بقلم فريدريك ويري
لاتزال منطقة جنوب ليبيا تعاني من انعدم الاستقرار المُستوطن، وترزح تحت وطأة النزاعات الأهلية، ونقص الخدمات الأساسية، وتفشّي التهريب، وانقسام المؤسسات أو انهيارها.
لطالما ظلّت هذه المنطقة على هامش الحياة السياسية في ليبيا والمشاغل الدولية، لكن لابد من أن يتغير ذلك. لقد أدّى فراغ الحكم في الجنوب، بصورة مطردة، إلى استقطاب أفرقاء سياسيين من شمال ليبيا ودول خارجية. يمارس المتطرفون الذين يبحثون عن ملاذ في الجنوب من جهة والمهاجرون الذين يتمّ تهريبهم عبر المنطقة من جهة أخرى، تأثيراً مباشراً على الأمن في ليبيا، وفي الدول المجاورة مثل تونس، وفي أوروبا.
مصادر انعدام الأمن في الجنوب
-
المحرك الأساسي لفقدان الأمن هو انهيار المؤسسات والمواثيق الاجتماعية الهشة أساساً إبان ثورة 2011، والأهم من ذلك، التوزيع غير المنصف للموارد الاقتصادية.
-
اندلاع الاقتتال بين قبائل العرب والتبو والطوارق في الجنوب يمكن أن يُعزى إلى حد كبير إلى التنافس على التدفقات الاقتصادية الثابتة المستمدة من مسالك التهريب والوصول إلى حقول النفط.
-
التدخّل من الأفرقاء السياسيين في الشمال هو أيضاً من العوامل المؤججة لفقدان الأمن: فقيام فصائل متناحرة منضوية في إطار ائتلافات فضفاضة بإعطاء أموال للشباب في الجنوب وتسليحهم، تسبَّب بإطالة أمد النزاعات المحلية واستفحالها.
-
يبقى التطرّف تحدياً في الجنوب، لكن لايجب تضخيمه. إذ لم تتمكّن مجموعات إرهابية على غرار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وما يُسمّى الدولة الإسلامية، من انتزاع موطئ قدم راسخ لها في البلدات الجنوبية، لكنها استغلّت غياب الحكم في الجنوب للحصول على اللوجستيات وتنفيذ تدريبات.
توصيات موجّهة إلى السلطات الليبية والمجتمع الدولي
-
تطبيق مشاريع ذات أثر فوري لإظهار امتداد الحكومة الليبية وشرعيتها. من الموجبات الرئيسة في هذا المجال تأمين الخدمات الأساسية، مثل التيار الكهربائي، والرعاية الطبية، والاحتياطيات النقدية.
-
دعم مبادرات المجتمع الأهلي المتعلقة بالقطاع الأمني في الجنوب، ولاسيما المساعي العابرة للقبائل والجماعات المحلية. لقد كان لعدد كبير من هذه المبادرات أثر مفيد على الأمن، عن طريق الحوار بين الجماعات المحلية، أو دعم ضحايا الحرب، أو تعليم الأطفال، أو التدريب التقني.
-
إعادة العمل بالرواتب الحكومية في الجنوب، وإيجاد حل لمأزق تحديد الهوية الوطنية، وتفعيل موازنات البلديات في إطار مجهود أوسع نطاقاً لإصلاح جدول الرواتب في القطاع الأمني. ينبغي على الحكومة الليبية إعطاء الأولوية لتوزيع الرواتب على الجهات الأمنية عن طريق السلطات البلدية.
-
إطلاق سلسلة من الحوارات الوطنية مع الجهات الأمنية في مختلف أنحاء البلاد حول خريطة طريق لإعادة هيكلة القطاع الأمني. يجب إيلاء أهمية خاصة لتشكيل قوة محلية تساهم في تعزيز فعالية الجهات الأمنية في البلديات والمحافظات فيما تربطهم أيضاً بقيادة وطنية.
مقدّمة
لطالما اعتُبِر جنوب ليبيا منطقة يشوبها الغياب المُستوطن للأمن، والانقطاع والانفصال عن الشؤون السياسية في الشمال. غير أن الاضطرابات في هذه المنطقة الآن تتمدّد بصورة مُطردة في مختلف أنحاء البلاد، وصولاً إلى الدول المجاورة الواقعة شمال ليبيا، مثل تونس، وإلى شواطئ أوروبا الجنوبية. يتحوّل جنوب ليبيا إلى مسرح جديد للنزاع الوطني بين القوى المتحالفة مع خليفة حفتر، وبين المجموعات المسلّحة المدعومة من مدينة مصراتة الساحلية وفصائل في الغرب. فضلاً عن ذلك، تشكّل هذه المنطقة محطة أساسية لشبكات تهريب المهاجرين متعددي الأوطان شمالاً باتجاه أوروبا، لذلك أي محاولة تبذلها القوى الأوروبية لوقف أزمة المهاجرين عند الشواطئ الليبية، سيكون مصيرها الفشل إذا لم تُعالج شؤون الأمن والحكم في جنوب ليبيا. أخيراً، استغلّ المتطرفون المنتمون إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وما يُسمّى الدولة الإسلامية، الفوضى المتعاظمة في ظل غياب القانون، من أجل تطوير لوجستياتهم وإنشاء ملاذات آمنة، علماً أن اختراقهم الفعلي للمجتمع الجنوبي أكثر محدودية مما يُعتقَد عادةً.
منذ اندلاع الثورة في العام 2011 ضد الديكتاتور الليبي معمر القذافي، تأثّر الجنوب بالمسائل الأمنية في أماكن أخرى في البلاد، ما ضاعف المشاكل التي تعاني منها هذه المنطقة حصراً. ومن التحديات الأكثر إلحاحاً التي يواجهها الجنوب، ضحالة المصادر التي تؤمّن إيرادات محلية فضلاً عن الضعف المؤسسي، ولاسيما في القطاع الأمني وفي إدارة البلديات. تُضاف إلى ذلك صراعات الهوية، وأصالة الانتماء، والجنسية، وتشمل الإرث الذي خلّفته سياسات فرّق تسد التي اعتمدها الديكتاتور الراحل، وتفضيله الأشخاص المنتمين إلى بعض القواعد القَبَلِية لتجنيدهم في أجهزته الأمنية. وتسبّب النزاع السياسي الوطني والتدخّل من كل من أفرقاء ليبيين خارج الجنوب كما من أفرقَاء ينتمون إلى بلدان مختلفة خارج ليبيا، باشتداد التنافس المتمحور حول الاثنية والقبلية للسيطرة على حقول نفطية، وطرقات التهريب، والحدود.
نتطرّق في ما يلي إلى العوامل الأساسية المُسبِّبة لانعدام الأمن في الجنوب، وإلى الجهات الأمنية الكبرى– النظامية وغير النظامية على السواء– في مناطق معينة، ونقترح توصيات موجّهة إلى الحكومة الليبية والمجتمع الدولي.
هويات مُتنازَعة: التبو والطوارق
يُعتبر الاستياء من عدم المساواة في الحصول على حقوق الجنسية من عوامل الضغط الأشد وطأة التي تساهم في غياب الأمن في الجنوب. ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى التلاعب الوقح الذي مارسه معمر القذافي في مسألة الجنسية، بهدف ضمان ولاء أبناء القبائل في الجنوب. ويتأتّى السخط، على مستوى أوسع نطاقاً، من التهميش المنهجي لجماعتَين كبيرتين غير عربيتين في الجنوب، هما التبو والطوارق، اللتين قطع لهما الديكتاتور الليبي، مع التركيز في شكل خاص على الطوارق، وعداً بالحصول على حقوق الجنسية كاملةً، في مقابل الالتحاق بالأجهزة الأمنية التابعة له. غير أن هذه الوعود لمّا تتحقق قط، وقد كان الإرث الذي خلّفته، مقروناً بالتنافس الاقتصادي والانهيار المؤسسي، من المُسببات الأساسية للصراع في مرحلة مابعد 2011.
التبو
التبو شعب أفريقي داكن البشرة يُقيم في جبال تيبستي شمال تشاد، وفي جنوب شرق ليبيا، وأجزاء من النيجر والسودان. كانوا، على امتداد تاريخهم، مجتمعاً من رعاة الجمال قوامه العشيرة، ويتكلّمون لغة من عائلة اللغات النيلية–الصحراوية. كان التبو في ليبيا دوماً شعباً منفصلاً عن المجموعات الأخرى، وعانوا في ظل النظام الملَكي الليبي، على الرغم من أن الملك إدريس– الذي أطاحه القذافي في العام 1969– كان يعتبرهم من حرّاسه الشخصيين. وُضِعت قوانين جديدة للجنسية في العهد الملَكي فرضت حيازة سجلات عائلية مدوّنة، غير أن ثقافة التبو شفوية، بما أنهم شعب شبه بدوي، وأمّي في معظمه.1
في عهد القذافي، ازداد وضعهم سوءاً. فقد أقصاهم من مشروعه العروبي، واستخدمهم بيادق في خلافه مع تشاد على قطعة أرض غنية باليورانيوم تُعرَف بقطاع أوزو، وتضم جبال تبسيتي. وخلال الاحتلال الليبي لقطاع أوزو، منح القذافي الجنسية للآلاف من أبناء التبو، فيما جنّد آخرين في حربه مع تشاد. ثم بعد هزيمته، وقيام محكمة العدل الدولية بمنح قطاع أوزو إلى تشاد في العام 1994، تخلّى عن التبو، فسحب منهم الجنسية، وحرمهم من الحصول على الوظائف والسفر، ولم يستثمر في التعليم والرعاية الطبية في مناطقهم.2
تحوّلت حياة التبو شيئاً فشيئاً إلى مايُشبه الجحيم، وتجلّى ذلك بوضوح فاقع في واحة الكفرة جنوب شرق البلاد، حيث عاش التبو لمئات السنين. فقد أصبحوا شعباً من دون جنسية يسكن في أكواخ مصنوعة من الكرتون مع سقوف من القصدير، من دون مياه جارية أو كهرباء. هذا في حين أن جيرانهم في الكفرة المُنتمين إلى قبيلة الزوية العربية كانوا يقيمون في فيلات ويقودون شاحنات من طراز “مرسيدس“، مستمتعين بالحظوة التي كانوا يتمتعون بها لدى القذافي. كانت قبيلة الزوية تسيطر أيضاً على حقول النفط ومسالك التهريب المحلية: فكان البنزين والسلع المدعومة من الحكومة مثل السميد والسكر وزيت الطهي تتجه جنوباً، في حين أن المهاجرين الأفارقة كانوا يتجهون شمالاً.3
بالتالي، لم يكن مفاجئاً قطّ أن تكون التبو قد التحقت بانتفاضة 2011، وعاد قادتها المعارِضون إلى ليبيا من المنفى في النروج. أرسل القذافي مبعوثين لإغرائهم بالمال والسلاح، ومُجدّداً الوعود بمنحهم الجنسية، غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل. فقد انضم عناصر التبو الذين انشقّوا عن الجيش إلى نظرائهم من قبيلة الزوية، ووضعوا العداء المتبادل بينهم جانباً لبعض الوقت. زوّدتهم الحكومة السودانية المجاورة بالأسلحة، حتى إنها أرسلت جنوداً، انتقاماً من دعم الحاكم الليبي آنذاك لمجموعة الثوار في دارفور المعروفة بحركة العدل والمساواة. وبعد سقوط الكفرة، توجّه التبو شمالاً وغرباً، لحراسة الحدود الجنوبية. وعند انتهاء الحرب، كانوا يسيطرون على مساحة شاسعة من المعابر الحدودية، والحقول النفطية، والاحتياطيات المائية، ومستودعات الأسلحة. وانتعشت آمالهم لفترة وجيزة.4
قال مقاتل من التبو تحوّل إلى ناشط، في مقابلة معه في شباط/فبراير 2016: “كان كل شيء أشبه بالنعيم في ذلك الوقت، لا تبو، لا زوية“. انضم التبو إلى قبائل إثنية ولغوية أخرى في مختلف أنحاء البلاد للمطالبة بالحقوق الثقافية والتمثيل السياسي، لكنه أردف قائلاً: “كنت أعلم أننا سنواجه مشاكل. كان الجميع يتحدثون عن سطوة التبو“.5
اعترفت الحكومة الانتقالية الجديدة بسيطرة التبو على الحدود التشادية والسودانية عن طريق قائد ميليشيا التبو والزعيم المعارض المخضرم، عيسى عبد المجيد منصور. جمع منصور وأفراد آخرون من التبو ثروة طائلة من عائدات التهريب، وأصبحوا أكثر جرأة في مطالبهم السياسية. لم تبدِ السلطات في ليبيا استعداداً لمعالجة هذه التظلمات. وبدت متعنّتة خصوصاً في موضوع الجنسية. قال ناشط من التبو: “لا تريد الحكومة فتح ذلك الباب“.6 قبل انتخابات 2012، عمد مديرو الانتخابات من قبيلة الزوية الذين يعملون مع المجلس الوطني الانتقالي، إلى شطب عدد كبير من ناخبي التبو من السجلات بذريعة أن جنسيتهم مزوّرة. لاشك أنه كان لهذه الذريعة أساس من الصحة في بعض الحالات، لكنها أثارت غضب التبو. فقد اعتبروا أن السلطات الجديدة في البلاد أحيت سريعاً الأحكام النمطية التي كانت سائدة في عهد القذافي.
في الكفرة، احتدمت التوترات لأول مرة في شباط/فبراير 2012. كانت قبيلة الزوية قد خسرت حصتها من عمليات التهريب ومصادر أخرى للدخل، وأرادت استعادتها، فأنشأت نقطة تفتيش جنوب المدينة، على بعد بضعة أمتار فقط من نقطة تفتيش عائدة للتبو. بعدها، أقدم رجل من قبيلة التبو على قتل صاحب متجر من قبيلة الزوية، فقصفت ميليشيات الزوية أحياء التبو الفقيرة بقذائف الهاون والصواريخ. كان حي مُختلط مؤلّف من شقق بناها السويديون، ويُدعى السويدية، يفصل بين الجانبَين. وقد لقي مدنيون مصرعهم في التبادل العشوائي للنيران.7
أرسلت حكومة طرابلس، في خطوة تحوّلت إلى نمط متكرّر، ميليشيات درع ليبيا التي تتخذ من بنغازي مقراً لها لوقف القتال، ففشلت في مهمتها، مع وقوفها إلى جانب قبيلة الزوية وقيامها بقصف أحياء التبو. استتب الهدوء عندما حلّت مكان درع ليبيا ميليشيا أخرى من بنغازي بأمرة قائد آخر أكثر حيادية. اجتمعت وفود من مشايخ القبائل من مختلف أنحاء البلاد في المدينة وأبرمت اتفاق سلام في تموز/يوليو 2012 أفضى إلى إبقاء السيطرة في أيدي قبيلة الزوية. بيد أن معظم مؤسسات الكفرة، على غرار المدارس والمصارف، لايزال يحكمها الفصل بين أبناء القبيلتَين حتى يومنا هذا.8 وقد شهدت البلدة موجات متواصلة من العنف، وتوغّلات عبر الحدود من السودان، وصعود نجم الميليشيات السلفية الخاضعة إلى سيطرة الزوية.9
في غضون ذلك، شكّل صعود نفوذ التبو إبان ثورة 2011 تهديداً للعلاقات مع الطوارق في الغرب.
***
فريدريك ويري – زميل برنامج الشرق الأوسط يركز في أبحاثه على الشؤون الأمنية، والعلاقات المدنية العسكرية، وسياسات الهوية في شمال أفريقيا والخليج.
***
هوامش
1 للاطلاع على معلومات عن التبو، انظر: Philip Martin and Christina Weber, “Ethnic Conflict in Libya: Toubou,” Norman Paterson School of International Affairs, Carleton University, June 21, 2012; وأيضاً: Christophe Boisbouvier, “Libye : quand les Toubous se réveillent” [Libya: When the Tabu Awaken], Jeune Afrique, May 5, 2012, http://www.jeuneafrique.com/141629/politique/libye-quand-les-toubous-se-r-veillent/; وأيضاً: Rebecca Murray, “Libya’s Tebu: Living on the Margins,” in The Libyan Revolution and Its Aftermath, edited by Peter Cole and Brian McQuinn (London: Hurst & Co., 2015), 303–19.
2 للمعلومات عن الخلاف الليبي مع تشاد، انظر: John Wright, Libya, Chad and the Central Sahara (London: Rowman & Littlefield Publishers, 1989).
3 مقابلة أجراها المؤلف مع ناشط من قبيلة التبو، طرابلس، ليبيا، شباط/فبراير 2016.
4 Alex de Waal, “African Roles in the Libyan Conflict of 2011,” International Affairs 89, no. 2 (March 2013): 365–79.
5 مقابلة أجراها المؤلف مع ناشط في التبو، طرابلس، ليبيا، شباط/فبراير 2016.
6 مقابلة أجراها المؤلف مع ناشط في التبو، طرابلس، ليبيا، شباط/فبراير 2016.
7 Agence France-Presse, “Libya Army Deployed to Kufra After Deadly Clashes: Chief,” Al Arabiya News, February 23, 2012, https://english.alarabiya.net/articles/2012/02/23/196606.html.
8 مقابلة أجراها المؤلف مع مقاتلين ميليشياويين من قبيلة الزوية، نتحفظ عن ذكر موقع إجراءها، أيلول/سبتمبر 2015، ومكالمة هاتفية مع ناشط من التبو، نتحفظ عن ذكر موقع إجراءها، أيلول/سبتمبر 2016.
9 “Kufra Salafist Brigade Kills 13 JEM Members Near Jaghboub: Report,” Libya Herald, October 20, 2016, https://www.libyaherald.com/2016/10/20/kufra-salafist-brigade-kills-13-jem-members-near-jaghboub-report/.
______________