لم يكن الحراك الاجتماعي التونسي وحسب إحدى خصائص الانتفاضات العربية عام 2011؛ فقد لعب كذلك دوراً إيجابياً في إقامة المؤسسات الديمقراطية منذ ذلك الحين.
تعاني تونس كثيراً من الأمراض التي تعانيها بلدان عربية أخرى: الحوكمة الفاسدة، والفساد، والظلم، وبطالة الشباب، والتطرّف. غير أن نظام تونس الديمقراطي الوليد، والعقد الاجتماعي الجديد، والمجتمع المدني الذي أعيد إحياؤه، توفّر كلها أدوات غير موجودة في بلدان عربية أخرى، مع أنها لا تقدّم حلولاً سحرية لجميع المشاكل.
في السنوات التي أعقبت الانتفاضة الشعبية المثيرة في كانون الأول/ديسمبر 2010، حقّق التونسيون تقدّماً مشهوداً في بلوغ إجماع ناظم جديد، في أجواء حيوية مُفعمة بروح الحراك الاجتماعي لمرحلة ما بعد الثورة. وعلى الرغم من الاختلافات الأساسية بين القوى العلمانية والدينية في تونس، استطاع التونسيون الاتفاق على دستور يؤمّن موقعاً لجميع الفئات في المجتمع – مع دعم التداول السلمي للسلطة، ومنح كامل الحقوق للمرأة، وضمان حماية حرية الرأي والتعبير والمعتقد. وتمثّل تونس نموذجاً فريداً للمصالحة والتداول السلمي للسلطة في المنطقة.
غير أن النضال السياسي يتواصل، مع أن كثيرين يُعربون عن القلق من أن إدارة الرئيس الباجي قائد السبسي، الذي بلغ التسعين، استعادت بعض السمات التي كانت خصيصة لنظام زين العابدين بن علي. ويتعيّن على النظام السياسي الجديد أن يفي بالوعد الذي قطعه على نفسه بإيجاد الحلول لمشاكل تونس الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. من بين الأولويات العاجلة وضع رؤية اقتصادية للبلاد، والتصدي للفساد المتواصل، وتنمية القدرة على اتخاذ القرار على الصعيد المحلّي.
وفي حين لم تعد تهيمن على مقدرات تونس أسرة حاكمة تُصرّ على احتكار ثروة البلاد، لاتزال القوانين والسياسات الرامية إلى ديمومة لعبة اقتصادية مُغلقة، هي والفساد، تنهش البنية الاقتصادية. كذلك، وعلى الرغم من التحوّلات السياسية المثيرة في تونس، انخفض الترتيب على مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية من 43 (من مئة، أي “نظيف جدّاً“) في العام 2010، إلى 38 في العام 2015.
لقد كافح التونسيون للبدء بالإصلاحات الاقتصادية عن طريق ردم الفجوات القائمة بين المصالح المتضاربة التي يمثّلها جهاز إداري بيروقراطي ضخم، وبين تنظيم نقابي عمالي (هو الاتحاد العام التونسي للشغل)، وأصحاب الأعمال التجارية المرتبطون بالنظام القديم، والمبادرون الرياديون الشباب، والشباب المتعطّلون المطالبون بوظائف في القطاع العام.
القضايا الأصعب حلّاً هي المشاكل التي دفعت محمد البوعزيزي إلى التضحية بنفسه على هذا النحو المهيب في كانون الأول/ديسمبر 2010، حين انطلقت شرارة الانتفاضة التونسية: وهي تشمل التهميش الاقتصادي لسكان الأرياف، واعتمادهم على الاقتصاد غير النظامي الذي يشمل التهريب وبيع التجوّل، وتعرضهم إلى الابتزاز والمضايقة من جانب المسؤولين المحليين. ويعترف المسؤولون بالحاجة إلى تنمية الأحياء الداخلية الفقيرة في المناطق الحضرية، لكن لم يُنجَز في هذا المجال إلا القليل.
أما توفير الخدمات في المناطق الساحلية والداخلية فيختلف اختلافا بيّناً، وقد أدى ذلك إلى استقطاب التونسيين – أي من يقيمون في المناطق التي تتمتع بالامتيازات وتتوفّر فيها العمالة الرسمية أو التوظيف في القطاع العام، مقابل المقيمين في المناطق المهمّشة الأقل انتفاعاً من فرص الاستخدام النظامي والخدمات الحكومية. ولم يؤدِّ هذا الإجحاف الاقتصادي الاجتماعي إلى تعاظم الاحتجاج السياسي وحسب، بل أسفر كذلك عن مفاقمة نزعات التطرف العنيفة.
يعود جزء من أسباب التباطؤ في تنمية الاقتصاد والحوكمة خارج المناطق الساحلية إلى التأجيل المتكرّر لبدء الإجراءات الرامية إلى استحداث اللامركزية، حيث إن ذلك يستوجب تحويل صلاحية اتخاذ القرار والإشراف على المخصصات المالية من المركز إلى المناطق المحلية. ولايزال تعيين المسؤولين المحليين يتم بقرار من الحكومة المركزية، وليس في متناولهم غير الموارد الشحيحة، إلا إذا استطاعوا اجتذاب معونات أجنبية. كان من المقرر إجراء انتخابات محلية للمرة الأولى في العام 2016، غير أنها أُرجئت أكثر من مرة لأن غالبية الأحزاب السياسية لاتزال تشعر بأنها عاجزة عن التعبئة الشعبية في جميع أرجاء البلاد.
كما أن تونس معرَّضة إلى المخاطر الوافدة من الجارة ليبيا. فقد كان للتونسيين الذين دبّروا في العام 2015 الهجمات الإرهابية الثلاث التي ألحقت أبلغ الضرر بقطاع السياحة في تونس روابط مع معسكرات للتدريب في ليبيا، بل إن المسلحين الليبيين من تنظيم الدولة الإسلامية حاولوا السيطرة على بلدة بنقردان الحدودية التونسية في آذار/مارس 2016. ومع ذلك، يشكّ الليبيون أنفسهم بأن الحركات الجهادية التونسية قد أسهمت في إفشال الدولة في ليبيا.
على الرغم من هذه المشاكل، تتمتع تونس بأصول ومصادر قوة عدّة مهمة. فقد كان التونسيون في وضع ممتاز للاستفادة، جزئياً على الأقل، من الانفراج السياسي في العام 2011، جرّاء استثمار الدولة التاريخي الكبير في التنمية البشرية، مقارنةً مع البلدان العربية الأخرى والأفريقية. ويصدق ذلك بصورة خاصة على نواحي التعليم وتمكين المرأة، وهي المجالات التي تمتّعت باهتمام خاص خلال حكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة الذي استمر ثلاثين سنة، قبل الإطاحة به في العام 1987. ومع أن بورقيبة وخليفته بن علي لم يكونا ديمقراطيين بأي حال من الأحوال، فإنهما سمحا بتنمية رأس المال البشري، بل سانداه إلى حد ما، الأمر الذي أسفر عن توليد حراك اجتماعي مهم. وقبل العام 2011، كان التونسيون قد أقاموا مؤسسات مستقلة على نحو ما عن الحكومة، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، ونقابة المحامين، وجمعيات المجتمع المدني، بما فيها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أصبحت في العام 1976 الأولى من نوعها في الدول العربية.
منذ الثورة التونسية، تنامت وازدهرت الحريات، مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية التجمّع، وحرية التنظيم السياسي، وأسفر ذلك عن تأسيس منظمات مجتمع مدني جديدة وقوية، وانتعاش منظمات قديمة، ما يؤكد الطابع التعددي الديناميكيّ للمشهد السياسي في البلاد. وكان المثال الأكثر إثارة على دور المجتمع المدني، هو التوصل في العام 2013 إلى التسوية والمصالحة التي أنقذت الانتقال الديمقراطي الوليد في البلاد، واستحقت بعض منظمات المجتمع المدني التونسية على أساسها جائزة نوبل للسلام في العام 2015.
كما تقوم منظمات المجتمع المدني تلك بتوليد أفكار سياسية تضيّق الفجوات بين المواقف الاجتماعية والسياسة، وتؤكد على أهمية الشفافية في أنشطة الحياة اليومية التي لاتلقى الاهتمام الكافي على الصعيد العملي. وبصورة عامة، يتجاوب المشرّعون المُنتخبون وبعض الوزراء المعنيين مع مداخلات تلك المنظمات، وهو وضع يختلف كل الاختلاف عما كان سائدا من قبل. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن كثيراً من هؤلاء المسؤولين أتوا من منظمات المجتمع المدني نفسها أو أنهم، على الأقل، يثمّنون ما يمكن أن تقدّمه من مساهمات. وقد تضافرت زيادة قدرات المجتمع المدني مع ظهور أوجه جديدة لمساهمته في اتخاذ القرارات الحكومية، وتنمية الآليات الخاصة بالمحاسبة والمساءلة أمام المواطنين، وشقّت كلّها دروباً مُمكنة قد تسلكها تونس لمواجهة التحديات في مجالات الاقتصاد والحوكمة.
***
المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود
إجتماعية