بقلم مارك لينش

يُنبئ شطب الفرص الديمقراطية، وصعود تنظيمات عنيفة ناجحة، وتغيّر السياقين الإقليمي والإسلامي بأن منظمات أخرى غير الإخوان المسلمين قد تهيمن على المرحلة المُقبلة من السياسات الإسلامية.

***

الجزء الأول

تُواجه الأحزاب الإسلامية العربية تحديات وفرصاً استثنائية في آن، غداة انتفاضات 2011. فبعد عقود من مواجهاتها مع الأنظمة الاستبدادية، يتعيّن عليها الآن خوض غمار سياقات محلية وإقليمية وداخلية إسلامية غاية في الجدّة. وعلى رغم أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر شهدت ظاهرة الصعود والسقوط المُذهلة، إلا أن تجربتها لم تتطابق مع تجارب أحزاب إسلامية أخرى كانت أكثر نجاحاً في التأقلم. إذ أن التغييرات التي اعتمدتها هذه الأحزاب، أصلحت ورمّمت هيكليتها، وإيديولوجيتها، واستراتيجيتها بطريقة أربكت وناقضت التوقعات المديدة عن أفكارها وسلوكياتها.

اتجاهات الأحزاب الاسلامية

  • كانت استعدادات الأحزاب الإسلامية هشّة في التعاطي مع الاستهلالات السياسية بعد الانتفاضات العربية في 2011، لكن العديد منها تأقلم مع تبعاتها بطرق براغماتية ومتنّوعة.

  • كان صعود وسقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر فاقع الأهمية عبر المنطقة، لكن تجربتها لم تكن مقياساً معيارياً بالمقارنة مع أحزاب إسلامية إقليمية أخرى.

  • واصلت الأحزاب الإسلامية المشاركة بنجاح في الانتخابات الديمقراطية، على رغم الضغوطات المحلية والإقليمية.

  • أسفرت التحديات للتماسك والتراتبية التنظيمية التي واجهتها العديد من الحركات الإسلامية، علاوة على فشل القادة المُسنين، عن بروز مجادلات داخلية حول القيادة، والإيديولوجيا، والاستراتيجية.

  • تتواجه الأحزاب الإسلامية، التي موضعت نفسها تقليدياً كبدائل عن المنظمات الجهادية العنيفة، مع تيارات إقليمية تتفاقم فيها النوازع الطائفية والتطرف بشكل مطّرد.

خلاصات وتوصيات

  • يتعيّن الإطلالة على الأحزاب الإسلامية ليس بوصغها أطرافاً إيديولوجية محضة، بل كحركات سياسية عقلانية تتفاعل مع فرص وتحديات سياسية مميّزة في كلٍ من بلدانها.

  • ستواصل الأحزاب الإسلامية لعب دور مهم في سياسات معظم الدول العربية، على رغم الضغوطات التي واجهتها في غضون السنوات الأخيرة.

  • لأن الأحزاب الإسلامية تميل إلى التأقلم مع البيئة السياسية التي تعمل في إطارها، يجب على الأنظمة توفير فرص لاستمرار مشاركتها في السياسات الرسمية بدلاً من دفعها إلى العمل السرّي أو المقاومة العنيفة.

  • بالأجمال، موضعت الأحزاب الإسلامية نفسها كحركات وسطية، ووفّرت للمواطنين من ذوي الاتجاهات الإسلامية فرصة المشاركة في حياة سياسية غير عنيفة داخل التيار الرئيس السائد. وهي تربح عبر الدفاع بالتحديد عن هذا الموقع الوسطي، لا بالانسياق نحو المواقف المتطرفة التي تؤدي في خاتمة المطاف إلى تهميشها.

  • يفرض صعود الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً وباقي الحركات السلفيةالجهادية تحديات على الأحزاب السياسية، من خلال تقديم نموذج يبدو أكثر نجاحا. لكن، بسبب الحاجة إلى حاجز فعّال ضد التطرف، يمكن أن تُطلق النكسات العسكرية والسياسية التي تنزل حالياً بالدولة الإسلامية، فرصاً لإحياء البدائل السياسية الإسلامية المُنغرسة في التيار الرئيس.

مقدّمة: ضرورات التحوُّل الجذري

هزّت الانتفاضات السياسة العنيفة أركان الأحزاب السياسية في العالم العربي خلال السنوات الخمس الماضية. فبعد عقدٍ من المشاركة السياسية الصبورة، والتواصل مع الغرب، والتموضُع الحذر ضد تنظيم القاعدة، هرعت أحزاب سياسية عدة (كلها شطور من جماعة الإخوان المسلمين الأوسع) إلى التربُّع على مناصب في السلطة السياسية غداة الانتفاضات العربية في 2010-2011. كانت هذه الأحزاب حصدت انتصارات انتخابية في مصر وليبيا والمغرب وتونس، ولعبت أدواراً رئيسة في الائتلافات السياسية التي تشكّلت بمساندة غربية في سورية واليمن.

بيد أن هذه الاستهلالات سرعان ما ارتكست. فحزب النهضة التونسي تنحّى عن السلطة في كانون الثاني/يناير 2014، في خضم اضطرابات سياسية؛ وإسلاميو ليبيا أبلوا بلاءً سيئاً في الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر حزيران/يونيو 2014. والأكثر مدعاة للذهول، كان الانقلاب العسكري الذي نفّذه الجيش المصري وأطاح فيه محمد مرسي، أحد قياديي جماعة الإخوان الذي انتّخِبَ رئيساً العام 2012، ما أشعل حملة قمع عنيفة ضد هذه الجماعة في طول المنطقة وعرضها.

هذه الارتكاسات لم تقوّض المكاسب السياسية قصيرة العمر التي حققتها الأحزاب الإسلامية وحسب، بل عرقلت كذلك الاستراتيجيات التدرُجية التي حيكت بتأنٍ ودراية، ونالت من معتقدات إيديولوجية واستراتيجية عريقة، وأعادت تشكيل تضاريس الأحزاب الإسلامية. قُبيل الانتفاضات العربية، كانت معظم الاحزاب الإسلامية تطرح استراتيجيات سياسية، وهياكل تنظيمية ومواقف إيديولوجية، مُستقرة نسبياً ويمكن استقراء مسارها.

بيد أن الاستهلالات السياسية للعام 2011 والارتكسات اللاحقة في السنوات التالية، فرضت متطلبات جديدة على هذه الحركات. فالمناورات المُتسرِّعة والجانحة، حلّت مكان الاستراتيجيات السياسية الحذرة بعيدة المدى، حين انبرى الإسلاميون لاقتناص الفرص الجديدة والرد على تحديات مُستجِدة.

واليوم، تجد معظم الأحزاب الإسلامية نفسها تخوض غمار بيئة مجهولة المعالم، وتعاني من أشكال جديدة من قمع الدولة، والاستقطاب الاجتماعي، والمتاعب التنظيمية، والتنافسات الإقليمية، والعداء الدولي، والتنافس داخل صفوف الإسلاميين.

لطالما اعتُبِرَ فشل الإخوان المسلمين في مصر مؤشِّراً على وجود حالة مَرَضِيَة أوسع لدى الأحزاب الإسلامية. وهكذا، فُسِّرَت اعتبارات، على غرار الخيارات البائسة والسلوكيات التنفيرية وفشل جماعة الإخوان في نهاية المطاف بعد 2011، بكونها ناشئة عن خاصيّات هياكلها التنظيمية والإيديولوجية الإسلامية.1

لكن، في المقابل، انتهجت هيئات وطنية أخرى في جماعة الإخوان سلوكاً مغايراً تماماً إزاء التطورات السياسية الإقليمية الأخيرة، وكانت أوفر حظاً بالنجاح. وحتى في داخل مصر، برزت مقاربات غاية في التباين تبعاً لخطوط الانقسامات الإيديولوجية، أو الداعمات بين الأجيال، في داخل جماعة الإخوان نفسها.

والحال أن سجل حقبة مابعد انتفاضة 2011، لايدعم الفرضية بأن الإسلاميين هم على وجه الخصوص لاعبون إيديولوجيون، أو بأن الغطاء انكشف عن كونهم غير قادرين أصلاً على الاشتراك في السياسات الديمقراطية. ثُمَ: لاتواجه كل الأحزاب الإسلامية آفاقاً قاتمة، لابل وَجَدَ بعضُها خارج مصر فرصاً جديدة لترقية أجنداتها السياسية. لكن، ماذا لدى الطيف الكامل من التأقلمات والتّضبيطات السياسية للأحزاب الإسلامية الرئيسة ليقوله عن أوضاعهم الراهنة وعن آفاق مستقبلهم السياسي المُحتمل؟

أفضل ما يُعلِّل المروحة الواسعة من المحصلات الأخيرة هو السياق السياسي، وليس الخصائص الكامنة في الإيديولوجيا أو المنظّمة الإسلاميّين. إذ لدى هذه الأحزاب خيارات شكّلها وبلورها السياق السياسي المحلي، وحقق بعضها نتائج أفضل من الأخرى في شق عباب البيئات الجديدة.

لايتعيّن فهم خيارات الاحزاب الإسلامية على أنها محض تعبيرات عن إيديولوجيتها، بل كرد على الفرص والتحديات السياسية. ومثل هذه الخيارات تقودها غالباً، وبأكثر مما يتبدّى للعيان، التكتيكات بالدرجة الأولى وعلى نحو أقل التحولّات الإيديولوجية.

وكما أوضح الزعيم النافذ لحزب النهضة التونسي، راشد الغنوشي، في مقابلة في آب/أغسطس 2016، انبثقت التغييرات في حزبه بثبات من السياقات السياسية. كان النهضة حركة إسلامية سريّة في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعمل على مقاومة النظام الاستبدادي، لكنها أصبحت حزباً سياسياً تقليدياً بعد ثورة 2011، حين بدأت تتنافس في إطار نظام ديمقراطي.2

ويمكن معاينة نمطٍ مشابه لدى العديد من الأحزاب السياسية في المنطقة، حيث كانت، ويحتمل أن تبقى، البراغماتية والحذر، وليس الإيديولوجيا أو الحماسة الثورية المتَّقدة، هي المبادىء الهادية للأحزاب السياسية الإسلامية الرئيسة، طالما تُوفّر الأنظمة السياسية مثل هذه الفرص.

جرى اختبار هذه البراغماتية بحدّة من قِبَلْ كلٍ من الفرص والتهديدات في البيئة الإقليمية الجديدة، وكان في الوسع تلمُّس تأثيراتها الأبرز في حظوظ جماعة الإخوان المصرية التي تحولّت ظروفها بعمق عبر ارتقائها سلم السُلطة، ثم عقب الانقلاب العسكري وقمع الدولة الذي تلاه.3

في البداية، حصدت الجماعة سلطة سياسية لاتُصدَّق، وانتقلت من الهامش إلى قلب المؤسسات السياسية، وألقت عنها رداء السرّية والحذر الذي لطالما دمغ سلوكياتها طيلة عقود. وهكذا، وجدت الجماعة نفسها تتنافس ليس مع الليبراليين والدولة العميقة وحسب، بل أيضاً مع السلفيين الأكثر إيديولوجية، مثل حزب النور الذي تحدى أوراق اعتمادها الإسلامية.4

بعد الانقلاب، خسرت جماعة الإخوان حضورها الجلي والقوي في المجتمع؛ ذلك الوجود الذي تطوّر على مدى عقود من خلال شبكات الخدمات الاجتماعية المُسهبة والتواجد العام الذي جرى التسامح معه. وعلى رغم أنه من الصعب على وجه اليقين معرفة كم من الشبكات التنظيمية والدعم الأساسي لايزال سليماً وموفوراً، إلا أن قمع النظام لجهازها السياسي ومنظماتها غير الحكومية أجبرها على العمل السري مجددا. لكن، حتى لو لم تختف الشبكات الاجتماعية والشخصية، فقد وجدت الجماعة نفسها مضطرة إلى العمل في ظل قيود جديدة في منتهى القسوة. والآن، تبتلي هذه المنظمة المشهورة بانضباطها بصراعات علنية حول الصلاحيات التنظيمية والاستراتيجية والسياسية.

تُعتبر التجربة المصرية، غالباً، نمطاً نموذجياً لمسار كل الأحزاب الإسلامية. لكن الأمر ليس على هذا النحو. فهذه الأخيرة انتهجت مسارات سياسية متباينة، ووفّرت صوراً مفيدة عن الأوضاع السياسية والمؤسسية الجديدة التي تعمل حالياً في إطارها غداة فشل الانتفاضات العربية. وهذا يتطلب إعادة النظر في الاستنتاجات الراسخة حول إيديولوجية هذه الأحزاب، واستراتيجيتها، وتنظيمها.

بكلمات أوضح، تمثّل تجربة جماعة الإخوان المصرية بالنسبة إلى الأحزاب الإسلامية درباً واحداً فقط، عبر مجموعة جديدة ومعقّدة من معطيات التجربة والخطأ.

فجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، على سبيل المثال، واجهت شكلاً مماثلاً من القمع الاجتماعي والسياسي، وإن يكن أقل حدّة مما جرى في مصر. لكنها مع ذلك اختارت في أيلول/سبتمبر 2016 أن تخوض معمعة الانتخابات البرلمانية وأبلت فيها بلاءً حسنا. وفي تونس، أبرم حزب النهضة تحالفاً سياسياً مع اعتى منافسيه بعد أن تنحى طواعية عن السلطة. وفي المغرب، عثرت الاحزاب السياسية، على غرار حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، طريقة للعمل بفعالية ضمن بيئات سياسية مُتسامحة نوعاً ما، من خلال ممارسة استراتيجيات التقليص الذاتي للترشيحات الانتخابية، وطمأنة المنافسين، والفصل بين الحركة والحزب.

وفي ليبيا وسورية، موضعت الأحزاب الإسلامية نفسها بين الجماعات العلمانية وبين الجهاديين في سياق نزاعات متعددة الأقطاب. وفي الكويت واليمن، تحمّلت الاحزاب السياسية، التي لطالما كانت جزءاً من التيارات الرئيسة في البلاد، فترة من الإقصاء، قبل أن تعود إلى الانغماس في حمأة اللعبة السياسية.

وبالتالي، يتعيّن تحليل سلوكيات الأحزاب الإسلامية على قاعدة أنها ردود فعل براغماتية على ظروف سياسية شكّلتها ديناميكيات محلية وإقليمية وداخلية إسلامية.5

هذه البيئة الجديدة أثّرت على كل الأطراف السياسية وليس فقط على الإسلاميين.

غالباً ما تُدرس الأحزاب الإسلامية بمعزل عن المجال السياسي الأوسع، ماقد يدفع إلى المبالغة في حجم قوتها أو بمناحي فشلها. لكن، في عالم عربي يمر في مرحلة انتقالية، تجهد كل الأطراف للعثور على أنماط فعّالة من العمل السياسي، واتخذت كلها أيضاً بشكل مذهل قرارات مخطئة.

وهكذا، كانت الاضطرابات السياسية التي شكّلت السلوكيات الإسلامية، هي نفسها التي دفعت إلى بروز التيارات المتطرفة ضد الإسلاميين في الشرق الأوسط، بخاصة في بلدان المرحلة الانتقالية مثل مصر وتونس.

مارست بعض الأحزاب الإسلامية سياسات أفضل بكثير من الآخرين في السياسات المضطربة للسنوات المنصرمة. بالطبع، ليس الهدف هنا التقليل من مدى تعقّد وشدة التحديات التي تواجه العديد من الأحزاب الإسلامية في حقبة مابعد 2011 في الشرق الأوسط.

فالقمع الإقليمي والمحلي فرض ضغوطات هائلة على أفرع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان العربية الرئيسة، ونال من سمعة إيديولوجيتها، وسمّم حضورها في المجتمع.6

بات من الصعب اليوم في مصر والأردن تبيّن ملامح جماعة الإخوان: فهي مُنقسمة، ومُرتبكة، ومُجرّدة من معظم مواردها الراسخة في السلطة السياسية. ويبدو أن أفرعاً أخرى أكثر نجاحاً، في المغرب وتونس، تتحرّك بعيداً عن الأشكال التقليدية لمنظمات الحركات الإسلامية، كي تبقى أطرافاً سياسية فاعلة. لكن صعود نجم الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً قلب الاستراتيجية الإيديولوجية والسياسية للأحزاب الإسلامية الرئيسة، بعد أن بدت هذه الأخيرة بالنسبة إلى الشبان الإسلاميين الغاضبين والمعبئين حركات عفا عنها الزمن.

وعلى رغم أن خسائر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية أخمد جاذبيته ومزّق صورته بكونه قوة لايُشق لها غبار، إلا أن إنزال الهزيمة به لايُحتمل أن يُبطل مفاعيل الأضرار التي لحقت بمبادىء الاعتدال واللاعنف. وقد واجهت بعض الأحزاب الإسلامية، إن لم يكن كلها، هذه الضغوطات، فيما كانت تنتصب في وجهها تحديات غير مسبوقة لمواردها وهياكلها التنظيمية الداخلية، ترافقت مع انقسامات جديدة واتساع فجوة شقوق الصدع القديمة. ويحدث كل ذلك في وقت بُتِرَ فيه رأس القيادة أو على الأقل وَهنَ وضعُف.

سيكون من السابق لأوانه تماماً شطب الأحزاب والمنظمات الإسلامية. فجذورها المُنغرسة عميقاً في الأرض ومرونتها الحيوية حتى وهي تواجه نظاماً قمعياً استثنائيا، تشي بأنها ستواصل لعب دور حاسم في سياسات المنطقة، كما فعلت منذ عقود. وهذا على أي حال ماتؤكده الحقيقة بأن الأحزاب الإسلامية في الأردن والمغرب وتونس أبلت أداء انتخابياً حسناً خلال العامين المنصرمين.

وحتى في البلدان التي كان عمل مثل هذه الأحزاب هو الأسوأ، كمصر، لاتزال شبكات وحركات حيوية ومهمة مرتبطة بجماعة الإخوان موجودة على الأرض. وعلى رغم أن آلافاً عدة من جماعة الإخوان المصرية مسجونون، أو منفيون، أو قتلى، إلا أنه يُستبعد أن تختفي ببساطة هذه المنظمة الضخمة والمُتجذرة.

وتدل التجربة التاريخية أن جماعة الإخوان قادرة على التأقلم مع الصعوبات وتجديد نفسها. ثم أن الفشل المُحتمل لمنافسيها في تحقيق هيمنة سياسية أو في إيجاد أنظمة سياسية مستقرة، سيخلق لها منافذ واستهلالات جديدة. لكن السؤال هنا هو أي قسمات تنظيمية، وسياسية، وإيديولوجية ستُميِّز هذه الجماعة المتجددة، وهل ستكرر الأحزاب الإسلامية الجديدة الأنماط القديمة من السلوكيات؟

الأحزاب السياسية بعد الانتفاضات العربية

قبل خمس سنوات، كان من العسير التكهّن بأن جماعة الإخوان في مصر وزميلاتها في كل أنحاء العالم العربي، ستكون على قدر الصعوبات التي انفجرت في وجهها اليوم. ماكان يبدو آنذاك هو أن الاستراتيجية السياسية والهيكلية التنظيمية والإيديولوجية للجماعة كانت مستقرة نسبياً ويمكن استشرافها، على رغم الجدل المتواصل الذي كان يحوم حول أهدافها النهائية وطبيعتها الحقيقية.

لقد شاركت جماعة الإخوان بفعالية في الانتخابات البرلمانية العام 2005، وواجهت قمعاً متصاعداً في السنوات اللاحقة. وهذا ولَّد قدراً من التضامن مع مجموعات المعارضة غير الإسلامية. وفي الأردن، حافظت جبهة العمل الإسلاميالذراع السياسي لجماعة الإخوان في البلادعلى موقع ثابت، وإن مُتنازع عليه، بوصفها مُعارضة موالية. وخاضت أحزاب مُتفرّعة من جماعة الإخوان الانتخابات في العراق، والكويت، والمغرب، واليمن.

كما طرح مثقفون مرتبطون بالجماعة مجموعة متّسقة من الأفكار حول الديمقراطية واللاعنف، وغازلوا شركاء سياسيين في المنطقة. وبالمقارنة مع التطرف العنفي للقاعدة، كان في وسع جماعة الإخوان طرح فلسفة واستراتيجية ولغة مغايرة للغاية.

والحال أن ثمة سمات أساسية ميّزت الحضور السياسي للأطراف المتفرعة من جماعة الإخوان في العقود التي سبقت الانتفاضات العربية، أبرزها:

  • أنها تمتعت بتراتبية وهيكلية تنظيمية مُحكمة، فرضت درجة عالية من التجانس والتساوق الإيديولوجي والسلوكي على أعضائها.

  • كان لديها حضور علني بارز، حتى حين كانت تُحظَر رسميا، وامتلكت شبكات خدمات اجتماعية واسعة ووجود سياسي وإعلامي نافذ.

  • تبنّت إيديولوجيا وسطية، حددت طبيعة ممارساتها السياسية وعقيدتها الدينية، واعتمدت على مرجعية مروحة من المفكرين والمثقفين.

  • شاركت في الانتخابات كلما سنحت لها الفرصةمن اتحادات الطلبة إلى الانتخابات الوطنيةوأبلت بلاء حسنا.

  • اعتنقت مبدأ اللاعنف، وميّزت نفسها عن القاعدة، مُطمِئَنة بذلك الحكومات الغربية، وحمت نفسها من قمع الدولة.

  • وفي حين أنها ساندت قضايا إقليمية كبرى، على غرار فلسطين، إلا أنها قبلت في الممارسة مفهوم الدولةالأمة، ومحضت الأولوية للأهداف السياسية الوطنية على حساب التزاماتها العابرة للوطنيات.

يمكن تلمّس التغييرات الأكثر عمقاً التي حدثت بعد 2011 في مصر، حيث تبخّرت كل هذه السمات الرئيسة. فلم يعد لجماعة الإخوان المصرية حضور علني قوي في المجتمع، أو شبكات خدمات اجتماعية واسعة النطاق. وتواجه منظمتها الآن معارضة داخلية، ويُثير أعضاؤها الشك حول مبدأ اللاعنف الذي تعتنق. وقيادتها المُبعثرة باتت أقل قدرة على ممارسة السيطرة على التنظيم. ثم أنه لم يعد بمقدور الإخوان خوض غمار التنافس الانتخابي.

في بلدان أخرى، تأقلمت المنظمات الإسلامية بشكل مختلف مع هذه التحديات الجديدة. البعض منها حافظ على الأشكال المؤسسية والاستراتيجيات السياسية التي وُضعت قبل انتفاضات 2011، فيما عمدت منظمات أخرى إلى نبذ أو تغيير بعض القسمات الرئيسة لمحاولة الحفاظ على مواقعها السياسية والاجتماعية العامة.

كذلك، تباينت الخيارات بين الجماعات الإسلامية: فبعضها نجا من القمع واختار العودة إلى الحياة السياسية، والبعض الآخر انخرط في السياسات مابعد الإسلامية، من خلال السماح لنفسها بأن تُستتبع من قِبَل النظام. وهناك طرف ثالث خاض الحروب الأهلية، أو سعى إلى تبيان قيمته لأنظمة عربية.

***

مارك لينش باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تتركّز أبحاثه على سياسات العالم العربي.

:هوامش

1 للاطلاع على المناقشات الصادرة مؤخراً حول الاضطرابات التي تتخبط بها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أنظر أشرف الشريف الإخوان المسلمون ومستقبل الإسلام السياسي في مصر، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولين تشرين الأول/أكتوبر 2014، وأيضاً: Sherif, “The Egyptian Muslim Brotherhood’s Failures,” Carnegie Endowment for International Peace, July 1, 2014, http://goo.gl/U5KhXd; Eric Trager, Arab Fall: How the Muslim Brotherhood Won and Lost Egypt in 891 Days (Washington, D.C.: Georgetown University Press, 2016).

2 مقابلة أجراها الكاتب مع راشد الغنوشي، تونس العاصمة، 23 آب/أغسطس 2016.

3 Mokhtar Awad, “No End in Sight,” Cipher Brief, August 12, 2016, https://www.thecipherbrief.com/article/middle-east/no-end-sight.

4 ستيفان لاكروا، مصر: السلفيون البراغماتيون، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تشرين الثاني/نوفمبر 2016، http://carnegie-mec.org/2016/11/01/ar-pub-64984

5 خليل العناني، الإخوان في الميزان الإقليمي، صحيفة العربي الجديد، 10 آذار/مارس 2015، https://goo.gl/J3KnsA

6 أسامة أبو ارشيد، أزمة الإخوان وتداعياتها المحتملة، صحيفة العربي الجديد، 17 كانون الأول/ديسمبر 2015،  https://goo.gl/dDdxYY

______________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *