صدر عن برنامج كارنيغي للشرق الأوسط هذا التقرير الذي وضعه باحثون في مؤسسة كارنيغي. وهو أحد تقارير مشروع آفاق العالم العربي الذي يُنفّذ على سنوات عدة بعد إطلاقه في تشرين الأول/أوكتوبر 2015،

والذي يهدف إلى إلقاء أضواء ساطعة على الأحداث المضطربة التي مر ويمر بها العالم العربي. ولأهمية الموضوع سيقوم المنبر بنشر بعض أقسام التقرير على عدة أجزاء نبدأها بالمخلص والمقدمة.

الجزء الأول

ملخّص

إن أركان النظام العربي القائمة منذ أمد بعيد، وهي المساومات السلطوية وعائدات الموارد الهيدروكربونية، آخذة بالانهيار، فيما تواجه المؤسسات السياسية المطالب المتعاظمة لجماهير السكان المتزايدة. وكان من نتائج ذلك انتشار العجز والقصور والقمع على نطاق واسع في المجالات الاقتصادية الاجتماعية، ما أدى إلى تفكّك الدولة على نحو غير مسبوق، بخاصة في العراق، وليبيا، وسورية، واليمن. وأدت هذه العوامل، بدورها، إلى نزوح أعداد هائلة من البشر وإلى شيوع الألاعيب بين القوى الجيوسياسية. وإذا ما قُدّر للنظام أن يعود بعد انحسار النزاعات، سيتعيّن على المواطنين والدول صكّ عقود اجتماعية جديدة تؤسس المحاسبة والمساءلة وتنشّط عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي.

جذور الانهيار الإقليمي

  • تنشغل المجتمعات في جميع أنحاء العالم بالتحوّلات التكنولوجية، والاقتصادية، والثقافية. ومع ذلك، فإن الضغوط المتأصلة كانت قابلة للاشتعال والانفجار بصورة خاصة في العالم العربي، جرّاء القصور المؤسسي وانتشار الصراع والنزعات الطائفية والراديكالية.

  • ثمة أزمة بين الحكومات والمواطنين. كما تداعت المساومات السلطوية التي تقوم بموجبها الأنظمة بتقديم الخدمات الاجتماعية والوظائف الحكومية على سبيل المقايضة، لاسترضاء المواطنين. وقد أخذت هذه العقود الاجتماعية بالتآكل، في الوقت الذي لم تعد فيه الميزانيات المتضخمة والإدارات البيروقراطية المنتفخة قادرة على تلبية احتياجات التكاثر السكاني.

  • فقدت الدول سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي لصالح لاعبين من خارج الدولة، بمن فيهم تنظيم الدولة الإسلامية. كما أن المراكز المؤثّرة سابقاً، مثل مصر والعراق، تتعرّض الآن إلى تقييدات حادّة جرّاء انتشار مواطن الضعف المحلية. والدول القوية تتدخّل على نحو متزايد في شؤون الدول الضعيفة، مايزيد من حدّة الصراع الداخلي في المنطقة.

  • وإلى جانب الدول المجاورة المصدرة للنفط، فإن البلدان المستوردة للنفط، التي تعتمد منذ أمد بعيد على التحويلات النقدية، والمساعدات والاستثمارات الخارجية، ستواجه ضغوطاً متزايدة جرّاء انهيار أسعار النفط. وقد أعاق الاعتماد على عائدات النفط عملية التنمية الاقتصادية والسياسية في العديد من الدول، وجعلها غير مهيأة للتعامل مع الاضطرابات الناجمة عن ذلك.

تجاذب بين التخندّق والتغيير

  • تلجأ أنظمة الحكم العربية، باستثناء قلّة منها، بصورة متزايدة، إلى استخدام الوسائل القسرية لإعادة تأكيد قدرتها على السيطرة. غير أن المواطنين لن يتخلّوا عن مطالبتهم بالمزيد من المساءلة والمحاسبة، والشفافية، والفعالية السياسة، بينما تتناقص خدمات الرفاه الاجتماعي، مما يرجّح تصاعد التوتر بين المواطنين والدولة.

  • ترتبط السيطرة السياسية بالسيطرة الاقتصادية ارتباطاً وثيقاً لا ينفصم عراه في أرجاء العالم العربي، ويؤدي ذلك إلى انتشار المحسوبية والفساد ويتطلب وضع الأسس لتنمية اقتصادية مستدامة يتولاها القطاع الخاص لفك هذا الترابط.

  • قد يبدو استمرار الفوضى في الشرق الأوسط أمراً لا محيد عنه، غير أن مناطق أخرى شهدت انهيارات مماثلة واستدركت الأمر قبل أن تهوي إلى الهوة السحيقة. غير أن هذه المحاولات لتدارك الوضع في الشرق الأوسط ستبوء بالفشل، إلا إذا أبرمت المجتمعات العربية عقوداً اجتماعية جديدة تقوم على نماذج أكثر استدامة في المجال السياسي والاجتماعي الاقتصادي.

المقدّمة

مينا، وهي مُدرّسة سورية في السادسة والعشرين، في حيرة من أمرها: بين ماضٍ مضى وانقضى، وحاضر أوروبي غير مألوف، ومستقبل ملتبس. تمتعت بحياتها في مدينة حمص، حين كانت تعمل في مؤسسة للأطفال المصابين بالتوحّد وتواصل تحصيلها العلمي في الوقت نفسه. لم تكن تمارس أي نشاط سياسي، لكنها حرصت على التزام الحياد عندما تحوّلت الاحتجاجات السلمية المناهضة للحكومة التي بدأت في العام 2011 إلى حرب أهلية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2015، هربت من منزلها ومن بلادها.

تعيش مينا اليوم في مخيم للاجئين في برلين. ومع أنها وجدت عملاً في إحدى المدارس التمهيدية المحلية فإنها تقول، مايرهقني إلى درجة لا تصدّق أن عليّ أن أبدأ حياتي من جديد“. ويساورها القلق حول المعاناة النفسية التي يحملها أولئك الذين بقوا في سورية: “إنهم على قيد الحياة فقط. يأكلون، ويشربون، وينامون“.

مع ذلك، فهي تأمل أن تطوّر مهاراتها التعليمية خلال وجودها في ألمانيا، ليتسنى لها المساهمة في إعادة بناء سورية عندما يتحقق حلمها بالعودة إلى بلادها.

وكما حدث لمينا، دخل الكثيرون في العالم العربي مرحلة الاقتلاع العميق تلك. لقد انقرض النظام القديم، فيما النظام الذي سيحل محله لايزال غير واضح المعالم. وتواجه الأنظمة العربية عاصفة عاتية تفتّت العلاقة بين المواطن والدولة، وتتصاعد معها الصراعات المحلية والإقليمية، وتنهار أسعار النفط، وترتفع معدّلات الحرارة ويلوح في الأفق احتمال حدوث نقص حادّ في المياه، ويتهافت الإحساس بالهدف المشترك بين الزعامات السلطوية في المنطقة. وهي عاصفة لم تكن تلك الأنظمة، عدا قلة قليلة منها، مستعدة لمواجهتها. وكانت الحصيلة هي الفترة الأكثر دماراً في الشرق الأوسط منذ تأسيس الدول العربية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى.

درجت الأنظمة العربية، على مدى عقود عدة، على توفير الخدمات الاجتماعية ودعم المواد الاستهلاكية والوظائف الحكومية، مقابل مشاركة ضئيلة، أو عدم المشاركة على الإطلاق، من جانب المواطنين في اتخاذ القرار – بما معناه عقود اجتماعية تقوم على أساس المساومات السلطوية. وقد اختلفت البلدان العربية اختلافاً بيّناً في الطريقة التي تدير بها شؤونها الداخلية. لكنها كانت كلها تقريباً تخضع لأنظمة حكم أوتوقراطية استبدادية، سواء في أساليب السيطرة أو استخدام القمع. فقد أنشأت أجهزة استخبارية وأمنية قوية وبذلت جهوداً ضخمة للإيهام بشرعيتها السياسية، ما يمثّل تحدياً صعباً في جمهوريات عربية عُرفت بكراهيتها للمؤسسات الديمقراطية. ومع تزايد الروابط بين القوتين السياسية والاقتصادية في كثير من البلدان العربية، تنامت شبكات المحسوبية القوية. كما أن النزاع العربي الإسرائيلي والحرب الباردة كانا حجر عثرة كذلك في طريق التنمية المؤسسية، مثلما كانا ذريعة لغيابها.

أدّى تركيز تلك الأنظمة على أدوات الاجتذاب والوسائل القسرية إلى خلق ثقافة التبعية وإلى وضع عقبات كبيرة في وجه المحاولات الرامية إلى تنمية مؤسسات قد تشجّع على تطبيق حوكمة شاملة. والأدهى من ذلك أن الأنظمة الفاسدة القمعية الجشعة أصلاً التي برزت في كثير من البلدان، قاومت بعنف جميع جهود الإصلاح وحرمت تلك البلدان من الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية الجديدة.

في تلك الأثناء، كانت خلطة من القوى المحلية والعالمية تمر في حالة اختمار بطيء، ومنها: طفرة شبابية بارزة في البنية السكانية في العالم العربي؛ وطفرة حادة للإرهاب والتطرف الديني بعد الآثار التي خلّفها غزو الولايات المتحدة للعراق في العام 2003 والحرب الأهلية السورية المستمرة؛ والمنافسة الاقتصادية الدولية المتسارعة؛ وتكنولوجيا المعلومات التحويلية. وما من خريطة طريق ثقافية أو سياسية لعثرات اقتصادية اجتماعية بهذا الحجم. وإذا كانت المؤسسات السياسية المرنة نسبياً، مثل تلك القائمة في أميركا الشمالية وأوروبا، قد جهدت للتكيّف مع تلك التغيرات الزلزالية، فليس من المستغرب أن الأنظمة العربية الخامدة قد فوجئت ولم تكن مستعدة عندما بدأت الانتفاضات في العام 2011.

إن انهيار النظام الإقليمي، إذاً، مثّل في جوهره أزمة ثقة بين الحكومات والمواطنين. ففي العام 2011، اتضح أن مايسمى عقوداً اجتماعية إنما كان من طرف واحد، لأن المواطنين في المنطقة رفضوا بشكل صريح الأسس التي أقيمت عليها المساومات السلطوية.

بعد النفي المفاجئ وغير المتوقع للرئيس التونسي زين العابدين بن علي، لجأت بعض الأنظمة إلى دليل إرشادي مألوف لاحتواء مضاعفات ماحدث في تونس، حين ردّت باستخدام مزيج من المعونات الاجتماعية والسياسية القمعية، مع درجات متفاوتة من الوحشية والحنكة. وكان من نتائج ذلك أن بعض الأنظمة الأكثر قمعاً في المنطقة، وهي العراق وليبيا وسورية واليمن، بدأت تتشرذم على أسس إثنية وإيديولوجية وطائفية وقبلية، بينما شهد بعضها الآخر قلاقل داخلية مهمة. إذ تجلّت أكثر هذه المظاهر تطرّفاً في سورية التي وجد مواطنوها أنفسهم آنذاك بين شقّي رحى: نظامٌ مستعدٌّ لتدمير مدنه حجراً على حجر، والعنف المبيد الذي يمثّله تنظيم الدولة الإسلامية، وقد فاقمت الضغوط الخارجية أزمات الدولة. وعلى الرغم من أن أسعار البترول قد استقرّت بعد أن فقدت 70 في المئة من قيمتها، من المتوقّع أن تبقى على انخفاضها في المستقبل المنظور، فتطرح بذلك تحديات مالية مهولة أمام العالم العربي. وفي جميع دول المنطقة، بما فيها تلك الأكثر ثراءً، ستفتقر الأنظمة الاقتصادية الريعية، التي كانت عائدات بيع النفط تموّل أنظمة وطنية واسعة للرعاية والمحسوبية والإعالة، بصورة متزايدة، إلى الاستدامة مع مرور الوقت، بل إن البلدان شحيحة الموارد في المنطقة ستتأثر من ذلك، لأن معظم الدول العربية غدت تعتمد، بصورة أو بأخرى، على عائدات النفط في المنطقة.

لن يكون بمقدور الدول العربية تنمية مجتمعات مزدهرة إلا إذا اقتدت بنماذج سياسية واقتصادية جديدة. وبما أنه يُطلب من المواطنين أن يُضحّوا بمزايا المعونة الاجتماعية التي اعتادوا عليها منذ عهد بعيد بدعوى التقشف المالي، فإن قبولهم بالأنظمة القديمة التي ستوجّه فيها السلطة أوامرها من القمة إلى القاعدة سيتوقف، وسيطالبون بالمساءلة، والعدل، وبدور أكبر في القرارات المتعلقة بالقضايا الوطنية. وبالنسبة إلى الزعماء الذين اعتادوا منذ أمد بعيد على ممارسة السلطة المطلقة، سيمثّل مصيدة خطرة – من صنعهم هم أساساً وهم لن يجانبوا الصواب إذا اعتقدوا أن طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي سيؤدي إلى فقدان جانب من السلطة والنفوذ. وبذلك، ستواصل هذه الأنظمة، باستثناء قلة منها، التشبث بالوضع الراهن المتهافت، حتى لو أسفر ذلك عن نتائج كارثية.

في غمرة البلبلة التي اكتنفت الأوضاع القديمة، يشوب الغموض الوجهة التي ستتجّه إليها المنطقة. وقد لاحظ الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي في السجن في إيطاليا الفاشيّة في ثلاثينيات القرن الماضي أن الأزمة تتجلّى تحديداً في أن القديم آيلٌ إلى الزوال، بينما لا يستطيع الجديد أن يولد؛ وفي فترة التريث هذه، يبرز عدد كبير من الأعراض المَرَضية“. وهذا هو الواقع الذي يواجهه اليوم الشرق الأوسط، وهو منطقة تظل ذات أهمية حاسمة للسلام والأمن العالميين.

يحاول هذا التقرير استقصاء الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة. وهو يتفحّص التيارات العابرة للحدود التي تفعل مفعولها أفقياً وعمودياً، في الميادين الإنسانية والسياسية والجيوسياسية في المنطقة، أي العلاقات المتداخلة بين هذه التيارات في داخل البلدان وفي ما بينها على السواء. وبصورة أكثر تحديدا فإن التحليل يتناول:

  • المشهد الإنساني – تجارب المواطنين العرب المتغيّرة في سياق الضغوط الديمغرافية والهجرة البشرية، والاستقطاب السياسي، والحراك الاجتماعي.

  • المشهد السياسيأزمة الحوكمة في أرجاء المنطقة، والضغوط على الأنظمة الريعية، وتأثير القطاع الأمني ووسائل الإعلام على السياسات العربية.

  • المشهد الجيوسياسيالنظام الإقليمي الآيل للانهيار في سياق حافل بالعديد من الصراعات الداخلية والنزاعات بين الدول، ومضاعفات انخفاض أسعار النفط، وآثار التغيرات المناخية وشحّ الموارد المائية في المدى البعيد.

وستشكّل نتائج الاستقصاء، إطاراً لفهم كيف تتفاعل هذه الانهيارات مع بعضها البعض داخل كل مشهد، وكيف يمكن أن تبدأ مختلف البلدان في معالجتها. ولتوضيح الكيفية التي تفعل بها هذه الأعطال والتيارات مفعولها في سياقات متباينة، يطرح التقرير ثماني دراسات عن ثماني حالات: مصر، والعراق، والأردن، وليبيا، وفلسطين، والمملكة العربية السعودية، وسورية، وتونس. وكان من الممكن اختيار أقطار أخرى، غير أن هذه البلدان هي الأبرز في تبيان التيارات الأساسية في العالم العربي، وفي إيضاح الأساليب المتباينة التي تلجأ إليها الحكومات لمواجهتها. ويمثّل فهم التجارب التي تمر بها هذه البلدان عنصراً حيوياً لفهم ما ينتظر العالم العربي.

***
الملف من إعداد الأساتذة البحاث مروان المعشّر، مارك لينش، بيرى كاماك، ميشيل دنّ، عمرو حمزاوي ، يزيد صايغ، مهى يحيَ

___________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *