت مجالا للعامل الثالت للتدخل وتأزيم الموقف.
والعامل الثالث ،والمقصود هنا، هو الاعلام سواء كان مرئيا او على صفحات التواصل الاجتماعي ، ما سمح بانتقال الاختلاف الذي كان حادا في قاعة المؤتمر الوطني ـ والذي لم يكن في حقيقته اختلافا في البرامج المختلفة للنواب تحت اطار المصلحة العامة بل كان عبارة عن اختلاف شخصي ومبني على مصالح ضيقة وفي اطار من الأنانية ـ الى المجتمع الليبي الذي اتخذ بدوره موقفا من هذا الاختلاف خاصة مع ما يضيفه الاعلام لهذا الاختلاف من تضخيم واشعال للفتن.
وبالتالي لعبت الأسباب الثلاثة الدور الأبرز في تهيئة الجو للنزاع المسلح الشامل الذي انطلق خلال سنة 2014 ولا يزال مستمرا حتى يومنا هذا .
الخلاصة هنا أن أطراف النزاع لا يزالون يسيرون بنفس النهج من حيث شيطنة الآخر وعدم التفكير فيما بعد انتهاء هذا الصراع وكيفية التعامل مع الطرف الآخر ، ولا زالت ثقافة الطرف المنتصر والآخر المهزوم تحكم سلوك هذه الأطراف ، فيما تظل جميعها متمسكة بالمصالح الشخصية الضيقة دون النظر للمصلحة العامة.
وقد انعكس الأمر على طريقة تعامل كل طرف مع جولات الحوار السياسي والمصالحة الوطنية وهو ما سيجعل من أي نتائج لهذه الجلسات لا تتعدى كونها مكاسب لكل طرف مما سيتسبب في عودة النزاع عند شعور أي طرف من الأطراف بأن حجم المكاسب الذي حققها لم يكن مناسبا أو أن هذه المكاسب مهددة بالفقدان ، بغض النظر عن أي مساوئ تحدث للوطن وفي ظل غياب التفكير في المصلحة العامة .
***
محمد تنتوش/ كاتب ليبي
___________________