صدر عن برنامج كارنيغي للشرق الأوسط هذا التقرير الذي وضعه باحثون في مؤسسة كارنيغي. وهو أحد تقارير مشروع آفاق العالم العربي الذي يُنفّذ على سنوات عدة بعد إطلاقه في تشرين الأول/أوكتوبر 2015، والذي يهدف إلى إلقاء أضواء ساطعة على الأحداث المضطربة التي مر ويمر بها العالم العربي.
ولأهمية الموضوع يقوم المنبر بنشر بعض أقسام التقرير على عدة أجزاء، وفي هذا الجزء سنتناول “المشهد السياسي” الكارثي
الجزء الثالث
المشهد السياسي
في الوقت الذي أدركت فيه الأنظمة الملكية العربية، وحكومات تونس بعد الثورة بالتأكيد، الحاجة إلى التغيير، إلا أن معظم الأنظمة تنخرط في سلسلة من الألاعيب الخطرة للحفاظ على البقاء. ومن المفارقات أن ردودها القسرية على الانتفاضات فاقمت التحديات عميقة الجذور في المجالات الاقتصادية الاجتماعية، والسياسية، والأمنية، والثقافية، ما يجعل استعادتها للسيطرة مهمة أكثر صعوبة. إذ لم يعد السؤال هو العودة إلى الأوضاع السابقة، بل كيفية الصمود في وجه تفكّك، أو انهيار، أنظمتها السياسية ومساوماتها السلطوية. وتكافح الدول العربية عمليات التحول المتسارعة في أربعة مجالات رئيسة: الحوكمة، والنزعة الريعية، والأمن، وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات.
الحوكمة
المشهد الجيوسياسي
لازالت أغلب البلدان العربية تواجه أزمة في مجال الحوكمة، على الرغم من تعدد استجاباتها في هذه الناحية. ويصر الكثير من البلدان التي لم تشهد مثل هذه الانتفاضات على أن الاضطراب الراهن في المنطقة نجم عن هذه الانتفاضات، وهي تحاول بالتالي العودة إلى الاستقرار الذي كان ينعم به النظام العربي عشية العام 2011، وتبذل الجهود لخلق أنظمة حكم أكثر إدماجاً للجميع واستجابةً لمطالبهم. كما أن بلداناً أخرى قد دهمتها الحروب الأهلية، أو تتّجه، على غرار مصر، نحو المزيد من القمع وإرساء نوع جديد من الحكم السلطوي.
لقد بدأت العقود الاجتماعية العربية بالتآكل في مطلع القرن الواحد والعشرين؛ إذ لم تعد الميزانيات المتضخمة قادرة على تغطية نفقات المستويات المناسبة من التحصيل العلمي، والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، كما أخفقت في خلق بيئة سليمة لنمو القطاع الخاص واستحداث فرص العمل وعندما تتوقف العقود الاجتماعية عن أداء تلك الأدوار بشكل سليم، ينزل الناس إلى الشوارع.
كثيراً ما تميل أنظمة الحكم، في الاستراتيجيات التي تتبعها للمحافظة على السلطة، إلى إعطاء الأفضلية لفئة دون أخرى، أو خفض مرتبة النساء إلى مستوى الدرجة الثانية، إما من خلال الدساتير أو القوانين التي تحد من التطبيقات العملية لهذه الدساتير. ويوضح ذلك الأسباب التي لم يُعتبر فيها التنوّع الثقافي والإثني والديني مصدراً للقوة، بل على العكس مظهراً من مظاهر الضعف السياسي.
من هنا، كانت الحاجة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أحد المطالب المشتركة التي طرحتها الانتفاضات العربية. ذلك أن افتقار المواطنين إلى المساواة في مجال الحماية أمام القانون قد دفعهم تدريجياً إلى تبنّي أطر ضيقة لتعريف الهوية، ترتكز أساساً على الدين، أو القبيلة، أو الجغرافيا، بوصف هذه المكونات وسائط أكثر فعالية لمعالجة مظالمهم. وفي بلدان مثل العراق، ولبنان، وليبيا، وسورية، تكون الانتماءات القبلية أو الطائفية في أغلب الأحيان أقوى من علاقاتهم بالدولة.
إن عدو الحكم السيّئ هو، في العادة، جمهور متعلّم ومثقّف وقادر على التفكير النقدي والتسامح تجاه وجهات النظر الأخرى. ولهذا السبب، إن أحد المجالات التي تستلزم إصلاحات جدية هو التعليم، في الدرجة الأولى نوعية التعليم. أما العنصر الغائب في كثير من البرامج التعليمية العربية فهو المناهج الدراسية التي تشجع على نمو مفهوم المواطنة، وتفضي إلى بناء الدولة على نحو سليم عن طريق تعليم القيم، بما فيها التسامح واحترام التنوّع.
بدلاً من ذلك، يُطالَب الأطفال العرب اليوم في سنٍّ مبكرة بأن يكبتوا الفوارق الشخصية لصالح الأهداف العامة الكبرى، ويُشجَّعون على أن يفكروا في بعد واحد. أما التفكير النقدي فلا يلقى التقدير ولا التشجيع. وتجري تربية أجيال كاملة على الاعتقاد بأن الولاء للبلاد يعني الولاء للحزب، أو النظام أو الزعيم الذي يتولى الحكم فيه. وتؤدي ردود الفعل هذه إلى إحباط المساعي الرامية إلى تحقيق الحوكمة الرشيدة.
كانت الدعوة إلى المساءلة والشفافية من الموضوعات المشتركة الأخرى في الانتفاضات. ففي الدراسة الاستقصائية “أصوات عربية“، التي أجرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في العام 2016، أفاد الخبراء الذين استُطلعت آراؤهم أن النزعة السلطوية والفساد يمثلان اثنتين من القضايا الثلاث الأهم التي تواجه المنطقة: فمن أصل 103 خبراء أشار 65 خبيراً إلى النزعة السلطوية و48 منهم إلى الفساد باعتبارهما القضيتين الأكثر إلحاحاً.
تمثّل تونس نموذجاً فريداً لدولة استجابت لهذه التحديات، عبر الإقدام على صوغ عقد اجتماعي مستقبلي شامل – يمنح المرأة حقوقاً متساوية، ويضمن الحقوق لجميع المكونات المجتمعية، ويرسي الدعائم لدولة ديمقراطية – حتى ولو لم تتغلب الدولة على مشاكلها الاقتصادية والأمنية. وقد اتخذت قطر والإمارات العربية المتحدة، اللتان تقاومان الّلبْرَلَة السياسية، خطوات لتحسين البيئات التنظيمية الاقتصادية فيهما. غير أن أكثر البلدان العربية قد تمكنت من إجراء إصلاحات تجميلية، أو تبنّت سياسات تضع القضية الأمنية فوق كل اعتبار.
إن فشل الأحزاب الإسلامية، الذي تجلّى في أبرز صوره في مصر، من خلال طرح نماذج حوكمية بديلة جديرة بالثقة، وانتشار الخوف من الحركات العنيفة والتقاطع بين هاتين الناحيتين، سهّلا قيام ثورة مضادة مماثلة لما حدث في أوروبا العام 1848، والأرجح أن المحاولات لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل العام 2011 ستبوء بالفشل لأن مشاعر الإحباط التي أدت إلى الانتفاضات لازالت ماثلة للعيان. وتُعتبر المنطقة بحاجة ماسة إلى عقود اجتماعية جديدة مُتفق عليها لتلبية مطالب المواطنين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. لكننا لم نشهد حتى الآن دليلاً على أن أغلب البلدان العربية، باستثناء تونس، تخطط للتحرك في هذا الاتجاه.
النزعة الريعية
خلال العقود الأخيرة، أفادت معظم البلدان العربية على نحو ما، من الموارد الوفيرة في المنطقة. ولا يشمل ذلك منتجي المواد الهيدروكربونية وحسب، الذين استطاعوا استخدام الأرباح لشراء الولاء وتأسيس ما اعتُبر دول رفاه بالفعل، بل شمل كذلك البلدان غير المنتجة للنفط، التي انتفعت من تدفّق المعونات أو رؤوس الأموال من البلدان المنتجة للنفط، أو من التحويلات النقدية التي يرسلها مواطنوها العاملون في الدول المنتجة إلى بلدانهم.
بيد أن احتياطيات النفط الضخمة في الشرق الأوسط أثبتت أنها كانت نقمة بقدر ما كانت نعمة. فبالإضافة إلى التحسّن الواضح الذي أدخله النفط على نوعية الحياة المادية في المنطقة، إلا أنه خلق كذلك دولاً ريعية تستمد ثروتها في الأساس من بيع مواردها الهيدروكربونية إلى أطراف خارجية. ويقال إن أحمد زكي اليماني، الذي كان وزيراً للنفط في المملكة العربية السعودية قد صرّح ذات يوم: “في المحصلة، ليتنا اكتشفنا الماء“.
استخدمت حكومات البدان المنتجة للنفط دخلها كمورد ومزوّد عام لاحتياجات الشعب، بدلاً من تشجيع الاعتماد على النفس أو على النمو الذي يوجّهه القطاع الخاص. فأصبح المواطنون بالتالي عالة على الحكام في مجالات التوظيف، والخدمات، والمكرمات. وحيث أن الحكومات لم تكن بحاجة إلى فرض الضرائب على مواطنيها لتعزيز الدخل الوطني، فقد غدت مواجهة نزعة الدولة السلطوية أكثر صعوبة.
كان من نتائج ذلك أن الحكومات العربية في الدول غير المنتجة للنفط أصبحت تعتمد كل الاعتماد على المعونات ورؤوس الأموال الوافدة من البلدان المنتجة، بما في ذلك التحويلات النقدية المُرسلة من مواطنيها العاملين هناك، للتعويض عن عدم قدرتها على توفير الخدمات الاجتماعية لسكانها. وأسفر ذلك عن قيام نظام من الريعية الإقليمية غدت بوجبه أغلب البلدان العربية مرتبطة بشبكة من الثروة التي تصنعها الاقتصادات في البلدان المنتجة للنفط. كما أن النخب السياسية والاقتصادية في البلدان المنتجة للنفط وغيرها، مثل مصر والأردن وتونس، أفادت من الامتيازات التي قدمتها الأنظمة لقاء ما تقدمه من مشاعر الولاء. ومع مرور الوقت، أسفرت مظاهر الترف التي تتمتع بها تلك النخب ودلائل الجور والفساد في توزيع الموارد إلى تعاظم الإحساس بالاغتراب في أوساط الجماهير.
وما أن بدأ التفسّخ في العقود الاجتماعية العربية، حتى أخذت دول عدة، من بينها مصر والأردن وتونس بإجراء اصطلاحات اقتصادية. كان من المعتقد آنذاك أن الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يسبق الإصلاح السياسي إذا ما أُريد لهذه الدول أن تتجنب عدم الاستقرار الاجتماعي. غير أن عمليات الإصلاح الاقتصادي قصرت عن بلوغ الأهداف المرجوة لسببين:
الأول، هو أنه ما لم يُطبَّق الإصلاح السياسي الضروري لضمان الرقابة المشددة والإشراف البرلماني، فإن برامج الإصلاح الاقتصادي غير المُدققة بها كانت تميل إلى تحقيق منفعة نخبة صغيرة وليس السكان بصورة عامة. وقد جرت خصخصة العديد من الصناعات في الدولة، على الرغم من ضرورتها، بمعزل عن الشفافية التامة، الأمر الذي ولّد الانطباع، المُبرّر غالباً، بتفشي الفساد. وأظهر مسح البارومتر العربي العام 2016 أن غالبية كبيرة من العينة التي شملتها الدراسة في كلٍّ من الدول – وهي الجزائر ومصر والأردن والمغرب وفلسطين وتونس – تعتقد أن الفساد منتشر في أجهزة الدولة ومؤسساتها إلى حد “كبير” أو “معتدل“.
أما السبب الثاني فهو أن غالبية برامج الإصلاح الاقتصادي لم تولِ اهتماماً كافياً للاختلال الاجتماعي الناجم عن ذلك. فمع أن المدركات عن الرفاه الاقتصادي ترتبط في العادة بصورة إيجابية بالتوسع في الناتج المحلي الإجمالي، فإن استطلاعاً أجرته مؤسسة Gallup عشية الانتفاضة المصرية وجد أن العكس هو الصحيح: فبينما نما الاقتصاد المصري بنسبة 5 في المئة العام 2010، فإن واحداً من كل خمسة من المصريين لاحظوا تحسّناً في الأوضاع الاقتصادية. ونتيجةً لذلك، بدأ الجمهور يربط الإصلاح الاقتصادي، لا بالازدهار والتحسّن في مستوى معيشهم، بل بالفساد والتعسّف الاقتصادي.
إذا استمر الانخفاض الحالي في أسعار النفط لعدة سنوات مقبلة، كما هو متوقع، فإن ذلك سيطرح تحديات كبيرة أمام الأنظمة الريعية في المنطقة. فقد بدأت المملكة العربية السعودية بتغيير أنموذج المساعدات التي تقدّمها من مقاربة تقوم على تقديم المنح إلى أخرى تستند إلى الاستثمار. وسيزيد ذلك من الضغوط المفروضة على الحكومات التي تتلقى المساعدات لتحسين أدائها الاقتصادي، وتبتعد عن نظام الرفاه الاجتماعي إلى نظام يعتمد على الجدارة والاستحقاق والتوسّع الذي يوجّهه القطاع الخاص.
لقد وصل النموذج الريعي، الذي انتشر على نطاق واسع في المنطقة حتى الآن، إلى مرحلة التشبّع. كما بلغت الحكومات الحدود القصوى من قدرتها على المحافظة على فرص العمل في القطاع العام، وعلى زيادة مديونيتها العامة، والمحافظة على القروض الخارجية. غير أن المحاولات الرامية إلى تغيير هذه الأنظمة ستواجه مقاومة كبيرة من النخب السياسية والاقتصادية التي لاتريد أن تخسر ماتتمتع به من امتيازات. ومن المتوقع أن تبرز المعارضة في أوساط أجهزة الدولة البيروقراطية التي تفتقر إلى رؤية لكيفية الانتقال إلى نظام من النمو الشامل المُستدام.
لايمكن للعالم العربي أن يسعى إلى تنمية اقتصادات مزدهرة بغير التخلّي عن الأنظمة الريعية. غير أن الانتقال سيكون عسيراً جدّاً، بسبب اعتماد الحكومات الكلّي لعقود عدة على الموارد الريعية. وبما أن المجتمعات العربية مُطالبة بالتضحية عن طريق تخفيض دعم المواد الاستهلاكية، والقبول بعدد أقل من الوظائف الحكومية، واختصار الخدمات وأنواع الدعم بصورة عامة، فسيصبح أصعب على قادة هذه المجتمعات أن يحولوا دون إشراك المواطنين في عملية صنع القرار. ولن تكلَّل مساعي الإصلاح الاقتصادي في العالم العربي بالنجاح إلا إذا صاحبتها عملية إصلاح سياسي تمنح الناس أدواراً مؤثرة وتسهم في بناء الضوابط والتوازنات.
القطاع الأمني
أسهمت هيمنة القطاعات الأمنية والعسكرية في الدول العربية إلى حدٍّ كبير في الأزمات السياسية والحوكمية الراهنة. ففي البلدان التي شهدت انتفاضات شعبية، تعاظمت غضبة الجماهير وتزايد سخطها جرّاء انتهاكات الشرطة. لكن حتى عندما حققت تلك الثورات النجاح، فشلت الحكومات المؤقتة الضعيفة والهيئات التمثيلية التي تفتقر إلى الخبرة، في وضع إصلاح القطاع الأمني على الأجندة العامة.
كان مثل هذا الإصلاح كان سيطبق على الجهات المولَجة إنفاذ القانون، وأجهزة الأمن، وأجهزة الدولة شبه العسكرية أو القسرية الأخرى. كما كان سيشمل نقلة موازية في العلاقات المدنية–العسكرية لوضع القوات المسلحة الوطنية تحت السيطرة الواضحة للسلطات المدنية المُنتخبة ديمقراطياً. لكن، بدلاً من ذلك، لجأت الفصائل السياسية المتزاحمة إما إلى التنافس للسيطرة على القطاع الأمني والقوات المسلحة أو إلى السعي لاسترضائها. كما أن العجز عن المشاركة في الإصلاح قد كشف النقاب عن البقية الباقية من مخلفات النظام السابق المتمثّلة في الشخصيات والشبكات الكامنة في المؤسسات الأمنية والعسكرية.
نتيجةً لذلك، انهارت المؤسسات الأمنية والعسكرية في ليبيا واليمن، على سبيل المثال، انهياراً تامّاً، الأمر الذي فتَّ من عضد الدولة وعمّق الخلافات فيها. وقد أدت بعثرة المجتمعات الليبية واليمنية وتجزئتها على أسس مناطقية، وقبلية وطائفية–إثنية إلى مآزق أمنية متعددة. وبالتالي، أصبحت إعادة بناء القطاعات الأمنية المركزية جزءاً لا يتجزأ من إعادة تعريف شخصية الدولة وتحديد أهدافها وإعادة التفاوض حول العلاقات بين الدولة والمجتمع، مع زيادة التعقيد إلى حد كبير في كلتا المهمتين. وظهرت هذه المآزق نفسها في سورية منذ العام 2011، وفي العراق منذ العام 2009. فعندما أصبح نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق، انهار الجيش العراقي إلى حدٍّ بعيد، وأدى ذلك إلى نشوء قوات الحشد الشعبي التي يسيطر عليها الشيعة.
في بلدان أخرى، سمحت مغادرة الزعماء الأقوياء الأوتوقراطيين الساحة السياسية للقطاعات الأمنية والقوات المسلحة بتعزيز استقلالها الذاتي. واتضح ذلك بأجلى صوره في مصر، عندما تواطأت قوى الأمن والجيش في شهر تموز/يوليو 2013 لإطاحة أول رئيس مدني مُنتخب. غير أنها فشلت في تحويل السلطة القسرية إلى قوة ضبط سياسية واجتماعية مستقرة، ناهيك عن حل المشاكل البنيوية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، الذي تغلغلت فيه قوى الأمن والجيش بصورة مكثفة.
على العكس من ذلك، حققت الأحزاب السياسية في تونس إنجازاً ديمقراطياً بحلّ الخلافات القائمة بينها من خلال الحوار واحترام نتائج الانتخابات. إلا أنها فشلت في تأكيد سيطرتها على وزارة الداخلية، التي لاتزال تمثّل صندوقاً أسود تسيطر عليه شبكات غير نظامية اخترقت القطاع الأمني.
برزت تيارت مماثلة في أنظمة الحكم الجمهورية العربية التي كانت تشهد انتقالاً سياسياً أو انتقالاً بعد مرحلة الصراع، غير أنها لم تبلغ الدرجة نفسها من التأزم التنظيمي أو الانهيار المؤسسي. وقد أسفر تآكل الأطر المؤسسية والتوافقات السياسية حول صلاحيات دوائر الدولة ومسؤولياتها إلى تردّي الأداء الإداري في القطاعات الأمنية في الجزائر ولبنان وفلسطين والسودان. وفي بعض الحالات، أدّى التوزيع الفضفاض للسلطات بين الأحزاب السياسية وتجمعات النخب والفصائل المؤسسية، إلى شلل القطاع الأمني والانتقاص من فعاليته وتقويض شرعية الحكومة. وفي بلدان أخرى، مكّنت هذه العوامل القطاع الأمني من العمل باستقلالية متزايدة بعد أن وضع سياساته وأولوياته الخاصة في غياب خطوط إرشادية متماسكة أو أهداف مرسومة من جانب الحكومة.
وما زاد من ضخامة التحدي الذي يمثّله ضعف الحوكمة أو غيابها عن القطاع الأمني، الانهيار الحاد أو الشلل الكامل الذي أصاب قطاع القانون الجنائي. فعندما تهاوى القطاع الأمني، كما حدث في ليبيا واليمن، تعرّض القضاة إلى الاغتيال أو اضطروا إلى الهرب، بعد أن تركوا مجتمعات محلية كاملة بدون محاكم قضائية رسمية؛ بل إن مسؤولي المحاكم تعرّضوا إلى الهجوم حتى في تونس، من موظفي القطاع الأمني الذين طالبوا بإطلاق سراح زملائهم الذين كانوا يحاكمون لإقدامهم على قتل مواطنين بغير مسوّغ قانوني.
أما السلالات الملكية العربية فكانت، على العموم، أفضل حالاً. إذ أن النخب الحاكمة في مجلس التعاون الخليجي والأردن والمغرب تلتف، نسبياً على الأقل، حول منظومة من الأهداف والسياسات المحورية، كما أن عمليات رسم السياسات فيها تتميّز بقدرٍ أكبر من التماسك والترابط الوثيق بين الأسر الحاكمة. ثم أن تحالف تجمّعات النخب مع القطاعات الأمنية والقوات المسلحة يعزز الولاء بين الأمن والجيش، بفعل الإنفاق الحكومي الكبير على الرواتب والمشتريات. وكان التقشف المالي يفاقم من صعوبة هذه العلاقة، كما حدث في الأردن العام 2010. كما أن الإصلاحات السياسية قد تكتسب في بعض الأحيان، وبدعم من الديوان الملكي، نفوذاً سياسياً جزئياً أعلى مما يمارسه القطاع الأمني، كما يحدث في المغرب منذ العام 2010. ير أن الأسر الحاكمة حافظت على علاقات الاعتماد المتبادل مع القطاعات الأمنية والقوات المسلحة في بلدانها. مع ذلك، يعني غياب الإصلاحات السياسية المُجدية أو المشاركة في السلطة، إلا في المغرب، أن السياسات المحلية في الأنظمة الملكية العربية بدأت تتحرك وفق ما يريده القطاع الأمني. والواقع أن القمع البوليسي، لايزال يمثل أحد العناصر الجوهرية لأنظمتها السياسية.
من هنا، ثمة ثلاثة تحديات أساسية تعترض الطريق. الأول هو أن اعتماد النفوذ السياسي على القدرة على بناء الوسائل القسرية والمحافظة عليها، غدا اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، على الرغم من التفاوت الكبير بين الأقطار العربية. وهذا مايدفع الجهود المعاكسة التي تبذلها دوائر الدولة إلى إضفاء الطابع المركزي على تنظيم القطاعات الأمنية والقوات المسلحة والسيطرة عليها من جهة، وما تبذله الدوائر غير الحكومية لإقامة الكيانات الأمنية والعسكرية الموازية الخاصة بها، من جهة أخرى. وقد غدت الازدواجية المؤسسية الناجمة عن ذلك من حقائق الحياة في العراق ولبنان وفلسطين والسودان وسورية واليمن. وهذا ما يعنيه أيضا التفاوت المتزايد بين القوات الخاصة ووحدات مكافحة الإرهاب الأفضل تدريباً وتسليحاً من جهة، والوحدات ذات التدريب المتدني، والتجهيز المتواضع، والأجور الشحيحة التي تشكّل الجانب الأكبر من القوات المسلحة في بلدان مثل الجزائر والأردن والمملكة العربية السعودية، من جهة أخرى.
ويكمن التحدي الثاني في أن تآكل كلٍّ من السلطة السياسية للحكومات وقدرة مؤسسات الدولة الأساسية، وما رافق ذلك من الأزمات المالية والمحسوبية الاقتصادية، قد وسّع نطاق الفساد في قطاعي الدفاع والأمن في أكثر البلدان العربية إن لم يكن فيها كلها. وترك ذلك آثاره على وظائف الدولة بجميع جوانبها، بدءاً من القبول في أكاديميات الشرطة والجيش، مروراً بالترقيات والتعيينات، وجميع جوانب عمليات الشراء، وانتهاءً بأداء المهام التشغيلية وتوفير الخدمات.
يُضاف إلى ذلك أن ضعف قدرات الدولة وانتشار النزاع المسلح تسبّبا في نشوء اقتصادات مكثفة قوامها التهريب على جانبي الحدود المشتركة. وقد اخترقتها وتغلغلت فيها القطاعات الأمنية إلى درجة غدا معها تفكيك الأسواق السوداء أكثر صعوبة. وأصبحت القوات المسلحة كذلك لاعباً اقتصادياً في دول عربية عدة، وانخرطت، بدرجات متفاوتة، في أعمال مسجّلة رسمياً أو في أنشطة الأسواق السوداء، أو عملت كوسيط في المضاربات الاستثمارية وتقاضي العمولات مع أفراد الأسر الحاكمة والنخب ذات النفوذ.
أما التحدي الثالث، فهو أن التوظيف في قطاعي الدفاع والأمن، الذي كان في أغلب الأحيان منجماً لفرص العمل ومشروعاً للضمان الاجتماعي، يتعرض الآن إلى الضغوط جرّاء التقشف المالي في كثير من الدول العربية. كما أن التوظيف في العديد من الدول يؤدي إلى إعادة تصنيف القطاعات الأمنية والقوات المسلحة على أسس مناطقية، أو قبلية أو ريفية–حضرية، أو سياسية–إيديولوجية، حسب السياق المحدّد في كل دولة.
تزيد هذه التحديات من مقاومة القطاع الأمني للإصلاح ولإعادة تحديد العلاقات المدنية–العسكرية في سياق الحوكمة الديمقراطية. وهي تعيق أيضاً إضفاء الصفة الاحترافية على القطاع الأمني والقوات المسلحة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، ودمج الميلشيات غير الحكومية في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وجسر الانقسامات الجهوية والجماعاتية في صفوف المجندين في القطاعات الأمنية والعسكرية. ومن أجل تحقيق تقدّم حقيقي، على الدول أن تضع إصلاح وحوكمة القطاع الأمني والقوات المسلحة على الأجندة العامة، كما أن على اللاعبين الدوليين أن يتجنّبوا إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب بصوره تنتقص من الجهود المبذولة لتحقيق الإصلاح. وتدعو الحاجة إلى قيام ثقافة للتشاور والحوار، من أجل بناء ائتلافات سياسية حول أهداف متّفق عليها تم متابعيها بصورة حثيثة عبر سياسات متماسكة ومقاربات منهجية ملموسة.
وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات
يشكّل المواطنون العرب مواقفهم اليوم في سياق تغيّر جوهري لا عودة عنه في طبيعة التواصل السياسي. فقد استخدمت البلدان العربية وسائل الإعلام لعقود عدة كأدوات للتعبئة والسيطرة السياسية. وأسهمت الرقابة الخانقة والبث الإذاعي ثقيل الوطأة الصادر عن الدولة في التحكّم بدفق المعلومات المُتاحة للمواطنين العرب. غير أن سيطرة الدولة بدأت بالتآكل في تسعينيات القرن الماضي مع ظهور محطات التلفزيون الفضائية مثل قناة الجزيرة. وأتاح انتشار الإنترنت السريع للمواطنين فرصاً غير مسبوقة للنفاذ إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم. من هنا، حدثت الانتفاضات العربية العام 2011 في منطقة مشبّعة بالإعلام، إذ كان أغلب مواطنيها يحصلون بصورة منتظمة على المعلومات من طيف محيّر من محطات التلفزيون، والصحف، والمواقع الإلكترونية، ومنافذ التواصل الاجتماعي.
إن النفاذ إلى الإنترنت، الذي كان ذات يوم محدوداً بالمقاييس الدولية، انتشر على نطاق واسع بسرعة بالغة، مثلما شاع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، بما فيها فايسبوك وإنستغرام وتويتر. وكان لانتشار وسائل الإعلام المباشرة والإذاعية أثر بالغ خلال الانتفاضات العربية، عندما أدّت دوراً حاسماً في الربط بين الحركات الاجتماعية في المنطقة ونشر ديناميكيات الكفاح السياسي في تونس إلى البلدان. وأتاحت الانتفاضات، بدورها، لشخصيات كانت مهمّشة في الماضي فرصة النفاذ إلى القنوات الإعلامية الرئيسة، في الوقت الذي شجّعت فيه على بروز العديد من المنابر الإعلامية المباشرة الجديدة.
غير أن الآمال التي عُقدت أول الأمر على هذه البيئة الإعلامية المفتوحة، سرعان ما خفّفت منها العقبات نفسها التي تعترض التطلعات إلى التغيير في المنطقة. فبدأت الأنظمة العربية باستغلال الأشكال الإعلامية الجديدة، وسخّرت الموارد لاستخدامها كأدوات للقمع، والتعبئة، والرصد والسيطرة. وبالمثل، بدأ مراقبو الدولة بفرض الضغوط على محطات التلفزيون الفضائية العابرة للحدود، واستخدامها كأدوات سياسية لتشجيع الانتفاضات ضد خصومها في المنطقة، مع مواصلة دعم أنظمة الحكم الصديقة. وقد أبدت مؤسسات الإعلام الوطنية، حتى في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، مقاومتها لهذا التغيير الرئيسي وظلت خاضعة إلى هيمنة الموالين للنظام القديم. وبرزت المنابر الإعلامية الأحدث عهداً لتمثّل في غالب الأحيان مصالح الأحزاب السياسية أو الممولين الأثرياء.
لايمكن أن نحمّل الأنظمة مسؤولية جميع العلل التي أصابت هذه البيئة الإعلامية الجديدة. فقد تفاقم الاستقطاب السياسي على أسس طائفية وإيديولوجية جرّاء التوجه العالمي نحو الإعلام الجهوي، ونزوع مستهلكي الإعلام الاجتماعي إلى تصنيف أنفسهم في جماعات مُغلقة متشابهة فكرياً. وأسهمت هذه التوجهات في حالة الاستقطاب والارتياب على أسس إثنية وطائفية وإيديولوجية، ما أدى إلى تقويض عمليات الانتقال السياسي. وعلى سبيل المثال، كان الإعلام الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية والفئات المتطرفة الأخرى، التي طوّرت منظمات إعلامية متقدّمة لتنسيق الجهود عبر الحدود، ونشر الدعاية، واجتذاب المجنّدين على الصعيد العالمي.
اتّضحت هذه التأثيرات الإعلامية بأجلى صورها في البلدان الانتقالية، بما فيها مصر وتونس، حيث فاقمت وسائل الإعلام المخاوف المتبادلة ومن انهيار الوحدة الثورية بين الإسلاميين وخصومهم. وقد أثبتت وسائل الإعلام أنها أداة مؤثرة لحشد التأييد للانقلاب في مصر العام 2013 وللحيلولة دون بروز الخلافات السياسية في بلدان أخرى. وقد سعت الدول العربية إلى استعادة سيطرتها على الوسائل الإعلامية وحشد جهودها من أجل المحافظة على استئثارها بالحكم.
ومع أن لدى الدول والأنظمة موارد هائلة تسخّرها للسيطرة على وسائل الإعلام واستغلالها، فإنها مع ذلك ستبذل قصارى جهدها للهيمنة على تدفّق المعلومات. وقد غدا الشرق الأوسط إحدى أكثر مناطق العالم تبنّياً للإنترنت، حيث تطرح التغيّرات التكنولوجية على الدوام أساليب جديدة للتواصل، بحيث أصبح المواطنون العرب يعتبرون النفاذ إلى المعلومات وحرية التعبير من حقوقهم الأساسية. وحتى بعد سنوات من انبعاث الاستبداد الأوتوقراطي، أعرب ثلثا المستجيبين في مسح البارومتر العربي العام 2016 عن اعتقادهم بأن بوسعهم توجيه النقد للحكومة من دون خوف. ويوفّر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للمواطنين فرصاً جمّة للاتصال بالآخرين عبر المسافات الاجتماعية والفيزيقية. ولهذا السبب، فإن جهود الدولة لإعادة فرض الرقابة والهيمنة على السكان ستواجه في المستقبل مقاومة أكثر صلابة.
***
الملف من إعداد الأساتذة البحاث مروان المعشّر، مارك لينش، بيرى كاماك، ميشيل دنّ، عمرو حمزاوي ، يزيد صايغ، مهى يحيَ
***
المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود
إجتماعية