مؤسسة كارنيغي

ليبيا اليوم دولة فاشلة، ابتُليت بمؤسسات جوفاء أو غير موجودة، واقتصاد منهار، وعنف وبائي مُستوطن، وبتشكُّل هُويّات محليّة دون وطنية.

يصعب على المرء، بعد خمس سنوات من الإطاحة برجل ليبيا القوي معمر القذافي، أن يتذكّر موجة التفاؤل، بل الاستبشار، التي استقبلت بها الثورة الليبية أول الأمر في العام 2011. وصحيح أنها كانت عنيفة، غير أنها لم تستغرق وقتاً طويلا.

كانت ليبيا آنذاك تُعتبر المثال الأفضل“: فهي بلد غني بثروته النفطية، وقليل السكان الذين يغلب عليهم الطابع الحضري. يُسهل الوصول إليه جغرافياً، كما أنه، نسبياً، متجانس من الناحية الإثنية والتكوين الطائفي.

وخلال النصف الأول من العام 2012، كانت الدلائل تؤيد هذه الحجج. فقد كانت الدولة تتسم بالهشاشة، لكنها كانت مستقرة نسبياً. وعادت السفارات والمصالح التجارية الغربية إلى ليبيا، ونشط المجتمع المدني، وقفز إنتاج النفط بأسرع مما كان متوقعاً ليقارب مستويات ما قبل الحرب، التي بلغت مليوناً وستمئة ألف برميل يومياً.

غير أن الدليل الأوضح على النجاح كان يتمثّل في الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم 7 تموز/يوليو 2012، واعتبرها المراقبون الأجانب شفافة، وعادلة، وخالية من العنف، عدا بعض الاستثناءات المتفرقة.

أما الآن، فقد باءت الدولة الليبية بالفشل. إذ تقاسمت البلاد مجموعتان متنافستان تدين كل منهما بالفضل لمنظومة محيّرة من المليشيات المرتبطة بالبلدات والقبائل وسماسرة السلطة المحليين.

وقد ولّت السفارات والشركات الأجنبية أدبارها. كما هرب نشطاء المجتمع المدني، أو قُتلوا، أو أُرغموا على الصمت. كما انخفض إنتاج النفط في تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلى 300 ألف برميل في اليوم.

وانهار الدينار الليبي وتَرك الليبيين العاديين تحت رحمة السوق السوداء لشراء الدواء والمواد الغذائية الأساسية، وكلاهما شحيح إلى درجة خطيرة.

وقد أدّت الحرب بين الفئات المنشقة إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في بنغازي، مهد الثورة، وأرغمت آلاف الناس على الهجرة.

وفي طرابلس العاصمة، حيث تتمسك بالسلطة حكومة وحدوية تدعمها الأمم المتحدة، تَوقَف جمع النفايات، وغدت أحياء كاملة تعاني من فترات تعتيم تمتد كلٌّ منها عشر ساعات يومياً.

وارتفعت معدلات الجريمة في أقصى الجنوب، حيث يقوم ممارسو الإتجار بالبشر بنقل عشرات الآلاف من المهاجرين الأفريقيين عبر الصحراء ثم إلى أوروبا.

وفي غضون ذلك، ترسّخ تنظيم الدولة الإسلامية وغدا جزءاً لايتجزأ من مدينة سِرْت، مسقط رأس القذافي، المجاورة لمنطقة الهلال النفطيالاستراتيجية، وفي جيوب أخرى في الأجزاء الشرقية والغربية من البلاد.

كيف حدث ذلك؟

يتندّر الليبيون في ما بينهم بالقول إن ليبيا لايمكن اعتبارها دولة فاشلة لأنها لم تكن دولة أصلاً لتتعرض للفشل. فقد أورثهم القذافي بلداً أجوفَ مجرّداً من أية مؤسسات حاكمة. وخلّف هذا الفراغ المؤسسي أخطر نتائجه في القطاع الأمني. فقد عمل القذافي منذ عهد بعيد على تهميش القطاع العسكري النظامي خشية أن ينقلب عليه، وبالتالي ركّز السلطة في أيدي نخبة من الفصائل الأمنية التي يتولّى قيادتها أبناؤه. وبعد الثورة، تبخّرت الفصائل والأجهزة الأمنية الموالية له وحل محلها عدد ضخم من المليشيات.

في السنوات اللاحقة، تضخمت أعداد المنتسبين إلى تلك المليشيات وتزايد نفوذها، فاستولت على الوزارات، والمطارات، ومستودعات السلاح، وحقول النفط، والمراكز الجمركية بوصفها جميعا من الغنائم الاقتصادية ومن الوسائل المستخدمة لتأكيد ثقلها السياسي.

وبما أن الحكومة الانتقالية لم يكن لديها الوسائل الكفيلة بضمان الأمن في البلاد، فإنها أخذت بتحويل الرواتب إلى المليشيات التي وُضعت تحت الإشراف غير المُحكم لوزارتَي الدفاع والداخلية. غير أن الفصائل المتنافسة استولت على هاتين الوزارتين.

والواقع أن الانتفاضة ضد القذافي كانت دائماً أكثر شرذمة مما يعتقد كثيرون، وأكثر انتشاراً بين أطراف عدّة: بين المناطق الشرقية المُهملة منذ أمد بعيد والغربية الأكثر نمواً؛ والقبائل والبلدات التي تمتّعت بحظوة القذافي والأماكن الأخرى التي حُرمت منها؛ وبين المنشقّين، ولاسيما الإسلاميين، الذين تعرضوا للسجن أو النفي، والتكنوقراط الذين تكيّفوا مع النظام وحاولوا إصلاحه؛ وبين طبقة الضباط الأكبر سنّاً ممن حاولوا المحافظة على بنية الجيش، والثوار الشباب الذين عقدوا العزم على إعادة تكوينه. وفي حواشي هذا المشهد، كانت الجماعات الإثنية التي تعرّضت إلى القمع منذ أمد بعيد، مثل الأمازيغ، والتبَّو، والطوارق، تطالب بحقوق أكثر في النظام الجديد.

بحلول منتصف العام 2013، كانت ظهرت أشكال جديدة من السياسات الإقصائية وتمثّلت في إصرار بعض الفصائل الإسلامية والثورية على إصدار قانون شامل للعزل السياسي، يحظّر على موظفي النظام السابق تولّي مناصب في القطاع العام في المستقبل.

وبعد عام واحد، شهدت ليبيا اندلاع حرب أهلية شاملة بين جناحين يتسمان بالهشاشة والضعف، لكن لكلٍّ منهما حكومته الخاصة وهما: “فجر ليبياالذي يمثّل معاقل الإسلاميين والثوريين في غرب البلاد، مثل المحطة التجارية لتوليد الطاقة الكهربائية في مصراتة؛ وجناح عملية الكرامةالذي يمثل بقايا العسكريين، والقبائل الشرقية، والاتحاديين، وكذلك بعض البلدات القليلة في الغرب مثل الزنتان.

وقد أدّى التدخل الإقليمي، الذي بدأ منذ الثورة، إلى تأجيج الصراع.

فقد قدّمت مصر والإمارات العربية المتحدة السلاح والمستشارين إلى قائد جناح الكرامةخليفة حفتر، وهو عدو لدود للاتجاه الإسلامي وضابط عسكري من عهد القذافي، هرب من النظام في تسعينات القرن الماضي.

أما فصيل الفجر، فقد كانت قطر والسودان وتركيا تزوّده بالسلاح والمال.

وبحلول شهر كانون الأول/ديسمبر 2015، عُقدت، برعاية الأمم المتحدة، اتفاقية أوقفت الحرب المكشوفة بين الطرفين وأسفرت عن قيام حكومة وحدوية جديدة هي حكومة التوافق الوطنيالتي اتخذ أعضاؤها من طرابلس مقرّاً لهم في آذار/مارس 2016. غير أن البرلمان المُعترف به في الغرب، وهو مجلس النواب، حجب الثقة عن حكومة التوافق الوطني،

ولازالت شرائح من السكان في شرقي البلاد، وإلى حدّ ما في المناطق الغربية، تناصب هذه الحكومة العداء؛ وقد خاض الطرفان الحرب للسيطرة على البنك المركزي وواردات النفط.

كانت الحكومات الغربية تأمل في أن تؤدي الأخطار التي يمثّلها تنظيم الدولة الإسلامية إلى الجمع بين الطرفين، لكن ذلك لم يحدث. فقد تحمّلت المليشيات في مصراتة، وبعضها إسلامي النزعة، وطأة القتال في معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سِرتْ، بينما يواصل حفتر الحرب ضد مليشيات تنظيم الدولة الإسلامية التي تقاتل جنباً إلى جنب مع المليشيات الإسلامية الأخرى في بنغازي. وقد ساندت قوات العمليات الخاصة الغربية جميع الفصائل التي تواجه تنظيم الدولة الإسلامية. وأدّى ذلك، على نحو غير مقصود، إلى مضاعفة الشكوك لدى كل طرف تجاه الأطراف الأخرى.

تواجه حكومة التوافق الوطني سريعة العطب مخاطر جسيمة تهدّد بقاءها. فهي عاجزة، حتى في طرابلس، عن حماية نفسها تماماً من الميليشيات واسعة النفوذ، ناهيك عن تقديم ضمانات كافية للدبلوماسيين الأجانب لإغرائهم بالعودة. إضافةً إلى ذلك، عليها أن تجد آلية منصفة لتوزيع واردات النفط والسلطات السياسية مع الشرق والجنوب، والارتقاء بمستوى الحكم في المجالس البلدية، والسيطرة على حدودها. والأهم من ذلك كلّه أن من واجبها وضع خطة مستقبلية لإقامة بنية متماسكة لقوات الجيش والشرطة. ويشمل ذلك عملية تسريح الشباب من الميليشيات وتوفير الوظائف أو البعثات الدراسية لهم، أو ضمّهم إلى قطاع الأمن في الدولة.

يتضمّن توفير الفرص للشباب الليبي عملية إصلاح اقتصادي ضخمة، قد تستغرق جيلاً كاملاً، لتعزيز القطاع الخاص، مع تخفيف الاعتماد على الموارد الهيدروكربونية التي تمثّل أكثر من 90 في المئة من ريع الحكومة.

وعلى الرغم من الانخفاض في إنتاج النفط الليبي وتراجع أسعار النفط عالمياً، فإن نفقات القطاع العام – وهو مصدر الدخل الأول لأكثر الليبيين – لازالت عالية. وتستنزف البلاد أرصدتها من احتياطي العملات الأجنبية بمعدلات تثير الخوف.

ويبدو أن ليبيا مُقدِمة على فترة مطوّلة من التحوّل إلى النظام اللامركزي في إطار دولة موحّدة وفضفاضة للغاية. وستُترك البلدات والبلديات لتدبّر أمورها بنفسها.

وقد استطاع عدد قليل منها، مثل مصراتة، وطبرق، وزوارة، أن يستعيد جانباً من الحياة الطبيعية من خلال ترتيبات توصلت إليها القبائل، والمليشيات، والمسؤولون المنتخبون، وأصحاب الأعمال، وحتى شبكات الجريمة المنظمة.

لكن المستقبل قد يتكشّف عن احتدام الصراع في أغلب المناطق، ولاسيما تلك التي يقيم فيها خليط من السكان، أو التي تتمتع بموارد استراتيجية، ومنها على سبيل المثال: بنغازي، وطرابلس، وجبال نفوسة، وحوض سِرْت.

لكن، على الرغم من هذه التوترات، من المستبعد أن تؤول الأمور في ليبيا إلى التقسيم التام. فالصراع يتموضع إلى درجة كبيرة محلياً في غالب الأحيان، ويدور بين البلدات والجماعات في مناطق محدّدة تاريخياً (منها على سبيل المثال: برقة، وفزان، وإقليم طرابلس).

أما التحدي الأكبر فهو إصلاح الحكم واختلال التوازن في الصلاحيات بين هذه المناطق، لا عزل بعضها عن بعض. وتلك مهمات مهولة بحد ذاتها، لكنها لا تستعصي على الحل. فقد أظهر الليبيون الآن قدرتهم على التصدي بصورة فعالة للدولة الإسلامية، وكسروا شوكتها في سِرْت وفي مواقعها الأخرى. وإذا ماتعزّز هذا الصمود بالتزام غربي وإقليمي بتقديم العون، قد يساعد على بدء عودة البلاد بصورة تدريجية إلى وضع سويّ.

________________

المصدر: تقرير مؤسسة كارنيغي (انكاسارات عربية: مواطنون، دول ، وعقود إجتماعية)

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *