يُنبئ شطب الفرص الديمقراطية، وصعود تنظيمات عنيفة ناجحة، وتغيّر السياقين الإقليمي والإسلامي بأن منظمات أخرى غير الإخوان المسلمين قد تهيمن على المرحلة المُقبلة من السياسات الإسلامية.
***
الجزء الثاني
النجاة من القمع ومعاودة العمل السياسي
واجه فرعان من جماعة الإخوان، في الكويت والأردن، ضغوطاً قوية من النظامين في بلادهما. وهما خَلُصا، بعد مقاطعة مُتكررة للانتخابات، إلى أن هذه الاستراتيجية لم تفعل شيئاً سوى زيادة تهميشهما، ولذلك قررا العودة إلى الحياة السياسية.
في الأردن، كانت جبهة العمل الإسلامي لسنوات عدة في طليعة الحركات الإسلامية، من حيث المشاركة السياسية. وهي انخرطت في العديد من الانتخابات البرلمانية بعد العام 1989 حيث برزت بكونها الحزب المعارض الرئيس، لكنها قاطعت انتخابات أخرى بسبب شكاويها من تلاعب النظام بالقانون الانتخابي. بيد أن قرار مقاطعة الانتخابات العام 2013 قَسَمَ الحركة وسعى بعض قادتها إلى ممارسة دور أكثر مجابهة، في حين حث آخرون على الاصطفاف بشكل أوثق مع النظام.
وقد استغلت الحكومة الأردنية هذه الشروخ داخل جماعة الإخوان الراسخة لدعم تأسيس منظمة إخوان جديدة، فيما كانت تُصادر أصول المنظمة القديمة وتُلغي وضعيتها القانونية.
وفي حزيران/يوليو 2016، أعلنت جبهة العمل الإسلامي، على رغم الضغوط، أنها ستشارك في الانتخابات المقررة في أيلول/سبتمبر، مُنهية بذلك سنوات من المقاطعة الانتخابية. 7
وهي أقدمت على هذه الخطوة من خلال طرح مرشحين في قوائم انتخابية متعددة، وحجّمت رسالتها السياسية كي تُقلّص من الشعارات الإسلامية لصالح تحالفات أوسع. وعلى رغم أن الإقبال على أقلام الاقتراع كان ضئيلاً، إلا أن جماعة الإخوان حصدت 16 مقعداً من أصل 130 في البرلمان.
في الكويت، كان فرع الجماعة، الحركة الدستورية الإسلامية، يشارك منذ أمد بعيد في الانتخابات البرلمانية، ويتمتع بدور بارز في الحياة السياسية. لكن مؤخرا، بزّت الأحزاب السلفية الحركة في الطيف الإسلامي. كما ألحق تنامي الحكم الاستبدادي في البلاد وقمع جماعة الإخوان المسلمين في بلدان مجلس التعاون الخليجي خسائر إضافية بالحركة الدستورية الإسلامية، وحدّ من قدرتها على المشاركة السياسية، فقاطعت انتخابات عامي 2012 و2013. لكن الحركة أعلنت في أيار/مايو 2016 أنها قررت المشاركة في الدورة التالية من الانتخابات البرلمانية.
وفي انتخابات 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، كان أداؤها جيداً وحصدت أربعة مقاعد من أصل خمسة، فيما فازت المعارضة الأوسع بنحو نصف المقاعد.
برّر قادة الحركة العودة إلى المشاركة بتعابير واقعية وعملية، فقالوا أن المقاطعة سمحت للبرلمان بتبرير سلسلة من القوانين الارتكاسية، وباعدت الحركة عن المجتمع الكويتي. والحال أن الليونة الحيوية لهذه الحركة وقابليتها للتأقلم، كرّست حضورها كطرف طبيعي في النظام السياسي الكويتي، تماماً كما أن هذه العودة أكدت قدرة السياسات الكويتية على مقاومة الضغوط المُوجَّهة ضد جماعة الإخوان من الشركاء الأقوى في مجلس التعاون.
اختارت جماعات إسلامية أخرى أن تنخرط في شكل من أشكال السياسات مابعد الإسلامية، عبر السماح لنفسها بأن تُستتبع على يد الأنظمة. في المغرب، أدى حزب العدالة والتنمية هذا التوجّه بحماس، وبَزَغَ بنجاح في الحكومة عبر قبوله قيود النظام الملكي.8
وفي المقابل، تجنّب هذا الأخير القمع، ودعا الحزب إلى خوض الانتخابات، ثم سمح له بتشكيل حكومة بقيادة رئيسه عبد الإله بنكيران. لقد اختبر الحزب كلاً من منافع وأكلاف السلطة الحكومية، في نظام تُديره عملياً المَلكيَة،9
واستندت استراتيجيته، كما يقول الباحث محمد مصباح، على “اللعب وفق قواعد الملكية، لَكن من دون الاصطفاف كليّاً مع القصر“.10
وجد حزب العدالة والتنمية نفسه يتسنّم مسؤوليات جسام، لكن في الواقع من دون صلاحيات للقيام بأي شيء. صحيح أنه ربح فُرص محسوبيات مهمة، وتَجذَّرَ مؤسسياً في النظام السياسي، خاصة على المستويات المحلية، لكنه في المقابل خسر المصداقية بين القطاعات الإسلامية في المجتمع لصالح منافسته الإسلامية جماعة العدل والإصلاح.
ومع ذلك، وعلى رغم كل الإثباطات بسبب عدم تحقُّق أي تغيير سياسي حقيقي، كانت قيمة التوقُعية (القدرة على التكهن بالخطوات التالية) لدى الأحزاب الإسلامية واضحة للعيان، حيث اكتشف حزب العدالة والتنمية أنه من السهل نوعاً ما العمل في إطار نظام إعتاد عليه. وهكذا، اقتنص الحزب الفرص التي لم تفرض تحديات كبرى على النظام السياسي القائم،11
وآتت استراتيجيته السياسية أُكلها في تشرين الأول/أوكتوبر 2016 حين فاز الحزب ثانية بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية (حصد 152 مقعداً مقابل 102 لمنافسه غير الإسلامي حزب الًاصالة والمعاصرة) ودُعِي إلى تشكيل حكومة جديدة.
وفي تونس كذلك، سعت المنظمة الإسلامية الأكبر، النهضة، إلى تحويل دورها، بعد تغيّر الظروف على إثر استلامها السلطة العام 2011. كان يجري باستمرار الأطلالة على مسارها بكونه أفضل من توجهات جماعة الإخوان المسلمين المصرية. ففي حين رفض الرئيس المصري السابق محمد مرسي أي تسويات أو حلول وسط، مادفع الإخوان إلى هوة الكارثة، اشتق زعيم النهضة راشد الغنوسي طريقاً نحو الوفاق، ما أشرع الأبواب أمام تعزيز وتدعيم عملية الانتقال الديمقراطي الهشّة.
لقد بدا أن قرار النهضة بالتخلي عن السلطة طوعاً في خضم الازمة السياسية، كان بمثابة تبكيت للرأي الذي يقول أنه حين يصل الإسلاميون إلى السلطة لن يتخلوا عنها أبداً بعد ذلك.
أسفر سعي حزب النهضة لتحقيق التوافق إلى تحالف مفاجىء بينه وبين منافسه اللدود السابق نداء تونس، الذي وصل إلى السلطة عبر أجندة مناوئة بشدة للإسلاميين، وكان ثمرة ذلك قدرٌ من الاستقرار السياسي على حساب الدعوات إلى تغييرات سياسية أسرع.
جاءت عمليات إعادة الاصطفاف التي قام بها حزب النهضة، رداً على وجه الخصوص على تهديدات سياسية وفرص محددة. إذ واجه الحزب، على رغم كل جهوده لطمـأنة التونسيين والانخراط في سياسة التوافق حين كان في السلطة خلال الفترة المُبكرّة التي تلت الثورة، حالة من الاستقطاب والشكوك كانت بالحدة نفسها تقريباً التي عاينتها جماعة الإخوان في مصر.
صحيح أن الجيش والمؤسسة الأمنية في تونس لم تكونا قويتين ولامُتجذرتين كما في مصر، إلا أنه تعيّن على حزب النهضة أن يتعاطى مع مجتمع مدني غير إسلامي أقوى وجيّد المأسسة. ولهذا صوّت مؤتمر حزب النهضة في أيار/مايو 2016 لصالح فصل الحزب السياسي عن الحركة الاجتماعية، وهي خطوة حذت حذو تطورٍ مماثل في حزب العدالة والتنمية المغربي. وعلى رغم أن المضاعفات العملية لهذا الفصل لاتزال غامضة، لايزال على النهضة خوض غمار انتخابات وفق هذا الترتيب الجديد.
في الجزائر، توجّب على حركة مجتمع السلم، وهو حزب متفرّع من جماعة الإخوان المسلمين، العمل في بيئة شكّلتها بعمق الحرب الأهلية الدموية في حقبة التسعينيات.
وقد انبثق موقف الحركة التصالحي مع النظام من صدمة الانقلاب العسكري الذي أعقب الانتصارات الانتخابية الإسلامية في أوائل التسعينيات، وماتلاه من انفجار النزاع.
أيّدت الحركة، بوصفها الوجه المقبول للإسلام السياسي في ظل نظام مناوئ بعنف للإسلاميين، العملية السياسية التي قادها النظام، ووافقت على المشاركة في حكومات عدة.
بيد أن الانتفاضات العربية عقّدت هذا التوجُّه من خلال تمكين أولئك المُصممين على زعزعة، إن لم يكن إطاحة، النظام السياسي الراكد الذي كانت الحركة وجدت لها في إطاره مطرحاً مريحا.
وفي كانون الثاني/يناير 2015، تحرّك هذا الحزب لإعادة التموضع كلاعب أكثر استقلالية عشية عملية الانتقال الرئاسية المتوقعة.12
وهذا كان مؤشراً على وجود نيّة لخوض الانتخابات، في الوقت نفسه الذي تتواصل فيه الحركة مع المعارضة، على رغم أن هذه الأخيرة اعتبرتها مُوغلة في الاستتباع للنظام وليست حزباً معارضاً على الإطلاق.
كل هذه الحالات تشي بأن الاحزاب المُتفرعة من جماعة الإخوان المسلمين تتأقلم مع البيئات السياسية الجديدة، من خلال مواصلة الالتزام باستراتيجية المشاركة الانتخابية. لكن هذه الأحزاب، وعلى عكس الحالة المصرية، نجت من الضغوط المُستجدة واقتنصت الفرص المتوافرة. هذه النجاحات يجب أن تُوزن وتُقارن بفشل جماعة الإخوان المصرية، حين يجري تقييم أداء الحركات الإسلامية ومستقبلها.
القتال في الحرب الأهلية
ثمة مسار ثالث انتهجته الجماعات الإسلامية خارج مصر، تمثّل في إعادة تعريف نفسها عبر الانخراط في النزاعات كجزء من ائتلافات أوسع. فهذه، مثلاً، جماعة الإخوان المسلمين السورية التي قامت بقسط وافر من عملية التنظيم المُبكر للانتفاضة السورية ولعبت، بفضل الدعم القطري والتركي لها، دوراً قيادياً في المجلس الوطني السوري وفي العديد من عمليات المعارضة السورية المُنطلقة من تركيا.
لكن هذه الجماعة افتقدت إلى الحضور البارز داخل سورية، بفعل القمع العنيف الذي مارسه ضدها الرئيس حافظ الأسد آنذاك بعد اندلاع صراعها مع نظامه العام 1982. مع ذلك، ساعد الوجود الخارجي البارز الجماعة على الانخراط في الدبلوماسية الدولية المُحيطة بانتفاضة 2011. ومع تحوّل الاحتجاجات في سورية إلى تمرد مسلّح تقدّمت فيه الصفوف الجماعات الجهادية المُتشددة، وجدت الجماعة نفسها في موقف صعب. وهي جهدت للحفاظ على منحى إسلامي معتدل في بيئة تطغى عليها النزعة الجهادية أكثر من أي وقت مضى، حتى حين تبنّت الحركات الجهادية تكتيكات الجماعة الخاصة بتقديم الخدمات الاجتماعية والحوكمة. وقد أفادت الجماعة من الاحتضان القطري والتركي لها، فيما كانت مُستهدفة من قبل حلفاء السعودية داخل منظمات المتمردين، بسبب عداء المملكة لمنظمات الإخوان.13
في ليبيا، كانت جماعة الإخوان في البلاد واحدة من أطراف عديدة إلتأم شملها في إئتلاف مُعارض فضفاض ضد القذافي. وفي حقبة مابعد القذافي، استخدمت الجماعة المساعدات المالية والإعلامية والعسكرية والسياسية التي قدمتها قطر وتركيا كي تقتطع لنفسها دوراً قويا.
وفي حين أن الجماعة لم تبلِ بلاء حسناً في أول انتخابات ليبية، فقد باتت منخرطة بعمق في مراكز القوى الناشئة هناك. كما أنها أصبحت هدفاً رئيساً، وطرفاً، في المشهد السياسي الليبي الذي انقسم بشدة بعد سقوط القذافي، وجهدت للحفاظ على موقف سياسي واجتماعي مُتّسق، فيما هي عالقة بين مطرقة التيارات الجهادية الصاعدة وبين سندان الهجوم المناوئ للإسلاميين الذي تدعمه الإمارات العربية المتحدة ومصر.
بيد أن بروز تهديد الدولة الإسلامية، سمح لها باستعادة بعض الجاذبية من خلال تموضعها داخل إئتلاف معارض وإلى جانب حكومة وفاق وطني مدعومة دوليا. بيد أن حالة الاستقطاب لاتزال حادة، وكذا الأمر بالنسبة إلى الشكوك بجماعة الإخوان في صفوف داعمي مجلس النواب الذي انتّخب العام 2014، وفي أوساط حركة الكرامة التي يتزعمها المشير خليفة حفتر.
في المناطق الفلسطينية، وجدت حركة حماس، التي تنشط في سياقات مؤسسية مختلفة وتنطوي على تاريخ غاية في التباين في مجالي الحوكمة والعنف، نفسها في مواجهة كل هذه التغييرات. فقد حدّت السياسات الإقليمية للغاية من قدرتها على الحكم في قطاع غزة، أو من تعبئة الدعم في أوساط المجتمع الفلسطيني الأوسع.
وحتى خلال السنة التي حكمت فيها جماعة الإخوان مصر، لم تفعل القاهرة شيئاً للتخفيف من الحصار المفروض على القطاع. ومنذ الانقلاب، تعاون نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي على نحو وثيق مع إسرائيل لتعزيز الحصار حول غزة، وصنّف حماس جهارا، جنباً إلى جنب مع جماعة الإخوان، كعدو. علاوة على ذلك، أفرغت الحرب الأهلية السورية مايّسمى محور المقاومة (الذي يضم إلى حماس، حزب الله وإيران وسورية) من مضامينه السياسية وكلّف حماس قاعدتها في دمشق.14
ثم جاء التقارب الصامت بين إسرائيل والعديد من الأنظمة العربية، والذي كان دافعه جزئياً تشاطر معارضة الاتفاقية النووية مع إيران التي قادتها الولايات المتحدة، ليفاقم الضغوط المالية والسياسية على حماس. وفي نيسان/إبريل 2016 أعلنت الحركة، وكجزء من الجهود لتبنّي موقف جديد، قطع علاقاتها رسمياً مع جماعة الإخوان.
تظهير قيمة القوى الإقليمية
تبنّت الجماعات الإسلامية مساراً رابعاً، كمن في تجنُّب الضغط من خلال الانخراط في العمل لحساب قوى إقليمية. وهكذا، شارك حزب الإصلاح اليمني كلياً في الانتفاضة ضد نظام الرئيس علي عبد الله صالح في الفترة بين 2011- 2012، ثم وجد لنفسه لاحقاً موقعاً مريحاً داخل إئتلاف عسكري تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين.
كما تجنّب الحزب الحملة الخليجية الأوسع ضد الإسلاميين، من خلال تحويل نفسه إلى لاعب في الحروب الإقليمية بالواسطة، وتحرّك بليونة بين التحالفات في ساحة سياسية غاية في الاضطراب تتنازع فيها إيران والسعودية ودولة الإمارات.
حزب الإصلاح نفسه هو إئتلاف واسع يضم ليس فقط جماعة الإخوان المسلمين، بل أيضاً شبكات سلفية وجهادية متطرفة، إلى جانب مجموعات غير إسلامية. وبعد أن نُحِّيَ جانباً خلال الاندفاعة الإقليمية ضد جماعة الإخوان، أعاد حزب الإصلاح بناء الجسور مع السعودية واحتّل موقعاً مركزياً في الإئتلاف الذي تقوده هذه الأخيرة.
في البحرين، وعلى عكس معظم دول مجلس التعاون الخليجي حيث مثّلت الأحزاب السياسية تهديداً سياسيا، تناغم فرع جماعة الإخوان، المنبر، بشكل مريح مع استراتيجية النظام الطائفية. فهو، بتعبئته الدعم السنّي للنظام ضد الغالبية الشيعية في البلاد، حوّل نفسه إلى طرف لاغنى عنه للملكية الهشّة، حتى في ذروة الحملات الإقليمية المناوئة للإسلاميين.15
وهذا الدور الطائفي وفّر له الحماية من الحملات الإقليمية، على رغم اعتماد البحرين الكبير على السعودية.
هذا التنوُّع هذه التجارب يجب أن يكبح أي استنتاجات مبسّطة حول الأحزاب أو الحركات الإسلامية. فالإسلاميون سيواصلون المشاركة في الأنظمة السياسية كلما سنحت لهم الفرصة، بيد أنهم هدروا قدراً كبيرا من الرأسمال السياسي الذي راكموه خلال عقود من التواصل الاجتماعي وسياسات المعارضة.
التجربة المصرية ورد فعل الإخوان
تُعتبر تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر مركزية لمنظمات الإخوان في بقية أنحاء الشرق الأوسط. فالنجاحات والنكسات التي أصابت الجماعة المصرية، طرحت مروحة من الفرص والقيود الوطنية والإقليمية لجماعات الإخوان في بلدان أخرى. قبل الانتفاضات العربية، كانت جماعات الإخوان في المنطقة مستقلة، لكنها سعت بالاجمال إلى الحصول من القاهرة على التوجيه والدعم. بيد أن السقوط الصادم والمفاجىء للإخوان من السلطة في العام 2013، قَلَبَ هذه العلاقة الراسخة مع هذه المنظمات الوطنية التي انصبَّت خياراتها لاحقاً على سياقات تحددها التفاعلات المحلية والإقليمية والداخلية الإسلامية، أي على تفاعلات تنطوي على أحداث مصر ومضاعفاتها.
المجال المحلي
على المستوى المحلي، مزّقت الانتفاضات العربية أنماطاً سياسية راسخة مارستها بعض الأحزاب الإسلامية، أولاً من خلال فتحها مسارات إلى السلطة الحقيقية، ثم إغلاقها بالقوة. وكانت الاستهلالات السياسية الأولّية هي الأكثر إثارة لعدم الاستقرار للإسلاميين أكثر من لاحقاتها التي انطوت على القمع المألوف.
لطالما عملت الأحزاب الإسلامية داخل المؤسسات السياسية التي قبلت إلا تصل فيها إلى السلطة.16
بيد أن إطاحة الرئيسين حسني مبارك وزين الدين بن علي أزال بقوة هذا الغطاء عن طموحاتها. فقد سمحت اندفاعة التعبئة الشعبية للمنظمات الوطنية في جماعة الإخوان بالفوز بسلطة غير مسبوقة في الانتخابات في مصر والمغرب وتونس. كما لعبت فروع الجماعة أيضاً أدواراً رئيسة في الائتلافات المُعارضة في ليبيا وسورية واليمن، وحظيت بدعم غربي كبير.
فيما كانت منظمات الإخوان تتأقلم مع الظروف المحلية والإقليمية المتغيّرة، جاء الفشل الكارثي لجماعة الإخوان في تحقيق عملية الانتقال بنجاح، ليُلقي بظلاله الكثيفة على هذه الخطوة. فبعد سقوط مبارك، أفادت جماعة الإخوان بسرعة من الاعتراف القانوني غير المسبوق بها وأيضاً بدرجة من السلطة المؤسسية في خاتمة المطاف،17
لكنها واجهت ليس شكوك القوى غير الإسلامية والسلطة المتجذرة لجيش معادٍ لها بعنف وحسب، بل أيضاً تحدٍ سياسي جديد تمثّل في حركة سلفية مُطلقة العنان.
إضافة إلى ذلك، أثار صعود جماعة الإخوان إلى السلطة عبر انتخابات برلمانية ورئاسية حركة ارتجاعية عنيفة. ذلك أن منظمة لطالما روّجت سمعة لها بأنها مستقيمة ونزيهة، وجدت نفسها فجأة موضع شكوك عميقة، وعزلة عن مجتمع أمضت عقوداً وهي تحاول تشكيله على صورتها.
وفي غضون تسعة أشهر من انتخاب مرسي رئيسا، إلتأم شمل معظم أطراف الطبقة السياسية في إطار جبهة الخلاص الوطني التي تأسست في كانون الأول/ديسمبر 2012، بهدف مُحدد هو دحرجة رأسه من السلطة.
قلّة فقط قد ترفض الفكرة بأن جماعة الإخوان اتخذت قرارات بائسة خلال مرحلة الانتقال مابعد 2011. لكنها في المقابل لم تكن الطرف الوحيد الناكث بالوعود وغير الكفؤ، ناهيك عن أنها ليست فريدة في فشلها السياسي خلال هذه الفترة المضطربة.
كل طرف سياسي في مصر اتخذ قرارات كارثية في ذلك الوقت، مُستخدماً خطاباً يتعتعه التطرف العنيف ولاجئاً إلى العنف. ثم أن الجيش المصري حَكَمَ بشكل كارثي هو الآخر من شباط/فبراير إلى حزيران/يونيو 2012، فأغضب الطبقة السياسية، وسعى إلى احتكار السلطة، واستخدم القوة ضد المُحتجين.
أما جبهة الخلاص الوطني، فهي تحرّكت مباشرة إلى المطالبة بإطاحة مرسي بدل السعي، أولاً، إلى تغيير سياسات الرئيس. بدورهم، أخطأ النشطاء مراراً في قراءة المناخ السياسي، ثم اصطفوا بشكل كارثي أيضاً إلى جانب الجيش في عملية الإطاحة بمرسي، مُمهدين بذلك الطريق أمام قمعهم وتهميشهم هم أنفسهم.
لكل هذا سيكون أمراً مُضللاً تفسير الفشل الفريد لجماعة الإخوان، بالتركيز على استطلاع أمراضهم التنظيمية أو الإيديولوجية.
فالبيئة السياسية في مصر آنذاك كانت غاطسة في حالة من الإبهام واللايقين المؤسسي. وفي السنتين اللتين تلتا إطاحة مبارك، سعت الجماعة إلى التصالح مع الجيش الذي اعتبرته المنافس الأكثر قوة لها على السلطة، على حساب قطاعات الناشطين المُنقسمة على نفسها. وقد اختار بعض الناشطين أيضاً أن يحذو حذوهم العام 2013 ليحصدوا نتائج فاجعة مُماثلة.
جرت الانتخابات الرئاسية الحاسمة في أيار/مايو– حزيران/يونيو في غياب دستور جديد، ماعنى أن الناخبين والمرشحين على حد سواء لم يعرفوا أي صلاحيات سيقبض على ناصيتها الرئيس المُنتخب. كان القضاء قد حلّ البرلمان قبل فترة وجيزة من الانتخابات، الأمر الذي خلق فراغاً تشريعياً، في الوقت نفسه الذي كان يسعى فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي الهيئة المُمثلة للجيش، للاحتفاظ بالسلطات الرئيسة.
وقد ألقت مكائد أجهزة الأمن والمخابرات، جنباً إلى جنب مع مواقف هيئة القضاء، والخوف من التلاعب بالنتائج أو قَلبِها، بثقلها كاملاً على كل الحسابات. وكانت مخاوف مماثلة تقف وراء المناورة السياسية الرديئة التي قام بها مرسي، أي “تلقُّف السلطة” في أواخر تشرين الثاني 2012، والتي إدّعى فيها امتلاك صلاحيات غير مقيّدة لإقرار دستور جديد من دون مراجعة قضائية، لأنه اعتبر المحاكم المصرية مُسيّسة بعمق.
أسفر الانقلاب العسكري عن تمزيق جماعة الإخوان إلى درجة حوّل معها هذه المنظّمة إلى كيان سياسي مختلف تماما.18
فقيادة الجماعة عُطِّلَت بوجه الإجمال، وباتت المنظمة الآن منقسمة بين مراكز قوى عديدة داخل مصر وخارجها.19
بيد أن قمع جماعة الإخوان لم يكن وحيد عصره، إذ أن منظمات الإخوان في مصر وسورية وتونس نجت هي الأخرى من حملات سياسة الأرض المحروقة في العقود المنصرمة، لكنها أطلّت برأسها ثانية لتلعب أدواراً رئيسة حين تغيّرت الأحوال.
أما جماعة الإخوان الأردنية، فقد انقسمت وجُرِّدَت من ركائزها المؤسسية. وحين اصطدمت أفرع الجماعة القائمة منذ أمد طويل، بما في ذلك حركة حماس والجماعة الأردنية، بتصميم دول الخليج على تصنيف الإخوان في خانة المنظمات الإرهابية، أعلنت انفصالها عن المنظمة الأم.
بيد أن البيئة السياسية لحقبة مابعد الانقلاب في مصر، ذهبت أبعد بكثير من عملية قمع الدولة. ذلك أن الاستقطاب الذي شقّ الرأي العام حيال مسألة الإسلاموية، قوّض التموضع الدقيق لجماعة الإخوان، وبات من الصعب عليها احتلال موقع الوسط لأنه ببساطة لم يعد هناك وسط. ثم جاء الشعور العميق بالظلم الذي شعر به العديد من أعضاء الجماعة حيال الانقلاب وحملة القمع التي تلته لينسف القيمة المعيارية لاحتلال موقع الوسط.
كما أن مابدا أنه تحوّل من جانب الرأي العام المصري ضد الإخوان، فضّ في لحظة ما أمضت الجماعة عقوداً في بنائه، وأثار أسئلة استراتيجية وسياسية أكثر عمقا.
يظهر أن الأحزاب الإسلامية تُنجز الأفضل حين تنشط في إطار قواعد مؤسسية مُحددة، هذا على رغم أن بعض الأفرع الوطنية أثبتت أنها تكون أكثر ليونة من الأخرين حين تتغيّر قواعد اللعبة فجأة.
وهنا تتطلّب استراتيجيات ضبط الذات، كتلك التي مارستها النهضة بتوجيه من راشد الغنوشي، تنازلات أكبر مما قد تُمليه موازين القوى الموضوعية. إذ حتى جهود التطمين الواضحة والمتّسقة، تُواجه مقاومة من المخاوف– التي لطالما أذكى نيرانها إعلام النظام والدعاوي المعادية– التي يثيرها الإسلاميون لدى الآخرين حول نواياهم الحقيقية والنهائية.
القادة الأذكياء قبلوا الفكرة بأن الحركات الإسلامية تواجه عبئا أثقل، في مجال تقديم اثباتات إلى الجمهور غير الإسلامي في الداخل والخارج، وهم يسعون إلى الطمأنة وليس إلى الإصرار على سرديات الاضطهاد والشهادة.
بيد أن هذا لايعني هجر الآمال بالوصول إلى السلطة أو تحقيق المصالح الذاتية. علاوة على ذلك، يمكن لاستراتيجيات الطمأنة والتعاون أن تؤمّن غالباً المصالح الحزبية بفعالية أكثر من استراتيجيات التطرف ورفض التسويات.
والحال أن الأحزاب الإسلامية لها باع مديد في ممارسة النفس الطويل، وستجد من الأسهل عليها، وعلى الأرجح أكثر بكثير مما يتوقع الكثيرون، أن تتأقلم مع الظروف المُعادية في مرحلة مابعد الانتفاضات في البلدان العربية.
***
مارك لينش باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تتركّز أبحاثه على سياسات العالم العربي.
الهوامش:
7 Aaron Magid, “Jordan’s Muslim Brotherhood Comes In From the Cold,” Middle East Eye, June 21, 2016, http://goo.gl/1LnZIk.
8 Avi Spiegel, “Succeeding by Surviving: Examining the Durability of Political Islam in Morocco,” Brookings Institution, August 2015, https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2016/07/Morocco_Spiegel-FINALE.pdf.
9 Esen Kirdiş, “Between Movement and Party: Islamic Movements in Morocco and the Decision to Enter Party Politics,” Politics, Religion & Ideology 16, no. 1 (2015): 65–86.
10 محمد مصباح، “إسلاميو الملك: التجربة المغربية“، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 23 آذار/مارس 2015، http://carnegie-mec.org/2015/03/23/ar-pub-59455
11 Anouar Boukhars, “Morocco’s Islamists: Bucking the Trend?,” FRIDE, June 6, 2014, http://goo.gl/INEfWt.
12 دالية غانم–يزبك، “مستقبل الحزب الإسلامي الرئيس في الجزائر“، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 14 نيسان/أبريل 2015، http://carnegie-mec.org/2015/04/14/ar-pub-59770
13 Stéphane Lacroix, “Saudi Arabia’s Muslim Brotherhood Predicament,” Washington Post, March 20, 2014, http://goo.gl/BK8mbn.
14 “ضوء في نهاية النفق؟ حماس والانتفاضات العربية“، تقرير الشرق الأوسط وأفريقيا رقم 129، مجموعة الأزمات الدولية، 14 آب/أغسطس 2012، https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/eastern-mediterranean/israelpalestine/light-end-their-tunnels-hamas-arab-uprisings; وأيضاً: Nathan Thrall, “Hamas’s Chances,” London Review of Books 36, no. 16 (August 21, 2014): http://goo.gl/Ir7SPv.
15 Giorgio Cafiero, “What Bahrain’s Opposition Crackdown Means for Country’s Brotherhood,” Al-Monitor, June 27, 2016, available at http://goo.gl/MMKVvr.
16 Nathan J. Brown, When Victory Is Not an Option: Islamist Movements in Arab Politics (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2013).
17 أحمد عبدربه، “الإخوان المسلمون فى خمسة أعوام“، صحيفة الشروق، 16 كانون الثاني/يناير 2016، http://goo.gl/PpWzYk
18 نيفين مسعد، “الإخوان المسلمون في مشهد إقليمي متغير“، العدد 19 من الملف المصري، (القاهرة، مصر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، آذار/مارس 2016).
19 Victor J. Willi, “Phoenix Rising From the Ashes?: The Internal State of Affairs of the Muslim Brotherhood at the Start of 2016,” Jadaliyya, January 25, 2016, http://goo.gl/JiFH8d.
______________