Egyptian Muslim Brotherhood members shout slogans during a protest in front of the Supreme Judicial Council in Cairo, Egypt, Friday, April 19, 2013. Arabic on the T-shirt reads, "clean judiciary." Thousands of supporters of Egypt's Islamist president have taken to the streets of Cairo, calling on him to "cleanse the judiciary." Mohammed Morsi and the judiciary have had tense relations since he came to power in June last year. Judges accused him of trampling on their authority, while Morsi supporters charge that the judiciary is controlled by supporters of ousted President Hosni Mubarak. (AP Photo/ Amr Nabil)

بقلم إبراهيم غرايبة

يعبر مصطلح الإسلام السياسيعن عمليات الصياغة المعاصرة للإسلام التي ابتدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر، وقدمت منظومة واسعة وممتدة من التطبيقات والدراسات والمؤسسات والجماعات والأنظمة الجديدة التي أعادت تقديم الإسلام على نحو استوعب التحولات الاقتصادية والسياسية والعلمية التي سادت في الغرب وشملت عالم الإسلام،

وهي جهود شارك فيها علماء ومفكرون وأساتذة وباحثون وطلبة دراسات عليا بالتحالف مع أنظمة سياسية ومؤسسات علمية وتعليمية واقتصادية، وجماعات سياسية واجتماعية؛ أفضت إلى محصلة عميقة ومعقدة من الدراسات والمناهج والبرامج والمؤسسات والتطبيقات «الإسلامية» في السلوك والثقافة والحكم والتعليم والإعلام والبنوك والأسواق والسلع والخدمات والعلاقات.

الجزء الثاني

جماعات الإسلام السياسي: غموض في الأفكار والتنظيمات

وصف رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون تنظيم الإخوان المسلمين بالسرية والغموض، لكن الإخوان المسلمين يردون بأن السرية كانت خيارا بسبب الحظر والملاحقة التي تعرضت لها الجماعة، وفي إجابتهم عن أسئلة البرلمان قدم إبراهيم منير نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، إن أعضاء الجماعية يقتربون من المليون، ويقوم تمويل الجماعة على اشتراكات الأعضاء والتبرعات، ويساهم العمل التطوعي في الجماعة في تخفيض النفقات بنسبة كبيرة.

وتقسم الجماعة إلى وحدات أساسية أو خلايا تسمى كل وحدة أسرةيرأسها نقيبكما تنتظم الأسر في منطقة إدارية تسمى شعبة، يرأسها نائبالشعبة، ويقود الجماعة مركزيا مجلس شورى ومكتب الإرشاد.

وينسق العلاقة بين الأقطار مجلس شورى عالمي، وهناك أيديولوجيا واحدة للإخوان المسلمين في العالم.

وقد لوحظ تناقض واختلاف بين إجابات ورسائل الإخوان المسلمين المقدمة باللغة العربية والأخرى المقدمة بالإنجليزية، ففي حين حملت رسائل بالعربية تحريضا على الاحتجاج والعنف كانت الرسائل بالإنجليزية تؤكد على الديمقراطية والعمل السلمي، وفي إجابته الخطية قال إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إن موقف الجماعة من العنف لا لبس فيه ولا غموض، إذ ترفض الجماعة استخدام العنف، لكنه لم يجب عن أسئلة البرلمان حول عقوبات الإعدام والجلد وبتر الأعضاء.

ينظر عادة إلى الإسلام السياسي بالتخطيط لفرض فهم متشدد للشريعة الإسلامية يقوم على التفسير الحرفي للنصوص، لكن مرتضى الشيخ المدير المشارك في مركز أبحاث ابن رشد يقول، إن بعض الإسلاميين يقدمون تفسيرا للشريعة مختلفا عن مفاهيم الخلافة التي تدعو إليها جماعات مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وقال رضوان المصمودي إن الدستور التونسي الذي أقر في عام 2014 لم يتضمن إشارة إلى الشريعة، ورغم ما وجه إلى الإخوان المسلمين في مصر من تهم الأسلمة، فإن حزب الحرية والعدالة يردّ بأن الحزب لم يقدم تفسيرا أكثر تقييدا من قبل، ويمكن على نحو عام ملاحظة سياسات واقعية وأخرى عقائدية سلكها الإسلام السياسي.

يلاحظ أن هناك تنوعا كبيرا داخل الإسلام السياسي، فقد اتجه حزب النهضة إلى الفصل بين الدعوي والسياسي، وقال الغنوشي رئيس الحزب إن النهضة حزب سياسي بحت، وقال رفيق عبد السلام في اجابته للبرلمان إن الحزب ينظر إلى الأنشطة الثقافية والدينية، باعتبارها محصورة في المؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني، ولا يدّعي حزب النهضة أنه يتحدث باسم الدين.

يرتبط الإسلام الراديكالي إلى حد كبير بالتهميش والأحباط والغضب لدى الشباب، ويعتقد بعض الشهود أن ثمة تحالفات بين الإخوان المسلمين وجماعات إسلامية متطرفة، مثل ليستر كروك مدير المنتدى الفكري للنزاعات الذي يلاحظ أنه في بضع البلدان مثل اليمن وسوريا، فإن الإخوان والقاعدة يشاركون في الصراع المسلح، وقال أليسون بارجتر إن الإخوان المسلمين في ليبيا تحالفوا مع الجماعات الأكثر تطرفا.

ويتهم حزب النهضة بالتسامح مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، يقول مايكل ماركوس إن الحزب في أثناء توليه السلطة سمح للمتطرفين بالعمل وتجنيد الأتباع والمؤيدين، لكن هذه الجماعات محظورة الآن.

ويرى شهود بأن الإسلام السياسي وإن لم يستخدم العنف، فإنه يمثل حاضنة للجماعات والأفكار المتطرفة والعنفية، كما أن الأيديولوجيا المتبعة لدى الإسلام السياسي تطوّر علاقة الجماعات والأتباع بالتطرف.

وتظل علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع التطرف والعنف غامضة وغير واضحة، وقد أبدت قيادة الإخوان المسلمين رسميا رفضها لأفكار سيد قطب، وتستدل بكتاب دعاة لا قضاة تأليف حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين، والذي نشر في عام 1969 ردا على أفكار سيد قطب وبخاصة كتابه معالم في الطريقويؤكد إبراهيم منير على أن الجماعة لا تستخدم العنف ولا توافق عليه لأجل التغيير أو العمل الوطني، وأن هذا الموقف لا لبس فيه، لكن واقع الحال ودراسة الجماعة يؤشر إلى أن الهضيبي لا تأثير كبير له في الجماعة، وكتابه دعاة لا قضاةلا يكاد يكون معروفا، وفي المقابل فإن كتب سيد قطب أو الكتب والأفكار المستمدة منه منتشرة ومؤثرة بوضوح.

ما بعد الإسلام السياسي

مشكلة الإسلام السياسي ليست متعلقة فقط بموقف الجماعات من العنف والديمقراطية، ولكنها قضية تخص علاقة المسلمين بالدين والدولة والمجتمعات وتنظيم حياتهم وشأنهم الروحي.

وبالنظر إلى ما تؤول إليه عمليات الأسلمة الرسمية منها والجماعاتية يبدو واضحا اليوم أنها أدخلت العالم الإسلامي في حالة من الصراع والكراهية والانهيار!

ولم يعد ممكناً النظر إلى مواجهة هذه الحالة في عالم العرب والمسلمين اليوم في معزل عن المنظومة الإسلامية المنشئة لها ، رغم ما في ذلك من مغامرة؛ ذلك أن الأنظمة السياسية والجماعات والمجتمعات والشركات تصير حتماً في مواجهة مع الذات، ولكن مواجهة التطرف لن تكون فاعلة أو ناجحة من غير هذه المواجهة، ولم يعد أمامنا حكوماتٍ ومجتمعاتٍ وأفراداً سوى أن نكف عما نحسبه مكافحة للتطرف مما لا يعدو كونه هجاء المتطرفين، أو نضيف إليه إعادة النظر في المنظومة المنشئة لتصوراتنا وتطبيقاتنا الدينية، والتي نتشارك فيها مع المتطرفين ولا نكاد نختلف عنهم في فهمها وتطبيقها في شيء يذكر.

والحال أن كل أو معظم ما بذل في المواجهة الفكرية والأيديولوجية مع المتطرفين يتحول إلى نتيجتين: أرباح صافية للمتطرفين، أو يجعل الدول وحلفاءها يظهرون وكأنهم في مواجهة مع الإسلام وليس مع المتطرفين! ولم تعد ثمة فرصة للخروج من دوامة الكراهية والتطرف والعنف سوى إعادة فهم وصياغة العلاقة بين الدين والحياة والأفراد والدول والمجتمعات في منظومة فكرية مختلفة عما درجت عليه الدول والجماعات والمؤسسات الدينية منذ أوائل القرن التاسع عشر ومختلفة بطبيعة الحال عن منظومة الحياة الاجتماعية والسياسية وعلاقتها بالدين حسب ما تشكلت عليه قبل القرن التاسع عشر.

وتكون المواجهة بطبيعة الحال في مدونة جديدة تعيد صياغة المحتوى والمبادئ التي قامت عليها المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية والإعلامية والثقافية ، حيث تنشئ استراتيجيات بديلة وجديدة للمحتوى الديني وفلسفته وأهدافه واتجاهاته، وتؤسس لبيئة فكرية ودينية واجتماعية جديدة تقوم على الأفراد والمجتمعات وليس الحكومات والمؤسسات والجماعات، وعلى علاقات جديدة ومختلفة بين الدين والدولة والمجتمعات والأفراد.

هي مدونة يمكن إجمال فكرتها وفلسفتها في أنها تنبذ الكراهية وتؤصل لعلاقات الأفراد والمجتمعات والعالم على أساس من التعاون والتقبل المتبادل لجميع الناس والأمم والحضارات والأفكار، واحترام التعددية والتنوع، والإعلاء من شأن العقل والفلسفة والمنطق والمناهج العلمية والفكر الناقد والفنون والإبداع، وتميز بوضوح وحسم بين الديني والإنساني، وتقدم نفسها على أساس من الأنسنة والنسبية وعدم اليقين والقابلية الدائمة للمراجعة والتصحيح وليست على أنها من عند الله.

وتتبع ذلك حتماً إعادة صياغة مسألة الدين والدولة، باعتبار الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية والمناهج التعليمية منظومات إنسانية قابلة للاجتهاد والاقتباس والمراجعة والتطوير، وتظل منظومات علمية وإنسانية غير مقدسة وغير ملزمة دينياً للدولة والمجتمعات.

ثم وعلى المستوى المجتمعي والفردي إعادة النظر في جميع المؤسسات والتطبيقات (الإسلامية) مثل البنوك والمدارس والكليات والفنون والثقافة واللباس والطعام والسلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة لأجل تحويلها إلى منظومات إنسانية غير مقدسة، تقتبس من العالم وتعطيه أيضاً على أساس من التبادل والتنافس، وإعادة توجيه الإسلام الشعبي نحو الاتجاه الروحي والعلمي، وفي ذلك تمكن مساعدة الأفراد والمجتمعات على اكتساب تدين يرتقي بتطلعات المتدينين الروحية ويعلمهم الدين على أسس علمية صحيحة، وتجنيب الأفراد والمجتمعات التدين السياسي أو التوظيف السياسي والاقتصادي للدّين ليكون مورداً روحياً واجتماعياً يخلو من المصالح والعيوب.

سوف تخسر السلطة السياسية مصدراً للدعم والشرعية الدينية، وتحتاج إلى وقت لتكريس علاقة جديدة مع الدّين تكون مقبولة في المجتمع وفي أوساط المتدينين، ولكن وعلى أي حال لم يعد ذلك خسارة كبيرة بعد أن نجحت الجماعات الدينية في تحويل الشرعية الدينية لمصلحتها، ولم يعد مجال في الحقيقة سوى التضحية بهذه الشرعية (الضائعة) والعمل على تأسيس شرعية سياسية وقانونية ودينية جديدة ومختلفة،.. وهي وإن كانت مغامرة فلا مجال إلا لخوضها.

ربما يختلف الفاعلون والمراقبون في تفسير وإدانة السياسات الدينية القائمة في الدول العربية والإسلامية، ولكن لا مجال للخلاف في أن التطرف والإرهاب في حالته الراهنة ينتمي إلى عالم الإسلام وأن ما هو خارج هذا العالم لا يمثل تحديا كبيرا للدول والمجتمعات، .. ولا خلاف أيضا أن التطرف في الإرهاب في حالة نمو وانتشار، ويحققان مكاسب كثيرة سواء على صعيد انتشار وزيادة الكراهية أو زيادة المؤيدين والمناصرين أو في مجال العنف الذي يجتاح أساسا عالم الإسلام نفسه، ثم يمتد إلى خارجه على هيئات رشقات لا تضر الغرب بقدر ما ألحقت ضررا بالغا بالعرب والمسلمين المقيمين والمتوطنين في الغرب، وليس من خلاف أيضا أن عالم الإسلام يواجه أزمات وتحديات كبرى تدفع به إلى الهشاشة والتفكك، وأسوأ من ذلك أنه يتحول إلى جزء لا يتقبله العالم ولا يتقبل العالم أيضا.

ولم يعد ممكنا مواصلة التهرب بعد هذه السنوات الطويلة من مواجهة التطرف والإرهاب من سؤال بديهي وأساسي: لماذا يواصل التطرف والإرهاب نموهما وانتشارهما؟ وكيف نتأكد أننا نحارب التطرف والإرهاب بالفعل أو أننا نمضي في هذا الاتجاه بالفعل؟

وفي المواجهة الأيديولوجية والفكرية والثقافية لا مجال أيضا للهروب من السؤال الأساسي: كيف تكون الحالة الدينية القائمة في الدولة والمجتمع تخدم الإصلاح والتقدم وتعزز قيم التسامح والاعتدال والمشاركة العالمية (أن نكون جزء امن العالم يتقبلنا ونتقبله)؟

***

إبراهيم غرايبة ـ باحث أردني يحمل درجة ماجستير في تخصص العمل الاجتماعي– الجامعة الأردنية. ودرجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات – جامعة الملك عبد العزيز/ جدة، ويعمل حاليا باحثا في الجامعة الأردنية – مركز الدراسات الإستراتيجية.

______________

مؤمنون بلا حدود

    *****

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *